بين يدي الموضوع
تعيش الأمة الإسلامية في عصرنا الحالي حالة ضعف ووهن وتفكك، جعلتها لقمة سائغة في فم الأعداء؛ فتكالبت عليها الأمم، وتداعت عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، استبيحت مقدساتها، ودنست حرماتها، ونهبت خيراتها، وعطلت شرائعها. وما وقع في فلسطين من مجازر ومقتلة وتجويع وحصار وقصف بأطنان من القنابل ارتعدت له فرائص الإنسانية، وأرق مضجعها، وأبكى مقلتها، ما استوجب طرح السؤال العملي: ما السبيل لإحياء الأمة الإسلامية وتخليصها من وهن الغثائية؟ ما هي الشروط الضرورية لتحقيق النصر والتمكين؟ كيف نتعلم اليقين في موعود الله بالاستخلاف؟ كيف يكون عملي الصالح لبنة قي صناعة النصر؟
الجواب عن هذا الأسئلة المحورية يقودنا إلى مساءلة الفكر المنهاجي، لاستجلاء معالم السلوك الإيماني الجهادي لبناء شخصية إيمانية فاعلة، وامتلاك شروط النصر والتمكين.
1- تفسير نص الانطلاق
قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: 55].
يقول الإمام القرطبي: “وعد الله بالنصر الذين آمنوا منكم وعملوا الأعمال الصالحة، بأن يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها، مثلما فعل مع أسلافهم من المؤمنين بالله ورسله، وأن يجعل دينهم الذي ارتضاه لهم – وهو الإسلام – دينًا عزيزًا مكينًا، وأن يبدل حالهم من الخوف إلى الأمن، إذا عبدوا الله وحده، واستقاموا على طاعته، ولم يشركوا معه شيئًا، ومن كفر بعد ذلك الاستخلاف والأمن والتمكين والسلطنة التامة، وجحد نِعَم الله، فأولئك هم الخارجون عن طاعة الله”.
يضيف قائلا رحمه الله: “هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: “زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها” وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم، فصح أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة: إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب التسليم له، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم” (تفسير القرطبي).
من خلال تفسير الآية الكريمة، تتضح لنا أهمية العامل الذاتي في تحقيق النصر والتمكين من خلال تحقق شرطي الإيمان بالله والعمل الصالح، فما هو المنهاج النبوي لبناء الشخصية الإيمانية الإحسانية؟
2- الإيمان بالله والعمل الصالح من شروط النصر والتمكين
يقول المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: “من خصوصيات تاريخ هذه الأمة المباركة أنها وعدت بالنصر والاستخلاف في الأرض متى تحققت لها شروط سنة الله (…) لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، ولما كان من الأمة انتكاسات وانكسارات وانهزامات، ولو شاء لرفع قانون الأسباب أمام رسله وأوليائه. لكنها سنته التي لا تتبدل، ووعده المشروط بالإيمان والعمل الصالح، لا استخلاف ولا تمكين إلا بتوفرهما” 1.
الإيمان بالله مقترنا بالعمل الصالح هو لب تغيير ما بالأنفس من غفلة وما بالأمة من وهن، كما أقسم الله بذلك في سورة العصرـ جاء عن سيدنا الحسن البصري قوله: “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وإن أقواما غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا؛ لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل”.
فكيف يتمثل فينا الإيمان بالله والعمل الصالح سلوكا نرقى به في مراتب الدين، وترقى به الأمة الإسلامية للاستخلاف والتمكين؟
من أهم وظائف التربية الإيمانية المنهاجية، الإجابة عن سؤال الكيف المحوري: “كيف نربي الإيمان في القلوب، وعلم الجهاد في العقول، ودراية التحرك بين الناس، وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف الأول وبنظام الصف؟” 2.
هذه الأسئلة الجوهرية كانت محور المشروع التربوي التجديدي الذي من خلاله حاول المرشد رحمه الله، التأكيد على معالم التربية الإيمانية الإحسانية بقصد إحياء الربانية في القلوب لتنبعث فيها إرادة المسارعة للعمل الصالح، كما تلقاها الرعيل الأول من الصحابة والصحابيات غضة طرية صافية المعين على عين ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما دلالة مفهوم التربية الإيمانية في المنهاج النبوي؟ وما هي شروطها ومعالمها البارزة؟
أ- مفهوم التربية الإيمانية الإحسانية
مفهومها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يتمحور حول كونها تغيير باطني لنفس الإنسان وتزكيتها، وتجديد إيمانه وتنميته، وتقويم سلوكه وتهذيبه، وتوجيه سيره وتصحيح وجهته، وبناء على ذلك، فإن وظيفة التربية تتمثل في تنمية الجوانب الفطرية في الإنسان.
“التربية تنمية الإيمان والطموح. التربية صعود إرادي وتصعيد مستمر. التربية اقتراب من الكمال وتقريب، التربية قدح زناد في القلب والعقل، إشعال فتيل، تعبئة طاقات فردية لتنقدح في حركية اجتماعية يعمل فيها العاملون بجهد متكامل ينفع به الله الأمة” 3.
ويلخصها رحمه الله في جملة واحدة: “كمال التربية امتلاك النفس”.
ب- شروط التربية الإيمانية الإحسانية
يقول المرشد رحمه الله: “نحتاج من يشرح لنا فقه السلوك كما نحتاج لمن يضبط لنا فقه الأحكام أصوله وفروعه، وفقه الحلال والحرام، وفقه الفرائض، وفقه اللغة، وفقه أصول الاعتقاد” 4. فقه التربية علم تغيير ما بالأنفس لتحقق مطلب العدل والإحسان، يحتاج شروطا أجملها الفكر المنهاجي في ثلاث:
– الصحبة والجماعة: فسلوكنا سلوكا جماعيا تجديديا منطلقه وأساسه صحبة وارثة دالة على الله ورسوله في إطار جماعة ربانية تجمع بين الهم الفردي والهم الجماعي.
– الذكر الدائم: هي ثمرة خصلة الصحبة والجماعية، فغايتها إذكاء الهمة وانبعاث الإرادة واليقظة القلبية للحضور الدائم مع الله فرضا ونفلا، والمحافظة على الأوراد والأذكار.
– الصدق: استعداد نفسي للوارد ليكتسب شعب الإيمان ويترقى في مقامات الإحسان بالكينونة وصحبة الصادقين. “الركن الذاتي والشرط الأول للسلوك”، فـ”قد يكون العلم بما هو الصدق خطوة فكرية، ولكن من أين لنا حال الصدق وحقيقته؟” 5.
ج ـ معالم التربية الإيمانية الإحسانية
من خلال ما سبق ذكره تتضح لنا بعض ملامح التربية الإيمانية في الفكر المنهاجي، فهي:
– تربية إيمانية إحسانية قرآنية، دستورها الكتاب والسنة، تسعى للتحلي بشعب الإيمان على مدرجة الخصال العشر لبلوغ مقام الكمال.
– تربية إيمانية متوازنة: تسعى لتحقيق التوازن بين مطالب العقل والقلب وتحرير الإرادة للفعل.
– تربية إيمانية جهادية: التجديد الذي جاء به الإمام رحمه الله ليجمع بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين مطلب العدل والإحسان. فالتربية الإيمانية غايتها بعث الإرادة للتهمم بالشأن الخاص والعام، والمسارعة للعمل الصالح بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين خاصتهم وعامتهم، والتكافل الاجتماعي، ونجدة الملهوف، وإطعام الطعام، وإماطة الأذى عن الطريق، ونصرة المظلوم.
3- ثمرات الإيمان بالله والعمل الصالح تحقيق النصر والتمكين
كما جاء في مضمون الآية الكريمة السالفة؛ أن وعد الله بالنصر لا يتخلف متى حققنا العبودية الكاملة لله تعالى، كما جاء على لسان حكيم الأمة سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه: “يا أيها الناس اعملوا صالحا قبل الغزو، فإنما تقاتلون بأعمالكم” (رواه البخاري).
لكن ما سنة الله في تعاقب النصر والهزيمة؟ هل لدينا اليقين في موعود الله بالاستخلاف في الأرض؟ كيف يكون العمل الصالح للمؤمنة لبنة في صناعة النصر؟
أ- سنة الله في تعاقب النصر والهزيمة
سنة الله في الكون تعاقب النصر والهزيمة؛ درس تربوي جاء ذكره في الكتاب والسنة، لقصد الابتلاء والتمحيص، والمزايلة بين الصادقين والمنافقين، قال الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 ـ 3].
“ومن شروط الله وسنته المكملة لمعاني حكمته تعالى في الكون وابتلائه للعباد بالسراء والضراء أن يتعاقب النصر والهزيمة ليربي الله الذين آمنوا ويمحصهم ويمحق الكافرين آخر المطاف. قال جل شأنه عن هزيمة أحد: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 137- 140]” 6.
ب- اليقين في موعود الله بالاستخلاف
الوعد بالاستخلاف والتمكين لعباده المتقين وعد لا يتخلف متى وفينا بالشرط، وقد حقق الله هذا الوعد في الخلافة الراشدة الأولى في عهد الخلفاء الراشدين، ونحن على موعد إن شاء الله مع الخلافة الراشدة الثانية كما جاء في مستهل هذه الآية وكما جاء في الحديث النبوي الشريف. واليقين في موعود الله بالخلافة الثانية على منهاج النبوة حقيقة غيبية، تذكي فينا الاستبشار بنصر الله والسعي لإنجازه: “بشارة عظمى تنير لحاضر الأمة ومستقبلها طريق الظهور والنصر، وتسدد خطانا على المحجة البيضاء نعود إليها إن شاء الله بعدما عَمَّاها عنا دخن الفتن، بشرى نضعها نُصب أعيننا برنامجا لإعداد القوة وأملا مشرقا، بل يقينا تابثا، بأن مواطئ أقدامنا على رقعة الواقع تطابق مواقع قدر الله، وتستجيب لنداء الله، وتقتفي أثر رسول الله، وتماثل مسيرة الخلفاء الراشدين بهداية الله. لا إله إلا الله والحمد لله. روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثُم تكون ملك جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم سكت) 7.
ج- العمل الصالح للمؤمنة لبنة في صناعة النصر
“سؤال المؤمنات وإشكاليتهن: كيف وبم تعبأت الصحابيات فجاهدن في سبيل الله في ساحة القتال جنبا إلى جنب مع الأبطال؟ إن عرفنا سر تلك التعبئة الجليلة ربما كان علينا أن نجاهد جهادا لا دماء فيه تسيل. وهل الإسلام وصفة بمذاق الدم.
إن عثر المؤمنات على سر التربية الأولى التي أنتجت ذلك الإقلاع العظيم من الدنيا وذلك الإقبال الكلي على الله اقتنعن بهوان كل مطل دون قرب الله ووجهه” 8.
وآية الاستخلاف والتمكين تخاطب الفئة المؤمنة ذكورا وإناثا بحكم الولاية بينهما في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيمان المؤمنة وعملها الصالح مقدمة أساسية لبناء أمتها، فحافظيتها تتعدى أسرتها لتعم أمتها جمعاء. كما أن جبهتها الأساسية هي جبهة الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق، فهي حافظة الفطرة السليمة، ومن أجل العمل الصالح ما كان مطببا للقلوب، محييا للنفوس، ومن أجله أيضا ما كان خالصا، موافقا للشريعة، متعديا نفعه للغير.
وتختم بذكر نماذج من الصالحات ضرب الله بهن المثل في العمل الصالح: قال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: 11-10]. وكذلك نزل قرآنا يتلى في تبرئة أم المؤمنين عائشة في حديث الإفك، وسمع الله شكوى الصحابية خولة من فوق سبع سماوات، و أقرأ الله السلام على أم المؤمنين خديجة على لسان سيدنا جبريل عليه السلام لسابقتها وغناءها في الإسلام وحظها من الله، وتعجب الله من صنيع صحابية أكرمت ضيف الدعوة رغم فاقتها وفقرها… وإلى عهد قريب تصدقت فاطمة الفهرية بصدقة جارية لبناء جامع القرويين، فتقبلها الله بقبول حسن، فكانت أول جامعة في التاريخ الإنساني، وضربت نساء غزة المثل في جهادهن وثباتهن على الإيمان، والصبر على تحمل المعاناة والمرابطة على الثغور نصرة لدين الله.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ط2022/5، دار إقدام للطباعة والنشر والتوزيع، إستانبول، ص: 30.
[3] عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، ط2018/4، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ص: 84.
[4] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ط2018/4، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج: 2 ص: 31.
[5] عبد السلام ياسين، الإحسان، ط2018/2، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ج: 1، ص: 294.
[6] عبد السلام باسين، سنة الله، م. س. ص: 11.
[7] نفسه، ص: 18.
[8] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، م. س. ج: 2، ص: 261.