الحمد لله الذي لا تراه العيون ولا تحيط به الظنون، أشهد أن لا إله إلا هو سبحانه إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الدر المكنون والجوهر المصون، ما رأت مثله قبله ولا بعده العيون، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه عدد ما كان وعدد ما يكون.
أما بعد؛
فيقول المولى عز وجل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5).
أحبابنا الكرام؛
ماذا فعلت السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي لها ما وقع له مع الملك في الغار؟
ماذا فعلت وهي تسمع توأم روحها يقول لها: يا خديجة لقد خشيت على نفسي…؟
قالت له رضي الله عنها (1): كلا والله ما يخزيك الله أبدا… إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
أيّ شهادة هذه؟!
شهادة الزوج في زوجها.. وشهد شاهد من أهلها.
أعظم الشهادات؛ شهادة الزوجة في الزوج، والزوج في الزوجة.
نحن لا نرى من الرجل خارج بيته إلا ما يريدنا أن نرى، ولكن من يعرفه حقا هي زوجه، هي تلك التي تسمع أنفاسه، وتحفظ أسراره، وتعلم عيوبه، وتسمع غطيطه عند نومه.
ماذا تقول له السيدة خديجة رضي الله عنها؟ تقول له: كلا والله ما يخزيك الله أبدا… أنت تصل الرحم، أنت تحمل الكل، أنت دائما مع المظلوم والمعدوم. كلا أنت ما تستحق خزي الله عز وجل.
كانت هذه أوصاف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه، فبالله عليكم كيف يكون بعدما يوحى إليه؟
أخذت رضي الله عنها بيده وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، فقالت له: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له: ماذا ترى؟ فقص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا حينما يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. وما لبث ورقة أن توفي وفتر الوحي.
أخطر جمهور تقابله في حياتك هم جمهور بيتك، هم أبناؤك وأهلك. إن صدق فيهم إيمانك، صدق فيهم بيانك، منهم الوُدّ والمد، ومنهم الهد والصد.
عجبا لمن يريد من امرأته أن تكون ملكا، وقد جعل بيتها جحيما.
عجبا لمن يريد من زوجته أن تساعده وتعينه وتقف معه عند الاضطرار، وهي لم تر منه إلا الضرر والضرار.
يا أخي؛ قبل أن تتصدق بابتسامتك على الآخرين، تأكد أن أهل بيتك في غنى عنها.
يا أخي؛ الصدقة في المقربين أولى.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وحزبه.
https://www.facebook.com/ChahedTv/videos/635728863831145/
(1) “عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ،ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: “اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم”، فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي”. رواه البخاري.