حين تهلُّ أنوارُ شهر رمضان المبارك، لا يحلُّ علينا مجردُ زمنٍ للإمساك عن الطعام والشراب، بل تشرقُ في الأمة دورةٌ ربانية مكثفة لإعادة بناء الإنسان. وفي فكر الإمام المجدد عبد السلام ياسين -رحمه الله- يتجاوز الصيامُ كونه ركناً تعبدياً فردياً، ليصبح مختبراً منهاجياً تتجسد فيه الخصال العشر التي هي عمادُ الشخصية المؤمنة وقوام جند الله.
شهر تشرع فيه أبواب السماء، وتنزل فيه الرحمات، وتتحسس فيه القلوبُ طريقها نحو باريها، متحررةً من أثقال المادة وقيود العادة. ولهذا علمنا أسوتنا وقدوتنا سيدنا رسول الله ﷺ أن ندعو الله تبارك وتعالى أن يبلغنا رمضان، فقد كان من دعائه ﷺ: “اللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان” 1.
رمضان والخصال العشر: الدورة التربوية المتكاملة
تعتبر الخصال العشر في منهاج النبوة المادة الأساسية لبناء جند الله. وهي كما أخبر الحبيب صلى الله عليه سلم بمثابة الصوى والمنارات الضامنة للسير الحثيث على طريق الاستقامة والهدى، روى الحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق» 2.
طريق تختصر فيه المسافات في شهر رمضان، فمن صحبةٍ تجمع القلوب على مائدة الوحي، إلى ذكرٍ يوقظ الغافل من رقدته، وصولاً إلى جهادٍ يكسر قيود النفس ليحرر إرادة الأمة. إنه زمنُ اقتحام العقبة، حيث يمتزجُ نداء “يا باغي الخير أقبل” بصرخة الانعتاق من أسر الهوى، طمعاً في نيل مقام الإحسان، وبناءً لصرح العدل الذي لا يقوم إلا على أكتاف رجالٍ ونساءٍ صهرتهم مدرسة الصيام، فخرجوا منها بخصالٍ تضيءُ ليل الأمة وتستشرفُ فجرها الموعود.
1. الصحبة والجماعة
قال الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186]، جاءت هذه الآية المباركة في سياق الحديث عن شهر رمضان وفريضة الصيام لتبرز الرابطة القوية بين العبد المتقرّب وربِّه. ولتعلمنا كيف يكون الصيام والدعاء في شهر رمضان من أمتن الروابط، وأقرب القُرَب، تعرضا لنفحات الله، ودعاء وتضرعا للفوز بمنازل القرب.
في مدرسة رمضان، يتدفق العطاء الإلهي مددا يطهر القلوب وينورها، فتمتن الأواصر بالاجتماع في بيوت الله على موائد الرحمة، ويتحول الاجتماع من عادةٍ إلى قربى، ومن جيرةٍ إلى عمارةٍ بالحب في الله. وليست الصحبة والسلوك إلى الله شيئا آخر غير الحب. روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: “والَّذي نفسي بيدِه لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا أولا أدلُّكم علَى شيءٍ إذا فعلتُموهُ تحاببتُم أفشوا السَّلامَ بينَكم” 3.
الصحبة في الله محبة في الله وتآخٍ وتراحم يرتفع بها الوافد على جماعة المؤمنين في درجات حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2. الذكر
لا بد للصحبة من زاد، والزاد هو ذكر الله الدائم حتى لا يستحيل التحاب عاطفة مجردة في سماء الأماني. ولقد ربط ربنا عز وجل شهر رمضان بالقرآن الكريم حيث قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185].
وتعد تلاوة القرآن، وإقامة الصلوات المفروضة، وقيام الليل، من أجل مظاهر ذكر الله وحضور القلب مع الله خلال شهر رمضان. مظاهر تجسد الامتثال والاستجابة لنداء الله عز وجل في سورة العنكبوت: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45].
القرآن وتعهد تلاوته أعلى مراتب الذكر، قال تعالى متحدثا عن القرآن الكريم: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: 44]، ولهذا كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يتعاهد القرآن ويكثر من تلاوته في هذا الشهر، وكان جبريل عليه السلام يعرض القرآن فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، روت فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إَنَّ جبريلَ كان يعارضُنِي القرآنَ كلَّ سَنَةٍ مرةً، و إنَّهُ عارضَنِي العامَ مرتينِ، ولا أراهُ إلَّا حضرَ أجلِي، وإنَّكَ أولُ أهلِ بَيتِي لحاقًا بي، فَاتَّقِي اللهَ واصْبِرِي، فإنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أنا لَكِ” 4.
فالقرآن هو حبل الله الممدود بين سماوات الإحسان وأرض العمل والجهاد، لمن أراد أن يمتطي معراج الروح ويرتقي يوم يقال لقارئ القرآن: “يُقالُ لصاحِبِ القرآنِ اقرأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلَكَ عندَ آخرِ آيةٍ تقرؤُها” 5.
ومع القرآن وقبله وبعده يجتهد المؤمن في كل صيغ الذكر المسنونة، وليحرص أن يكون له منها ورد وحظ. فَلَإِنْ كان القرآن ذكرا، فالذكر أيضا قرآنٌ بما هو استجابةٌ لأمر الله ولندائه، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41] وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
وشهر رمضان أيضا هو شهر الدعاء بامتياز، وليس الدعاء شيئا آخر غير الذكر، بل هو الذكر في أكثر حالات العبد حضورا مع الله عز وجل بالحاجة والندم والاضطرار والرجاء والخوف.
3. الصدق
الصيام سرٌّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه إنس ولا جن ولا ملك مقرب، بدليل قول ربنا عز وجل في الحديث القدسي: “كل عمل بن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به” 6.
الصومُ خبيئةُ القلب، لا يطّلعُ عليه إلا الله. يتركُ العبد محبوباتِ نفسه استجابة وتقرُّبًا لمحبوبِه الأعظم. فهو بهذا من أعظم تجليات الصدق. قال عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: “عبدي ترك شهوتَه وطعامَه وشرابَه ابتغاءَ مرضاتي” 7.
4. البذل
يعتبر شهر رمضان بحق شهر البذل والعطاء، يحبس العبد نفسه عن الشهوات فيرق قلبه للمحتاج والمسكين، وتجود نفسه بفضل وقته وماله في سبيل الله والمستضعفين، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عباس: “كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ” 8.
5. العلم
رمضان موسم عمارة المساجد وتلاوة القرآن ومدارسته. وحضور حلق العلم والتفقه في الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” 9 وقال أيضا: “مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ” 10.
إقامة مجالس العلم في هذا الشهر تربط الناس بالوحي ومعانيه، وتعتبر من أعظم ما يحصل به الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي: “كانَ جبريلُ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ من شَهرِ رمضانَ فيدارسُهُ القرآن”.
6. العمل
من الأوهام الفاسدة والعادات السيئة تلك التي تريد أن تجعل من شهر رمضان شهر خمول وكسل، بحجة التفرغ للعبادة فقط. وهذا مناف لمقاصد الصيام العظيمة ومنها تقوية الإرادة والعزم والتعود على الصبر والتربية على التحمل. وكل هذا ينبغي أن ينعكس على إتقان الأعمال والقيام بالمسؤوليات على الوجه الأكمل: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَه” 11.
والتاريخ شاهد على الإنجازات الكبرى التي تحققت في شهر رمضان وعلى رأسها غزوة بدر الكبرى وفتح مكة وغيرها من المشاهد العظيمة في تاريخ المسلمين.
وليكن المؤمن على يقين أن إتقانه لعمله وسعيه مع مشقة الصيام يزيد من ثوابه. فالصبر يرفعُ القيمة، وبَرَكةُ الزمانِ تُعظمُ الأجر.
7. السمت الحسن
إذا كان السمت هو التميُّز شكلاً ومضموناً عن مظاهر الجاهلية ومخابر الفتنة، فإن هذه الخصلة تتجلى في شهر رمضان في أبهى صورها على مستوى الأفراد والجماعات. فلا تكاد أيام شهر شعبان تنقضي حتى تشرئب الأعناق لمراقبة ميلاد هلال رمضان؛ حيث يخرج الناس من الزمن المادي إلى الزمن الإلهي، وتصبح الأوقات مرتبطة بالأذان والصلوات.
وتعم نفحات الخير والبركات، فيقلع عامة العصاة عن الموبقات، وتكتظ بيوت الله بالمصلين والقائمين صغاراً وكباراً.
ومن أجمل مظاهر السمت الحسن التي ينبغي الاعتناء بها وإحياؤها في مجتمعاتنا، ذلك الاحتفاء الرباني والاجتماعي بالبنين والبنات الذين يصومون لأول مرة؛ حيث يُزفون في أجواء من البهجة والسرور، خاصة في ليلة السابع والعشرين عظيمة القدر، وتُصنع لهم التقاليد الصغيرة التي تعلق في الذاكرة. حيث يُشيع المجتمع أطفالَه ليشاركوا الكبار شرف قيام الليل تشجيعاً لهم على الصبر وربطاً لقلوبهم الناشئة بجمالية العبادة.
إن هذا السمت يتجسد أيضاً مشاركتهم الكبار بركة “وجبة السحور” من وقت لآخر، ليتشربوا روحانية الجماعة منذ الصغر. هكذا يُفشى السلام، وتوصل الأرحام، ويُطعم الطعام، كأنما النفوس تنقاد طوعاً لمنادي السماء؛ أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه في شهرِ رمضانَ: “يُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ” 12.
8. التؤدة
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “صومُ شهرِ الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، يُذهبن وحرَ الصدر” 13، وشهر الصبر هو شهر رمضان، ووَحَرُ الصدر غِشَّه ووساوسه، وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب، وكل هذه الأوصاف من نواقض خصلة التؤدة ونقيضات شعبها. والصوم دواؤها وعلاجها. إذ يحمل النفس على الحلم والصبر، ويرقيها على معراج الثبات، وشحذ الإرادة وعلو الهمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم” 14.
9. الاقتصاد
رمضان هو شهر “الاقتصاد” حيث القصد في التوجه والوجهة بطلب وجه الله والسعي لنيل رضاه، وهو أيضا شهر الاقتصاد بتجنب الإسراف والقصد في النفقات.
الصيام معراج روحي، حين يكف الجسم عن الماديات الممنوعة شرعا، ويمسك الجوارح واللسان عن المعاصي، ويشغلها بالعبادة لتتحرر من أثقال الأرض وتتعلق بمعاني السماء.
تقليل الطعام والشراب هو تربية على الزهد في الفضول والتحرر من عبودية الاستهلاك، لتتفرغ النفس لطلب المعالي.
10. الجهاد
الصيام هو الجهاد الأصغر ضد شهوات النفس، وهو تربية وإعداد لمعاني ومصادر القوة للتصدي للجهاد الأكبر، جهاد نصرة دين الله في الأرض، بنصرة قضايا الأمة وحمل هموم المسلمين وسائر المستضعفين.
إنه الشهر الذي نجدد فيه العزم لنمضي بجماعة المسلمين من وهن الغثائية إلى قوة البناء. مستلهمين من مدرسة الصيام كيف يكون العدل ثمرة لإحسان القلوب، وكيف يكون المنهاج النبوي حقيقة حية تسعى بين الناس، تُحيي موات الهمم وتستشرفُ عزة الأمة الموعودة بالاستخلاف في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55].
[2] أخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن أبي هريرة رقم 429.
[3] أخرجه مسلم عن أبي هريرة الرقم 54.
[4] أورده الألباني في صحيح الجامع الرقم 2054.
[5] رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو الرقم 1464.
[6] أخرجه البخاري عن أبي هريرة الرقم 1894.
[7] أخرجه أحمد عن أبي هريرة الرقم 9127.
[8] أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس الرقم 6.
[9] أخرجه البخاري عن عثمان بن عفان الرقم 5027.
[10] أخرجه البخاري عن معاوية بن أبي سفيان الرقم 71.
[11] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن عائشة أم المؤمنين الرقم 897.
[12] أخرجه الترمذي عن أبي هريرة الرقم 682.
[13] أخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن عبد الله بن عباس الرقم 5037.
[14] أخرجه البخاري عن أبي هريرة الرقم 1894.