سياسة تفقير الشعوب.. إلى متى؟

Cover Image for سياسة تفقير الشعوب.. إلى متى؟
نشر بتاريخ

شكل الفقر نقطة ارتكاز في فكر العديد من الدارسين والمهتمين حيث خصصت له مساحات كبيرة في الكتب والنقاشات. والفقر كلمة تنم عن إحساس بالحرمان والفقد، يعتبران لب ما هو متعارف عليه من تعريف للكلمة في أبعادها المختلفة.

كلمة تحمل كافة معاني الهشاشة والضياع، معاني تضرب أطنابها في محيط يتعامل بغير ما أنزل الله ضربا بعرض الحائط مفاهيم العيش الكريم والتوزيع العادل للثروات وخيرات البلاد.. فكان نتاجها الطبيعي فروق طبقية واسعة وسياسات تهميش ضاربة لعمق المجتمع..

فما هو تعريف الفقر وما هي أسبابه؟ هذا ما سيحاول المقال ملامسته.

تعريف الفقر

الفقر لغة: العوز والحاجة، وهو ضد الغنى، وهو مشتق من انفقار الظهر، أي انكسار فقاره، فكأن الفقير مكسور الظهر من شدة حاجته.

أما اصطلاحا: فالفقير هو من لا يملك ما يكفيه من المال.

والفقر عند علماء الاقتصاد هو العجز عن إشباع الحاجيات الأساسية للفرد أو المجتمع (من غذاء وملبس ورعاية صحية وتعليم) وانخفاض مستوى المعيشة مع انعدام الحيلة.

علما أن ماهية الفقر عند علماء المسلمين غالبا ما ترتبط بأمور الزكاة (وغيرها من أوجه التكافل المادي) والامتناع عن أدائها.

فالزكاة تعتبر من الموارد الأساسية للفقراء والمساكين، إلا أنها تكاد تندثر في غياب العمل بشرع الله سبحانه وتعالى، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ: “من كان معه فضل ظهر فليَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل” رواه مسلم.

إن العقل البشري المؤمن التقي لا يقبل وجود الطبقية في المجتمع، ولا يستطيع المؤمن أن يبيت شبعانا وجاره جوعانا. إلا أن تلويث الفطرة والركون إلى الدنيا وعوالمها أثّرا على القلوب؛ فانتشرت الأنانية والشح والأثرة وغابت الرحمة وضعف الإيمان، مما أدى إلى انتشار الحاجة والبؤس..

ولا مرية في أن سياسات تفقير الشعوب جعلت الأمة غارقة في أوحال الجهل والهوان وتجرع مرارات الشتات والإذلال بدل العزة والمواجهة والمقاومة، فـ“في أذن الجائع لا يسلك إلا صوت يبشر بالخبز” [1].

أسباب الفقر

إن الحديث عن المسببات الرئيسية للفقر يحيلنا على أخطبوط مستحكم في البنى العميقة لأغلب دول العالم ومؤسساتها.

وعليه، نجد أن الأوضاع السياسية والأمنية من الأسباب التي تكرس الفقر وتخنق الأنفاس وتشدد التضييق، لتعلن حربا ضروسا لإسكات صوت الحق والإلهاء عن المشاكل الحقيقية والاستفراد بالتحكم في الموارد وتكريس التبعية والخنوع.. والذي يؤدي الثمن هو المواطن المقهور المكسور المذلول، الذي جعلوه يقتنع بأنه مسؤول عن فقره، في خطة دنيئة تهدف لاستئصال أي مقاومة أو دفاع عن حقوقه وخيرات بلاده.

وتتعدد أسباب الفقر، وترتبط بمجالات كثيرة، نعرض بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر:

–  تفشي الظلم والتعسف وسلب الثروات.

– صناعة الحروب والعقوبات، خاصة العقوبات الاقتصادية.

– تحكم الدول الخارجية والمؤسسات الدولية في الاقتصاد.

– تدني مستوى التعليم.

– غياب العدل في توزيع الثروات، واستئثار فئة قليلة بخيرات الدول.

– انخفاض مستوى النمو الاقتصادي.

– قلة فرص العمل، وانتشار البطالة.

–  تدني مستوى الأجور.

– ضعف الوازع الديني التكافلي.

– التعرض للأزمات والظروف الطارئة، مع ضعف التخطيط لوضع برامج استباقية لمواجهتها.

ولا ريب في أن النظر في ميزانيات الدولة يجعلنا نبصر القضية في أبعادها العميقة؛ من سوء ترشيد الموارد والنفقات العمومية، وسوء التدبير الذي يهدف إلى إحداث التوازن المأمول بين كل شرائح المجتمعات، واستفراد فئة معينة بالتدبير والتسيير مع ضعف سلطة المراقبة والمحاسبة، وأحيانا غيابها، واستفرادها بالتبع بخيرات البلاد..

كما أنه لا يمكن أن ننفي ما كشفت عنه التداعيات الاقتصادية لجائحه كورونا -كوفيد 19- من تعميق لجروح الفقراء، وما سيتمخض عنها من تراكمات مأساوية في حال استمرار نهج الدولة، على الرغم من بعض الجهود الترقيعية المحدودة الأثر، ناهيك عن الاستكبار والسلطوية المتجذران في الأنظمة الاستبدادية التي لا تعطي الأهمية والأولوية للمواطن.

إن معضلة الفقر المتعدد الأبعاد تستلزم منا أفرادا؛ نضجا وتكافلا وتعاونا.. ودولة البحث عن حلول جذرية بعيدة عن سياسة البروباغندا والحلول الترقيعية، تسبقها إرادة سياسية حقيقية للتغيير والنهوض بالمجتمع.


[1] عبد السلام ياسين، الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية، ط 1987/1، ص 12.