وأنت تعبر شارع سيدي محمد بن عبد الله في وجدة، وتقترب من ساحة زيري بن عطية (إعدادية باستور سابقا) غير بعيد عن مسجد محمد الخامس، يفرض مشهد صامت نفسه على المارين: بيت مغلق الأبواب، نوافذه موصدة، وعناصر أمن تراقب الخطى والأنفاس أكثر مما تراقب المكان. ليس مشهدا عابرا في نسيج المدينة، بل نقطة ثابتة في يومياتها؛ حراسة تتناوب عليها الدوريات، ووجود أمني دائم لا يحرس بيتاً بقدر ما يحرس رمزية بيت. إنه بيت الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لـجماعة العدل والإحسان، الذي صار، بعد عشرين سنة من تشميعه، جزءاً من ذاكرة المكان وعلامة صامتة على قصة لم تنته بعد. من هذا المشهد البسيط في ظاهره، الثقيل في معناه، يبدأ السؤال: كيف يتحول بيت في حي عادي إلى محطة سياسية ثابتة في قلب المدينة؟
ونحن نعيش الذكرى العشرين لتشميع هذا البيت، لسنا أمام واقعة إدارية عابرة، بل أمام حدث كثيف الرمزية سياسياً وعمرانياً واجتماعياً. لم يعد البيت فضاءً خاصاً لعائلة أو مكان استقبال للضيوف، بل صار علامة سياسية تختزن توتراً كامناً بين السلطة والمجال الخاص، وبين الدولة وفكرة المجتمع المستقل. منذ اقتحامه وتشميعه في ماي 2006، وما تلا ذلك من حملات طالت بيوتاً أخرى، خرج هذا الفضاء من حدوده المعمارية الضيقة ليصبح رمزاً لمرحلة كاملة.
وجدير بالتذكير أن سياق التضييق بدأ بتصريح لوزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى حين قال إن الجماعة “بتكثيفها لأنشطتها تكون قد وضعت نفسها خارج القانون”، في إشارة إلى أنشطة “الأبواب المفتوحة” التي نظمتها الجماعة. منذ تلك اللحظة، لم يعد البيت مجرد عنوان، بل أصبح عنوانا سياسيا.
تشتغل هذه الواقعة على مستويين متداخلين. سياسيا، يعكس التشميع محاولة تحويل حضور مجتمعي ممتد إلى كيان محاصر. وعمرانيا، يكشف كيف يمكن للسلطة أن تعيد تعريف الفضاء نفسه: من بيت مفتوح على الجيران والزيارات والأنشطة الاجتماعية إلى نقطة مراقبة دائمة تحيط بها الحراسة والكاميرات، فيتحول الحي بأكمله إلى فضاء مُراقب. هنا تتبدل وظيفة البيت من فضاء للحياة اليومية إلى علامة على الحصار.
في علم الاجتماع العمراني، لا تُقرأ المدن عبر مبانيها وشوارعها فقط، بل عبر العلاقات التي تُنتج داخل هذه الفضاءات. والبيت المشمع يكشف كيف يمكن لقرار سياسي أن يغيّر معنى المكان: بيت موقوف عن الحياة، مجمد زمنيا، كأنه قطعة من المدينة أُخرجت قسرا من سياقها الطبيعي. وهذا التجميد ليس ماديا فحسب، بل رمزي أيضا، إذ يوحي بأن هناك فضاءات يمكن تعطيلها خارج منطق الحياة العادية.
لقد تحول هذا البيت مع الزمن إلى نقطة مرجعية داخل المدينة والمنطقة، وفضاء عرفه جيل كامل من الشباب والناشئة. لم يكن مقرا أو مكتبا تنظيميا تقليديا، بل فضاء يستقبل الناس ويحتضن النقاشات والزيارات واللقاءات اليومية. لذلك فإن تشميعه لا يعني فقط إيقاف نشاط معين، بل قطع استمرارية اجتماعية كانت تتشكل داخله ومن خلاله؛ نحن أمام تعطيل لذاكرة مكان، لا مجرد إغلاق وتشميع بيت.
يحكي شاب كان عمره آنذاك سبعة وعشرين عاما، عن توافده الأسبوعي إلى هذا البيت. كان الطريق بالنسبة إليه رحلة ثابتة نحو معنى ثابت؛ موعد لا يُكتب في مفكرة لكنه محفور في إيقاع الحياة. هناك، في جلسات إيمانية وفكرية بسيطة، كان يستمع ويسأل ويناقش، ويغادر حاملا أسئلة جديدة تعيده مرة أخرى. لم يكن البيت عنوانا عاديا، بل محطة تكوين وتوجيه. وحين أُغلق الباب نهائيا، لم يُغلق طريق واحد فقط، بل انقطعت رحلات كثيرة كانت تبدأ من مدن وقرى بعيدة وتنتهي عند عتبة ذلك البيت. هنا يتجسد معنى فقدان المكان، حين يصبح الطريق إليه أطول من المسافة نفسها لأن الباب لم يعد موجودا.
التحول الذي أصاب البيت لم يكن ماديا فقط، بل رمزيا عميقا. بيت كان مفتوحا صار مُشمّعا، بيت كان يستقبل صار يُراقَب، ومن فضاء للحياة والتربية والاحتضان تحول إلى مكان مُعلق خارج وظيفته الطبيعية. بهذا المعنى لم يعد التشميع إجراء إداريا فحسب، بل عملية إعادة تعريف كاملة للمكان؛ من فضاء اجتماعي حي إلى نقطة مراقبة، ومن عنصر فاعل في نسيج الحي والمدينة إلى علامة على الإيقاف القسري للحياة.
ويمتد هذا التحول إلى البعد المادي نفسه؛ فالعبث بواجهة البيت ومحتوياته لا يُقرأ كأضرار عابرة، بل كرسالة تتجاوز الجدران. فالواجهة ليست شكلا جماليا فقط، بل واجهة حضور في الفضاء العام، وعندما تُشوَّه فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى أصحاب البيت وحدهم، بل إلى المجال المحيط كله: تحويل المكان من علامة حياة إلى علامة ردع. أما المساس بالمستلزمات الداخلية فيطال البعد الحميمي للبيت، وكأنه محاولة لمحو أثره المعنوي لا مجرد تعطيله.
بعد عشرين عاما، لا يزال الباب موصدا، لكن السؤال الذي يطرقه الزمن كل يوم يظل مفتوحا: هل يمكن حقا تشميع بيت في الواقع دون أن يظل مفتوحا في الذاكرة؟ لأن البيوت قد تُغلق وتشمع، لكن الرموز حين تولد في وجدان الناس لا تُغلق، بل تتحول إلى أسئلة مؤجلة تنتظر لحظة الجواب.