رمضان شهر التقوى والمواساة

Cover Image for رمضان شهر التقوى والمواساة
نشر بتاريخ

توطئة

للشارع الكريم مقاصد من وراء فرض العبادات على المكلفين، ولعل أهمها تحقيق العبودية لله تعالى، والامتثال لأوامره والانتهاء بنواهيه. وهذا ما أشار إليه الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات، حيث بين أن “المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبدا لله اضطرارا” (الموافقات للإمام الشاطبي).

إن هذا المقصد متحقق بشكل كامل في شعيرة الصيام، حيث يكون العبد منضبطا بأحكام العبادات وليس بأحكام العادات.

كما أن الغاية العظمى من صيام رمضان هي تزكية النفس، وتربيتها على الترقي في مدارج الإيمان، واكتساب محاسن الأخلاق. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ (البقرة 183).

فكيف نحقق مقصد التقوى في شهر رمضان، ونرتقي في مراتب الإيمان، لنبلغ إلى ذرى الإحسان ومقامات العرفان؟

ومن جهة أخرى، كيف تتقوى أواصر الأخوة الإيمانية بين المسلمين؟ كيف يبثون خلق الرحمة والمواساة والتكافل في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كيف تؤدي   الشعائر الدينية وظيفتي الانجماع على الله وجمع شمل الأمة؟

1. رمضان شهر التقوى والتزكية

يقول ابن تيمية رحمه الله: “أمر الله بالصيام لأجل التقوى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، فإذا لم تحصل التقوى لم يحصل له مقصود الصوم، فينقص من أجر الصوم بحسب ذلك” (فتاوى ابن تيمية).

إن حقيقة التقوى كما عرفها التابعي طلق بن حبيب رضي الله عنه هي: “أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تتجنب معصية الله، على نور من الله”. أما الإمام على رضي الله فقد ذكر أن: “التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل”.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه في تعريف التقوى: “أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر”.

فرمضان مدرسة للتقوى وذلك بالتزود بالإيمان والتخلق بأخلاق القرآن. فالصيام قد تكون فيه مشقة على الأبدان، لكنه في الحقيقة تربية النفس على تذوق حلاوة الطاعات، وتدريب على مراقبة الله في الخلوات، والإخلاص في العبادات، وهو سر بين العبد وربه، كما أنه وسيلة للتحلي بالصبر، ومخالفة النفس وأهوائها.

قال تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).

ببركة الشهر الفضيل تصبح البيئة إيمانية، والروحانية عالية، فتكون مدعاة للاجتهاد، والإقبال على الطاعات. عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حضر رمضان: (قد جاءكم شهر مبارك، افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم) (رواه الإمام أحمد).

2. رمضان شهر الصيام والقرآن

قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ(البقرة 185).

فلعلو مكانة القرآن وقدسيته، فضل الله شهر رمضان على باقي الشهور، وفضل ليلة القدر على باقي الليالي. فالصيام والقرآن من أجلّ العبادات، وهما يشفعان للعبد يوم القيامة. عن سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات فشفعه في. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعه فيه فيشفعان) (أخرجه الإمام أحمد).

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع القرآن في كل رمضان صحبة سيدنا جبريل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود من الريح المرسلة) (أخرجه البخاري ومسلم).

بصحبة القرآن، وصحبة سدينا جبريل، يتنور قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسمو روحانيته، وتطيب أخلاقه بالجود والكرم. وكذلك حال المؤمن يكتسب طهرا ملائكيا بصيامه وقيامه، وقراءته القرآن، فيتأهل لاستقبال أنوار ليلة القدر، والموكب النوراني الملائكي، يتقدمهم سيدنا جبريل عليه السلام، فيعم الأرض السلام والأمان والبركة والرحمة، ويغنم المؤمن بالمغفرة والعتق من النار، واستجابة الدعاء، والترقي في الدرجات.

3. شهر رمضان شهر البذل والمواساة

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ وأي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي في حاجة مع أخي أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد يعني مسجد المدينة شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له، ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام على الصراط يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل) (رواه الإمام الطبراني في الجامع الأوسط والصغير).

نستشف من خلال الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يحث على أعمال الخير المتعدي نفعها للغير، وأن ثوابها يفوق أجر الأعمال التعبدية وإن كانت اعتكافا في مسجد المدينة المنورة.

وليس المقصد من صيام رمضان هو حرمان المسلم من إشباع رغباته، بقدر ما هو مراس على الصبر وقوة العزيمة، والتحرر من عبودية الشهوات. كما أنه تدريب عملي تطبيقي على مشاركة الفقراء همومهم، ومواساتهم وإسداء المعروف إليهم.

ولا يفوتني في هذه العجالة التذكير بعظم أجر النفقة على العيال والسعي في طلب الرزق، بل الكدح من أجل الحصول على ما به يسد الرمق، في ظل، بل في جحيم الغلاء وارتفاع الأسعار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك) (رواه مسلم).

كما ينبغي أن ننوه بعظم أجر خدمة المرأة في بيتها، وتفانيها في مساعدة أسرتها، وهي عبادة تنال بها أجر إفطار الصائمين وكفى بها نعمة.

إن ما يتيحه رمضان من فرص للتواصل وبذر الخير لا حد لها. فهو مناسبة لتشجيع الأطفال على الصيام، ولو كان متقطعا، ومصاحبتهم إلى المساجد، ومجالس العلم والإيمان، وإشراكهم في عمل البر والمعروف، لنغرس فيهم محاسن الأخلاق.

كما أنه فرصة لصلة الأرحام، وتفقد الأقارب ومواساتهم، والسؤال عن أحوالهم، والسعي في قضاء حوائجهم، وإصلاح ذات بينهم. ولعمري لهي من أفضل أعمال البر، وأعظم القربات عند الله تعالى، ومن أقوى أسباب تحقيق السعادة القلبية والراحة النفسية.

4. رمضان شهر الصبر والتغافل عن الزلات

إن القصد من العبادات كلها هو تزكية الأنفس وتطهيرها، واكتساب محاسن الأخلاق وجميل العادات. فرمضان مدرسة للصبر، والتحرر من هوى النفس، وتربيتها على المكارم.

 كما أن القصد من إقامة الصلاة هو الاستقامة والبعد عن الفواحش، قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (العنكبوت 44).

أما الحج فهو ميلاد روحي جديد للمؤمن، إذا تجرد فيه لله من مخيط الشهوات ومحيط الشبهات وتسامى عن سيئ الأخلاق. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (أخرجه البخاري ومسلم).

الصيام مطهرة للنفس، ومرضاة للرب، لذا يتطلب قدرا كبيرا من الصبر والحلم والتغافل والمداراة، لنيل رفيع الدرجات، كما جاء في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم) (أخرجه البخاري ومسلم).

والصيام عبادة تحتاج استعدادا قلبيا، بترويض النفس على محاسن الأخلاق، وخصال الإيمان، وهو ما يتطلب رفقة صالحة، وبيئة إيمانية، تساعد على الترقي في مراتب الإيمان، والتحلي بمكارم الخصال.

5. رمضان شهر النصر والفتوحات

لرمضان رمزية خاصة في تاريخ المسلمين، ترتبط بتحقيق فتوحات عظيمة. ففي رمضان في السنة الثانية للهجرة، كانت غزوة بدر، وحقق فيها المسلمون انتصارا بالغا، أصبحت بفضله قريش تهاب جانب المسلمين.

كذلك كان فتح مكة في رمضان في السنة الثامنة للهجرة، فبايعت القبائل العربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل الناس في الإسلام أفواجا.

كما شهد التاريخ الإسلامي بعد العهد الراشد، انتصارات عظيمة في رمضان، نذكر منها: معركة القادسية مع الفرس، وفتح الأندلس على يد طارق بن زياد، ومعركة عين جالوت مع التتار، وموقعة حصين على يد صلاح الدين الأيوبي، ومعركة الزلاقة على يد المرابطين.

إن رمضان مظهر من مظاهر عزة هذا الدين، يتجدد بفضله إيمان الصائمين، وترتفع روحانيتهم، فتمتلئ بيوت الله بالمصلين، وتغمرهم أواصر المحبة، المرحمة والتكافل. وهو بفضل الله إيذانا ببزوغ فجر مشرق في تاريخ الأمة الإسلامية.

فهو ليس مدعاة للكسل والخمول وإهدار الوقت بمشاهدة تافه الأفلام ورديء المسلسلات، إنما هو منحة ربانية سنوية للتزود بالتقوى، ومناسبة للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في صحبته للقرآن الكريم، واعتكافه للعبادة، ومسارعته لأعمال البر من صدقة ومعروف ومواساة للمسلمين.

وأخيرا فرمضان فرصة لإجابة الدعوة، حيث يختتم الحق سبحانه آيات الصيام الكريمة، بقوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة 186).

نسأل الله أن يتقبل أعمالنا، ويلزم قلوبنا التقوى، ويجعلنا من المتقين. قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة 27). والحمد لله رب العالمين.