شبابنا وأزمة القدوة

Cover Image for شبابنا وأزمة القدوة
نشر بتاريخ

في عالم موار تتسارع فيه تحولات النظم الاجتماعية، وتتضارب القيم، يجد كثير من الشباب المسلم نفسه ضائعا حائرا، يفتقد البوصلة التي توجهه للطريق القويم، خاصة في ظل تغييب وتحطيم القدوة الصالحة والنموذج الملهم، القادر على التأثير في فكره وبناء وعيه.

لقد كنا منذ زمن قريب نقرأ ونبحث عن القدوات التي نتخذها نبراسا في حياتنا، فتكون وقودا لإشعال مسيرتنا العلمية، ومصابيح تنير لنا دروب الكفاح، حيث نستمد من سيرهم العزم ومن تجاربهم الحكمة، فنمضي لكي نحقق الغايات. أما اليوم فنجد شبابنا قد تاه عن طريق هذه القدوات الصالحة، منصرفا إلى قدوات عابرة، لا تورث علما ولا تبني مجدا.

وفي ظل هذا الوضع المأزوم، تطرح تساؤلات عميقة حول تداعيات هذا الضياع والتيه الذي يشعر به شبابنا، وسبل معالجته.

إن من أبرز أسباب انحراف الشباب عن نهج المثل العليا والمرجعيات الأخلاقية:

1. غياب دور الأسرة وتفكك بنيانها

من المعلوم أن الأسرة المسلمة هي الدرع الواقي لكل شاب ضد الفساد الأخلاقي والقيم الدخيلة، فهي أول مؤسسة اجتماعية تسهم في بناء شخصية متوازنة، قادرة على التمييز بين الصالح والطالح، بين الحلال والحرام، بين الخطأ والصواب، كما تجعله متشبعا بالقيم الدينية والأخلاق النبيلة، غير أن هذا الشاب إذا كان بذرة نشأت في حضن أسرة متفككة، مزقها الطلاق، أو أنهكها الانفصال العاطفي والصراع الأسري، أو شردها الإهمال التربوي، فإنها لا تخرج شطأها على نحو سوي، ولا تؤتي أكلها على الوجه الذي يرجى.

إن إهمال بعض الأسر لدورها الأساسي في التربية الدينية، أسهم بشكل كبير في شعور الشباب بالتيه والضياع، مما جعلهم لقمة سائغة لتأثيرات المحيط الخارجي، الذي انحرف بهم عن جادة الصواب، وقوض في أذهانهم نماذج القدوات المحفزة والملهمة.

2. تهميش دور المساجد

لقد كان المسجد في الماضي يشكل محضنا تربويا حقيقيا، يساهم في بناء الإنسان ويصقل شخصيته على أسس من القيم الأخلاقية النبيلة، فلم يكن دوره مقتصرا على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل اتسع فضاؤه للعلم والتوجيه والتربية والإصلاح، لقد كان مدرسة تُخَرِّجُ شبابا متشبعين بروح القدوة الصالحة في سلوكهم ومعاملاتهم، أما اليوم فقد أضحى المسجد أقل حضورا في صناعة القدوة، حيث خفت صوته في توجيه الشباب نحو الطريق القويم، وغُيِّبَ وهج رسالته، فتراجع إشعاعه التربوي والتوجيهي، مما أثر على البعد القيمي لدى شبابنا المسلم.

3. تغييب دور العلماء والخطباء

يشكل العلماء والخطباء في المجتمعات المسلمة الركيزة الأساسية في التوجيه وبناء الوعي، لما لهم من تأثير قوي في ترسيخ القيم وتشكيل السلوك، لقد كان العالم والخطيب فيما مضى مرجعا تربويا وأخلاقيا ونموذجا يحتذى به، إذ كانت المنابر وسيلة لإحياء ضمائر الشباب وتوجيه العقول نحو المثل والقيم العليا، مقارنة مع واقع اليوم الذي غيب فيه صوت الخطاب الديني في صناعة القدوة، بسبب انشغال شبابنا بمصادر أخرى للتأثير، وعزوفهم عن حضور المنابر العلمية والدينية التي تحقق الهدف المنشود.

4. الفراغ القاتل

إن الفراغ بالنسبة للشباب عملة ذات وجهين، فهو ربح ونماء لمن يحسن استثماره في اكتساب المهارات، وتنمية القدرات الفكرية والجسدية، وخسارة وغبن لمن يبذره في الانحراف والضياع، ويهدره في الأمور التافهة، ويؤكد على هذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (نِعمَتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصَّحَّةُ والفَّراغُ) رواه البخاري.

يؤدي الفراغ إلى شعور الشباب بالخمول والكسل وبعدم وجود هدف وغاية في الحياة، مما يضعف اهتمامهم بتقليد القدوات القيادية الناجحة، والتي يتطلب محاكاتها ومحاذاتها علما وعملا وجهدا، فبالتالي يبحث الشاب عما يملأ وقته عبر وسائل التواصل التي تعتبر تربة خصبة لجذب الشباب بكل الوسائل الممكنة.

5. رفقة السوء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) متفق عليه.

لقد ضرب لنا رسولنا الكريم مثالا حيا لتأثير الرفقة والمجالسة على الفرد في حياته وسلوكه، حيث حثنا على ملازمة الجلساء الصالحين، والتحذير من الجلساء الفاسدين؛ فالشاب المسلم إذا صاحب الجليس الصالح، أشرق قلبه نورا، واستنار فكره هدى، وتفتحت في روحه ينابيع الفضيلة والاستقامة، أما إذا جالس رفيق السوء، فإنه سيفسد عليه دينه ودنياه، ويجمل له القبيح، ويقبح له الحسن، ويجره إلى براثن الرذيلة جرا.

إن “الصاحب ساحب”؛ فقد يسحبك إلى مهاوي المعاصي والآثام والمنكرات، ويضلك عن سواء السبيل، فيهوي بك إلى دركات الضلال – والعياذ بالله -، أو يأخذ بيدك إلى نور الحق ورياض التقوى والإيمان، فيحلق بك إلى معارج السمو ومنازل المعالي.

6. التأثير السلبي للإعلام

يعد الإعلام سلاحا ذا حدين، فقد يكون مرتعا خصبا للشباب المسلم، يتنسم فيه عبق القيم الرفيعة والمعاني النبيلة، محاذيا فيه مسار الرموز الإيجابية والأسوات الحسنة، أو يكون منزلقا نحو الظلمة والتيه.

ومع الأسف الشديد انساق بعض شبابنا وراء ثلة من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، فاغتروا ببريقهم الزائف، واتخذوهم قدوة لهم، ظنا منهم أنهم نماذج يحتذى بها، فقلدوهم وحذوا حذوهم، فمنهم الفنان الماجن الذي يستدرجهم بفنه إلى دركات الفسق، فيصدهم عن سبيل الرشد، والمليونير الفاسد الذي يفتنهم بزخرف الثراء ويزين لهم الباطل وطريق الكسب المنحرفة، فيزهدون عن القيم ومكارم الأخلاق، والمؤثر الفاشل الذي يعتمد على الترند والشهرة السريعة وأنماط الحياة الاستهلاكية، فيغريهم بالربح السريع، والقائد المنحرف  الذي يضلهم ببريق الشعارات الزائفة،  فيصرفهم عن جادة الصواب، والخطيب المفوه الذي يسحرهم بحسن بيانه، ويأسر أسماعهم بزخرف القول، ويضلل أفكارهم بحسن منطقه وبلاغته، فيقودهم حيث شاء دون بصيرة وكأن على رؤوسهم الطير، والأدهى أن هؤلاء الشباب لا يعلمون أن هذه النماذج هي شخصيات افتراضية تتخفى وراء شاشات  مضيئة، لتزرع  في عقولهم بذور الانحراف والخلاعة بعيدا عن واحات القيم والمبادئ والمثل العليا، التي تجسدها القدوات والنماذج المؤثرة تأثيرا إيجابيا.

7. الأسباب الاقتصادية

 يعتبر الضغط المعيشي سببا من أسباب انزلاق بعض الشباب عن مسار الأسوة الحسنة، والعزوف عن اتخاذها نموذجا يحتذى، ذلك أن الفقر والبطالة يؤديان بالشاب إلى التفكير في سلوكيات خاطئة مثل السرقة، والاحتيال، وقبول أعمال غير قانونية، وشهادة الزور، والقتل… خاصة إذا كان محاطا  ببيئة غير سوية تدفعه إلى طريق الغواية والضلال، فعندما يشعر بعض شبابنا بالإحباط وفقدان الأمل في المستقبل، يبحثون عن نماذج من القدوات التي حققت النجاح في حياتها من خلال الطريق السهل، فيغترون ببريق الإنجاز السريع الذي ظاهره النجاح وباطنه الحرام، فيعتقدون أن تحقيق الأحلام يكون دون صبر أو تعب، وهكذا يضعف تأثير النموذج القدوة أمام ضغط الواقع المر.

وبعد أن وضعنا أصبعنا على مكمن الداء، يجب  علينا حتما أن نحيي في  نفوس أبنائنا وشبابنا نماذج القدوات الصالحة، فنغرس فيهم معاني القيم والأخلاق النبيلة، من خلال سير العلماء و العظماء، لا كسِيَر تُحكى بل كنماذج تحتذى، فحين يجد الشاب في واقعه قدوة حية تتجسد في معلم مخلص، وأب صالح، ومرب صادق، وعالم لا يخاف في الله لومة لائم، ومجاهد قائم على ثغر من ثغور المسلمين، وإمام عادل، وخطيب مؤثر يربط الكلمة بالفعل، عندها ستجسد أمامه القيم كسلوك يومي، فينصرف عن الزائف إلى النافع، ويميز القدوة الحقيقية عن الصورة المزيفة. فإذا اجتمع التوجيه الصادق، والإرادة الواعية، والبيئة الصالحة، عاد الشاب إلى جادة الصواب وبحث عمن ينير دربه، ويملأ فراغه، ويحيي فيه جذوة الطموح وسمو الخلق، عندها فقط يدرك أن المجد لا ينال باتباع  المؤثرين الزائفين بل بالسير على خطى الصادقين.