ما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم من رسول الله ﷺ كيف نصنع الأمل حين تضيق السبل، وكيف نحرس في قلوبنا فسحة للرجاء حين يبدو الواقع وكأنه أغلق كل أبوابه.
كان ﷺ يعرف أن الأمل ليس أن نتعامى عن الألم، ولا أن ننكر قسوة الواقع، وإنما أن نرى وراء الواقع ما لا تراه العين في لحظتها.
في الطائف، خرج رسول الله ﷺ يلتمس النصرة، فعاد مثخنًا بالجراح. أغرى به أهلها سفهاءهم، فرموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه. كان المشهد كفيلًا بأن يملأ القلب مرارة، وأن يجعل صاحبه يتمنى ألا يرى أولئك القوم مرة أخرى. لكن رسول الله ﷺ لم يكن كذلك. جاءه ملك الجبال، وقال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. وكان يمكن أن تكون لحظة انتقام ممن آذوه، لكنه ﷺ نظر أبعد من جراح اللحظة، وقال: “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده”.
يا الله!
هم رأوا أناسًا آذوه، وهو رأى أبناءً لم يولدوا بعد.
هم رأوا الحاضر، وهو رأى المستقبل.
هم رأوا الحجارة، وهو رأى جيلًا قد يخرج من أصلاب أولئك الذين رموه بها.
ولم يكن ذلك الأمل موقفًا عابرًا في حياته ﷺ، بل كان منهجًا راسخًا. ولعل مشهد الأحزاب من أبلغ صور هذا المنهج. كانت المدينة يومها محاصرة، والعدو قد جمع جموعه من كل جانب، والخوف بلغ القلوب مبلغًا وصفه القرآن بقوله: وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ.
كان الرجل لا يكاد يأمن على نفسه، ولا يستطيع أن يغادر مكانه. الجوع ينهك الناس، والبرد يلف المدينة، والأحزاب تحيط بهم.
وفي تلك الأجواء، اعترضت الصحابة صخرة عظيمة وهم يحفرون الخندق. ذهبوا إلى رسول الله ﷺ، فقام إليها، وأخذ المعول، وضرب الصخرة. فبرقت برقة.
فكبّر ﷺ، ثم بشّر أصحابه بفتح الشام.
ثم ضربها الثانية، فبرقت، فكبّر وبشّر بفتح فارس.
ثم ضربها الثالثة، فبرقت، فكبّر وبشّر بفتح اليمن.
تأملوا المشهد قليلًا… كان الصحابة يحفرون خندقًا يحمي المدينة من عدو على أبوابها، وكان رسول الله ﷺ يفتح لهم نوافذ على العالم كله.
كانوا يرون الخطر المحدق بالمدينة، وكان ﷺ يريهم ما وراء الخندق.
كانوا يفكرون: كيف ننجو من الأحزاب؟
وكان ﷺ يبني في قلوبهم سؤالًا أكبر: كيف سيصل هذا الدين إلى الشام وفارس واليمن؟ تلك هي صناعة الأمل النبوي. ليست تجاهلًا للواقع، ولا إنكارًا للألم، ولا تفاؤلًا ساذجًا. كان ﷺ يرى الخندق، ويرى الأحزاب، ويرى الجوع والخوف، لكنه كان يرى معها وعد الله وآفاق المستقبل.
وما أحوجنا إلى هذا الدرس!
كم من إنسان حاصرته مشكلاته حتى لم يعد يرى إلا جدارًا أمامه.
وكم من أسرة أثقلتها المحن حتى نسيت أن بعد العسر يسرًا.
وكم من مصلح رأى كثرة العقبات، فظن أن ما يزرعه اليوم لن يثمر غدًا.
وكم من واحد اليوم، وهو يرى تكالب الأعداء على أمة رسول الله ﷺ، ويرى ما يصنعه الاحتلال الصهيوني في غزة وجنوب لبنان من قتل وتدمير وتهجير، وما يرتكبه من اعتداء على أصحاب الأرض، يكاد يضيق بما يرى، فيتسلل إلى قلبه الخوف، ويثقل صدره السؤال: إلى أين يمضي هذا الظلم؟ ومتى ينكشف هذا الليل؟
وهنا تعود إلينا صورة الأحزاب بكل قوتها. لقد بلغ الخوف يوم الأحزاب مبلغًا عظيمًا، حتى قال القرآن: وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وكان المنافقون يومها يظنون بالله الظنون، أما المؤمنون فكانوا يرون في البلاء امتحانًا، وفي وعد الله حقًا.
إن المشهد قد يطول، والظلم قد يتجبر، والباطل قد يستعرض قوته، لكن المؤمن لا يجعل سطوة الباطل معيارًا لقدرة الله.
فالله الذي جعل من الخندق بدايةً لفتح فارس والشام واليمن، قادر على أن يجعل من أشد أيام الأمة ألمًا بدايةً لمرحلة جديدة لا نراها بعد.
وليس معنى الأمل أن نتنبأ بموعد الفرج، ولا أن نغفل عن واجبنا في نصرة المظلوم، وإنما معناه ألا نسمح للواقع أن يهزم يقيننا بالله.
لقد كان رسول الله ﷺ يحفر الخندق، ويواجه الخطر، ويأخذ بكل أسباب النجاة، وفي الوقت نفسه كان قلبه متعلقًا بما عند الله.
وهكذا ينبغي أن نكون: نعمل في الأرض، ونرفع أكفنا إلى السماء، ونبصر الجرح، لكن لا نفقد الأمل؛ نرى الظلم، لكن لا نظن بالله إلا خيرًا؛ ونشهد اشتداد الليل، لكن نوقن أن للفجر موعدًا.
فإذا كان رسول الله ﷺ قد بشّر أصحابه بفتح فارس والروم وهم محاصرون في المدينة، فكيف يسمح المؤمن لنفسه أن يظن أن الباطل، مهما تجبر، هو الكلمة الأخيرة؟
ليست الكلمة الأخيرة للظلم، ولا للقتل، ولا للدمار…
الكلمة الأخيرة لله.
وما علينا إلا أن نبقى في صف الحق، وأن نؤدي ما نستطيع، وأن نحفظ في قلوبنا ذلك النور الذي كان رسول الله ﷺ يزرعه في أشد ساعات المحنة: الأمل بالله عبادة، وحسن الظن به زاد الطريق.