دة. سوجار: إدانة “صهيب” هي محاكمة لمسار الديمقراطية وتجريم للفعل المدني السلمي

Cover Image for دة. سوجار: إدانة “صهيب” هي محاكمة لمسار الديمقراطية وتجريم للفعل المدني السلمي
نشر بتاريخ

تستمر ردود الفعل الحقوقية المنددة بقرار إدانة الناشط والفنان صهيب قبلي، حيث اعتبرت أوساط حقوقية أن هذا الحكم يمثل حلقة جديدة في سلسلة التضييق على الحريات الأساسية في المغرب. وفي هذا السياق، قدمت الناشطة الحقوقية الدكتورة سارة سوجار قراءة تحليلية للملف، واصفة إياه بأنه يتجاوز كونه قضية فردية ليصبح مؤشرا على تراجع المسار الديمقراطي والحقوقي العام في المغرب.

سياق عام من التضييق الممنهج على الحريات

ترى سوجار في تصريح خاص لبوابة العدل والإحسان أن إدانة الفنان صهيب تأتي في “سياق عام من التضييق على الحريات”، وبشكل خاص تلك المرتبطة بالتظاهر، التعبير، التجمع، وممارسة الفعل النضالي أو الدفاع عن حقوق الإنسان. موضحة أن هذا السياق يتميز بتزايد ملحوظ في حجم الاعتقالات التي تسلب الأفراد حريتهم لمجرد ممارستهم لحقوقهم المشروعة.

وتشير المتحدثة إلى أن هذا التضييق يمس بشكل كبير “مواقع التواصل الاجتماعي”، وهو امتداد لموجة اعتقالات بدأت منذ عام 2016. وقد شملت هذه الموجة قادة “حراك الريف”، ثم تلتها اعتقالات في صفوف الصحفيين والمدونين، وصولا إلى استهداف المدافعات عن حقوق الإنسان.

وبينما سردت أسماء عديدة لنساء طالهن الاعتقال إضافة إلى أعداد كبيرة من شباب من “جيل زيد”؛ شددت المحامية على أن هذا “المسار القمعي” وصل إلى الفنانين، ومنهم حالات سابقة وصولا إلى الحالة الراهنة لـ “صهيب”.

مؤشرات غياب الممارسة الديمقراطية واحترام الإبداع

واعتبرت أن هذه الحالات الكثيرة للاعتقالات تبقى “مؤشرا على عدم ممارسة الديمقراطية” وعدم احترام ضمانات الحرية للمدافعين عن حقوق الإنسان. مشيرة إلى أن هذا الواقع يعكس خللا في حماية حرية التعبير في مجالات الحراك الرقمي، سواء عبر التدوين أو التعبير السلمي داخل فضاء التواصل الاجتماعي.

وشددت على أن “التعبير الفني” بجميع أشكاله يجب أن يكون محميا، موضحة أن ما قام به هؤلاء الشباب يندرج بالكامل تحت لواء الفن، وأن محاكمة هذا النوع من الإبداع تعني غياب الاحترام الفعلي لحرية التعبير التي يُفترض أنها مكفولة كونها ممارسة سلمية.

وفي هذا الإطار، تؤكد الناشطة أن “المواثيق الدولية لحقوق الإنسان”، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قد ضَمِنت بوضوح حرية التعبير السلمي. وتوضح أن هؤلاء النشطاء لم يحملوا سلاحا ولم يدعوا إليه، بل اعتمدوا “المقاومة المدنية السلمية” خيارا وحيدا للتعبير عن آرائهم.

خرق المعايير الدولية وشروط تقييد الحريات

وتوضح سوجار في حديثها أن الدول ملزمة بوضع ضمانات قانونية وتشريعية تحترم حرية التعبير وتطبقها على أرض الواقع. مشيرة إلى أن أي تضييق على هذه الحرية من قبل السلطات يجب أن يخضع لثلاثة شروط أساسية وهي: “مبدأ التناسب، ومبدأ الضرورة، وقانونية التدخل أو التقييد”.

وبالنظر إلى ملف “صهيب” والملفات الأخرى التي أشارت لها، تجزم الناشطة بـ “انعدام التناسب” في هذه الأحكام، إذ لا يمكن أن يكون سلب الحرية هو المقابل لتعبير مدني سلمي على منصات التواصل الاجتماعي. فالعقوبة السجنية هنا لا تتوافق إطلاقا مع طبيعة الفعل المرتكب الذي لا يتعدى كونه رأيا أو إبداعا فنيا.

كما تضيف المتحدثة أن شرط “الضرورة” مفقود تماما في هذه المتابعات؛ لأن هؤلاء الأفراد “لا يشكلون نهائيا أي خطر” على المجتمع. وتستنكر محاولات مؤسسات الدولة تصويرهم كعناصر خطرة، متسائلة بوضوح: “ما هي هذه الخطورة التي يمكن أن تشكلها تدوينة أو مقطع فني وموسيقي؟”

الدستور المغربي ومعضلة “تجريم الفعل النضالي”

ونبهت الناشطة للحقوقية إلى مفارقة قانونية، وهي أن “الدستور المغربي قد دستر حرية التعبير والتظاهر والتجمع”، وبالتالي فإن القوانين الحالية لا تجرم هذه الأفعال في الأصل. ومع ذلك، تلاحظ الهيئات الحقوقية وجود “تكييف لهذه التعبيرات المدنية السلمية” واعتبارها جرائم يعاقب عليها القانون.

وتصف سوجار المرحلة الراهنة بأنها فترة تشهد بوضوح “تجريم الفعل النضالي وتجريم الفعل المدني السلمي”. موضحة أنه بدلا من حماية الحقوق الدستورية، وتحول النشاط المدني إلى تهم جنائية وجُنح تستوجب المتابعة القضائية والتقييد، مما يفرغ الوثيقة الدستورية من محتواها الحقوقي.

وتؤكد المتحدثة أن ما يحدث اليوم هو “تكييف للأفعال السلمية على أساس أنها جرائم وجنح”، بهدف الحد منها ومحاصرتها. وهذا التحول نحو المقاربة الأمنية والقضائية في التعامل مع الآراء المخالفة تعتبره الناشطة انحرافا عن المسار القانوني السليم الذي رسمه الدستور.

إدانة لمسار الديمقراطية وليس للأشخاص فحسب

وتخلص المتحدثة إلى أن الإدانة لا تخص “صهيب” لوحده، وإنما هي “إدانة للتعبير المدني السلمي” الذي عرف تواترا واستمرارا منذ عام 2011. فكل الاحتجاجات والتعبيرات التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي خلال العقد الأخير تعرضت لعمليات تجريم ممنهجة.

وتحذر الناشطة من “خطورة تجريم الفعل المدني السلمي” وما يترتب عليه من تضييق ينعكس تلقائيا وبشكل سلبي على مسار الديمقراطية. فبدون حرية تعبير حقيقية، لا يمكن الحديث عن تطور ديمقراطي، حيث تصبح الحريات الأساسية هي الضحية الأولى لهذا التوجه.

وفي ختام تصريحها، شددت المتحدثة على أن هذا الملف “ليس ملفا معزولا”، بقدر ما هو جزء من سياق عام من الخروقات المرتبطة بحقوق الإنسان. ووصفت المحاكمة بأنها “انتهاك آخر يحاكم مسارا كاملا للديمقراطية” في البلاد، وليس مجرد محاكمة لأشخاص على أفعالهم.