هلَّ رمضان وحلت علينا نعمة الحنان المنان، يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ [البقرة: 185]، فآن للقلوب التي أضناها البعد أن تعود، وللأرواح التي أنهكها التيه أن تؤوب إلى بارئها، وآن للنفس أن تطهر وتزكى بعدما عصفت بها الأهواء، وتلاعبت بها الإغراءات، وأثقلتها وساوس شياطين الجن والإنس، يقول تعالى في محكم تنزيله قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 9].
فما المقاصد العظمى للصيام؟ وكيف نغتنم هذا الشهر المبارك؟
أولا- مقاصد الصيام
إن المقصد الأسمى في رمضان هو تقوى الله عز وجل، يقول عز وجل في محكم تنزيله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183].
ولتحقيق التقوى المرجوة في هذا الشهر الفضيل، لا بد للمؤمن من العودة لذاته ليتصفحها ويحاسبها فيقف على مواضع الخلل فيها فيصلحها، يقول محمد الغزالي رحمة الله عليه: “ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها، ليتعرف عيوبها وآفاتها… إن الإنسان أحوج الخلائق إلى التنقيب في أرجاء نفسه وتعهد حياته الخاصة والعامة بما يصونها من العلل والتفكك، ذلك أن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاحتكاك بصنوف الشهوات وضروب المغريات، فإذا تُرك لعوامل الهدم تنال منه فهي آتية عليه لا محالة…” 1.
فما أحوجنا لاغتنام هذه المعاني في هذا الشهر الكريم التي تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار، لتثبيت عدد من الطاعات وتقرير عدد من العادات، لتحقيق التقوى المرجوة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جاء رمضان فُتّحـت أبواب الجنة، وغُـلّـقـت أبواب النار، وصُفّـدت الشـياطين” 2.
ومن المقاصد الجلية أيضا للصيام، تزكية النفس وتطهيرها من أوحالها المادية وتخليصها من معتركات شهواتها وشبهاتها إلى صفاء الإخلاص والحب لله سبحانه وتعالى، وهذا ما يؤكده الإمام كمال الدين بن الهمام رحمة الله عليه “إن المقصد الأسمى للصيام هو تربية النفس وتزكيتها عبر إضعاف قواها الشهوانية (النفس الأمارة) والحد من انشغال الجوارح (العين، اللسان، الأذن، الفرج) في الفضول والمحرمات، مما يؤدي إلى سكونها، وضعف حركتها في المنهيات، وتفرغها للطاعات” 3.
ويقول ابن القيم رحمة الله عليه عن الصيام “هو لجام المتَّقين، وجُنّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإنَّ الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته” 4.
ثانيا- اغتنام شهر رمضان
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به” 5.
إن المتأمل في طيات هذا الحديث يجد أن التخصيص في موضع التعميم في هذا السياق لا يفهم منه إلا التعظيم والتشريف، لذا ينبغي على كل امرئ بلَّغه المولى عز وجل هذا الشهر الفضيل أن يغتنمه أيما اغتنام، وهذا الأمر لا يتحقق إلا بتجديد النية وإخلاصها لله تعالى، فالمولى عز وجل يرزق عباده في رمضان يقظة القلب بغير استعداد منهم، غير أن منهم من يستيقظ ثم ينام سريعا، والبعض الآخر يستيقظ ويبقى يترقى في منازل القرب من الله عز وجل، وهم من يصفهم ابن الجوزي رحمة الله عليه في قوله: “ومن الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا، ومذ سلكوا ما وقفوا، فهمهم صعود وترق، كلما عبروا مقاما إلى مقام رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا” 6.
والترقي في مقامات الصفوة لا يتم إلا بتحقيق مجموعة من الطاعات وهجر مجموعة من العادات، ويمكن إجمالها على النحو الآتي:
· صدق التوجه للمولى عز وجل والدعاء بأن يبلغنا شهر رمضان ونحن بأتم الصحة والعافية لتأدية عباداتنا على النحو الذي يرتضيه منا عز وجل، فقد ثبت في الأثر قول: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان”.
· العزم على توبة نصوح يفرح بها المولى عز وجل، ويمحو بها الخطايا، إذ يقول تعالى في محكم تنزيله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التحريم: 8]، ويقول صلى الله عليه وسلم: “لَلهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلَته بأرضٍ فَلَاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجَعَ في ظلِّها قد أيس من راحِلَته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخِطامها، ثمَّ قال مِن شدَّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، أخطأ من شِدَّة الفَرح” 7.
· العزم والتخطيط المسبق لاغتنامه وعمارة أوقاته بالعمل الصالح (صلاة التهجد، الصدقة، كثرة الذكر، بر الوالدين، صلة الرحم، تفطير صائم وغير ذلك…)، وإن لم تفعل كل شيء تخطه، فيكفي أن تكون صادقا في نية فعله، فالمرء يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله.
· الإقبال على كتاب الله عز وجل ترتيلا وتدبرا ومدارسة، فقد ثبت أن جبريل عليه السلام كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن 8.
ولا ضير من الإشارة إلى أن ترتيل القرآن بالتأني في تلاوته أفضل من قراءة الكثير منه مع العجلة، لأن ذلك أنفع للقلب، وأعون على التدبر، وأقرب إلى توقير العبد لكلام ربه، قال ابن القيم رحمة الله عليه: “ثواب قراءة الترتيل والتدبر أرفع قدرا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددا، فالأول كمن تصدق بجوهرة عظيمة، والثاني كمن تصدق بعدد من الدراهم” 9.
· تجنب المشتتات الثلاث في رمضان: البطنة والسهر والانترنت، فمن قصد الفلاح في هذا الشهر المبارك فليخفف من الطعام، فقد قالت العرب قديما: “البطنة تذهب الفطنة”، وليعقد المرء على النوم مبكرا لإحياء ليالي رمضان بالقيام وتهجد السحر، وكلما شعر المرء بضعف أمام هذه العوائق فليتذكر قول الله عز وجل: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 91].
· كف الجوارح عن الآثام وتمامه يكون بـ 10:
– غض البصر وكفه عن الاتساع إلى كل ما يذم ويشغل القلب ويلهي عن ذكر الله، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله، فمن تركها خوفا من الله آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه” 11.
– حفظ اللسان من الكذب والغيبة والنميمة والخصومة والمراء، قال صلى الله عليه وسلم: “خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظرة بشهوة”، وقال صلى عليه وسلم: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو خاصمه فليقل إني صائم” 12.
· كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه، لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوّى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، قال عز وجل في محكم تنزيله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة: 42].
· الإنفاق، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان 13.
· طلب العلم، فمن دخل عليه رمضان وهو مشتغل بطلب العلم والامتحانات فليحتسب ذلك في جملة أوراد التعبد، لكن لا ينحط عن صلاة التراويح وتلاوة جزء من القرآن، وليعوض فوائت الأوراد بكثرة الذكر، فإن له أثرا فعالا في تهذيب النفس واستدراك النقص.
· الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجَدَّ وشدَّ المئزر”، وتحري ليلة القدر، قال تعالى في محكم تنزيله “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ”، وجاء في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى” 14.
وفي الختام نسأل المولى عز وجل أن نكون من الصفوة الذين إذا أدركوا هذا الشهر الفضيل صاموه إيمانا واحتسابا فغفر لهم ما تقدم من ذنبهم، قال صلى الله عليه وسلم: “مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِه” 15.
[2] أخرجه النسائي (2100) واللفظ له، وأخرجه البخاري (3277)، ومسلم (1079) باختلاف يسير.
[3] كمال الدين ابن الهمام، “فتح القدير”، المجلد الثاني، ص 300.
[4] ابن القيم، “زاد المعاد في هدي خير العباد” (2/34).
[5] أخرجه البخاري (5927) واللفظ له، ومسلم (1151)، والنسائي (2215) كلاهما بزيادة فيه.
[6] ابن الجوزي، “صيد الخاطر”، ص355.
[7] صحيح مسلم (2744).
[8] صحيح البخاري (ح 6، 1902)، وصحيح مسلم (ح 2309).
[9] نشر القراءات العشر (1/ 692).
[10] أبو حامد الغزالي، “كتاب أسرار الصوم”، الجزء الأول، ص62.
[11] أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة.
[12] صحيح البخاري وصحيح مسلم.
[13] صحيح البخاري وصحيح مسلم.
[14] صحيح البخاري (1775).
[15] أخرجه البخاري (2014)، ومسلم (760).