رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاة

Cover Image for رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاة
نشر بتاريخ

في محراب المحبة نقف خمس مرات، ويزيد عليها المحب العاشق مرات ومرات..

عروج روحي في رحاب الملكوت الأعلى، حيث يتدثر القلب برداء الخشوع، وتتهيأ الجوارح سكينة ووقارا..

فالدخول إلى الحضرة القدسية يتطلب جسدا نظيفا، ولباسا أنيقا، وقلبا سليما حاضرا..

تلك الطهارة التي تغسل بها أدران الغفلة والهوى، تزيح بها ما خاض فيه لسانك مع الخائضين، وتزيل عن فمك فضول كلام.. فتمضمض بماء الصدق.. معطرا فيك لتليق به تلاوة الذكر الحكيم..

تلك اليدين تخلل بين أصابعها ماحيا وزر الذنوب والآثام..

ثم تضيء عيناك بعد عتمة ظلام تتبُّع النظرة تلو النظرة.. وتمحو ما نالهما من إطلاق النظر في محارم الله..

ووجهك يشرق بالنور..

ومع كل قطرة ماء تُسقى بماء الشباب، وتُزيَّن ملامحك بنور القبول في الأرض والسماء..

تمسح عن أذنيك ما اقترفته في حقهما من استماع استحليته وقد أرخيت عنانهما متقصيا أخبار فلان وفلان.. وما لا يعنيك من سيرة علان.

تنظف رجليك من خطوات، خطوتها في غير مرضاة الملك العلام..

ومع كل ماء انسكب على بدنك.. تجهزت، وخرجت جديدا، مشعا، براقا بالحسنات..

تردد شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وكأنها ولادة جديدة، وانبعاث روحي، وخروج من غيابات الغفلة والهذيان..

تزيل عنك لباسا قد لفَّه غبار الطريق، ولفحته روائح الأكدار ..

لتتزيى بما يليق بلحظة معراج من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة..

ذاك المكان الذي هيأته، واختليت فيه مع نفسك، محدثا مليكك بلغة القلوب الصدوقة المخمومة، ولسانك يلهج بكلام ربك.. آيات محكمات من الذكر الحكيم..

عبادة اجتمعت فيها أعظم الطاعات؛ من تلاوة قرآن، وتسبيح، وذكر، ودعاء..

ركوع يحقق عبوديتك وضعفك بين يدي الرحمان.. وسجود تضع فيه كل الأمنيات..

لتنتهي لحظات لو علم سكينتها وطمأنينتها التاركين الغافلين، لقاتلوا أصحابها بالسيوف..

وتأبى أن تبرح مكانك، وتغادر لحظات أنسك وسعادتك، حتى تعقبها بالباقيات الصالحات.. فتهنأ بك ملائكتك وتسجل اسمك في صحائف المقبولين التائبين العابدين..

 وقد نعِمتَ وحظيت بهذا الجو الإيماني العظيم، وذقت فعرفت.. وما حرمت من رحابة وقت وسعة حال، حتى أديتها على وجهها الأكمل.

غيرك ينتف من وقته وشغله وشاغله ومرؤوسه والناس أجمعين..

فتراه يتوضأ من قنينة ماء صغيرة، تتضاعف جرعاتها، ويستفيض ماؤها نية وقصدا.

ثم يتوجه نحو قبلة السماء، راكنا عربة محملة ببضاعة مزجاة، يفترش عشبا وورقا.. أي شيء ما دامت أرض الله قد جعلت مسجدا وطهورا.. وما همه إلا موعده الرباني الذي لا يجب أن يفوت.. ولا يليق بمسلم ذلك..

أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره..

جهر بطاعة الله، في زمن تفشي المعاصي وإعلانها دون حياء..

سمة من سمات الصالحين.. ونية خالصة لا يشوبها رياء ولا سمعة..

كل هم القلب أن يكون حاضرا عند نداء: “حي على الصلاة .. حي على الفلاح”.

“الصلاة خير من النوم.. الصلاة خير من النوم”.

إنه نداء المولى للسيدة مريم عليها السلام: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.

فالمقامات والمنازل العالية لا تنال إلا في محاريب الطاعة ومواضع السجود وصحبة الصالحين.