رحمته صلى الله عليه وسلم

Cover Image for رحمته صلى الله عليه وسلم
نشر بتاريخ

جمع الله في نبيه الكريم، سيدنا محمد ﷺ صفات الجمال والكمال البشري، فتألقت روحه الطاهرة بأجمل وأفضل الشمائل والأخلاق، وقد صدق شاعر رسول الله الصحابي الجليل حسان بن ثابت حين قال:

وَأَحسَن مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني ** وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ **  كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

فالرحمة شفقة ورأفة تستوجب الإحسان إلى المرحوم، والرسول ﷺ كان رحيماً بالمؤمنين، وكان يرأف ويحنّ للمسكين والضعيف، فنال بذلك رحمة الله تعالى، عن عبد الله بن عمرو قال، قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاء” (1).

يقول ابن تيمية: “الرسول ﷺ بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين؛ فإنه كما أرسله بالعلم والهدى والبراهين العقلية والسمعية، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس، والرحمة لهم بلا عوض، وبالصبر على أذاهم واحتماله” (2).

و قد شملت رحمته ﷺ البر والفاجر، الكبير والصغير، الإنسان والحيوان وحتى الجماد، وسأسلط الضوء على نقط من بحر رحمته صلى الله عليه وسلم:

رحمته ﷺ بالأطفال

كان المصطفى ﷺ يلاعب الأطفال ويقبلهم ويسلم عليهم ويمسح على رؤوسهم، وكان يصلي بحفيدته السيدة أمامة بنت زينب رضي الله عنها، فإذا وقف حملها وإذا سجد وضعها، وإذا كان في الصلاة وسمع صراخ طفل يسرع في الصلاة رحمة بأمه..

وفي يوم كان يقبل سيدنا الحسن، فاستغرب أعرابي لأنه لا يقبل أبناءه، فقال له الرسول ﷺ مجيباً إياه: “أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ“.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما رأَيْتُ أحَدًا أرحَمَ بالعيالِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ كان إبراهيمُ ابنُه مُستَرْضَعًا في عوالي المدينةِ فكان ينطلِقُ ونحنُ معه فيدخُلُ البيتَ وكان ظِئْرُه قَيْنًا فيأخُذُه فيُقبِّلُه ويرجِعُ. قال عمرٌو: فلمَّا مات إبراهيمُ قال رسولُ اللهِ ﷺ: (إنَّ ابني إبراهيمَ كان في الثَّديِ وإنَّ له ظِئْرَيْنِ تُكمِلانِ رَضاعَه في الجنَّة) (3).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ فقال: تُقَبِّلونَ الصِّبيان؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوَ أملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ الرحمةَ من قلبك” (4).

وفي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للإنسان أن يتعامل بالرحمة والشفقة في معاملة الصغار ونحوهم، وأنه ينبغي للإنسان أن يُقَبِّل أبناءه وأحفاده رحمة بهم وتلطفا معهم.

رحمته صلى الله عليه وسلم بالكفار

شملت رحمته ﷺ حتى الكافر، فقد كان عليه الصلاة والسلام عندما يذبح الشاة يوزع جزءاً منها على الجيران، ولا ينسى أن يوصي أصحابه قائلاً: لا تنسوا جارنا اليهودي. وبكى ذات يوم في جنازة مشرك، وعندما سألوه لماذا تبكي قال لهم: نفس تفلتت مني إلى النار.

وقد ذكر في حديث خروج النبي ﷺ إلى بني عبد ياليل وعوده منهم، وفيه قول جبريل له ﷺ ((إِنَّ اللهَ قَدْ سمع قولَ قومِكَ لك وما ردُّوه عليك)) وفيه قول ملك الجبال: “إِن شئت أَنْ أطبق عليهم الأخشبين”، فقال ﷺ: “بل أرجو أن يخرج الله مِنْ أصلابِهِمْ مَنْ يعبد الله لا يشرك به شيئا” (5).

كما ظهرت رحمته ﷺ بهم في يوم فتح مكة، وتمكين الله تعالى له، حينما أعلنها صريحة واضحة: اليوم يوم المرحمة.

ولا شك أن دعاءه ﷺ للكافرين صورة من صور الرحمة بهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قد جاء الطُّفَيلُ بنُ عمرٍو الدَّوسيُّ إلى نبيِّ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ إنَّ دوسًا قد عصَتْ وأبَتْ فادعُ اللهَ عليهم فقال ﷺ: “اللَّهمَّ اهدِ دَوْسًا وائتِ بهم” (6).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة) (7).

رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان

امتدت رحمته ﷺ إلى الحيوان، وكيف لا وهو حبيب الله والرحمة المهداة، عن عبد الله بن عمر قال، قال صلى الله عليه وسلم: “عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حتَّى ماتَتْ فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطْعَمَتْها وسَقَتْها، إذْ حَبَسَتْها، ولا هي تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ” (8).

بل وأوصى صلوات الله عليه برحمة الحيوان حتى في حال الذبح، فعن شداد بن أوس قال: حَفِظتُ مِن رسولِ اللهِ ﷺ اثنتَينِ: أنَّه قال: “إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ كتَبَ الإحسانَ على كلِّ شَيءٍ، فإذا قتَلْتُم فأَحسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذبَحْتُم فأَحسِنوا الذَّبحَ، ولْيُحِدَّ أحَدُكم شَفْرتَه، ثمَّ لْيُرِحْ ذَبيحتَه” (9).

رحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين

كان رسول الله صلى عليه وسلم يرأف ويرحم ويشفق على المؤمنين بصفة عامة، وقد قال عنه الله عز وجل في كتابه الكريم: لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128)؛ جاء في تفسير الطبري: قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للعرب: (لقد جاءكم)، أيها القوم، رسول الله إليكم (من أنفسكم) ، تعرفونه، لا من غيركم، فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم، (عزيز عليه ما عنتم)، أي: عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى (حريص عليكم)، يقول: حريص على هُدَى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق، (بالمؤمنين رءوف)؛ أي رفيق؛ (رحيم). ولكل نبي دعوة مستجابة، وقد ادخر نبينا محمد ﷺ دعوته شفاعةً غدا يوم القيامة، فما من نبي إلا عجل دعوته في الدنيا إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تركها لنا شفاعة غدا يوم القيامة صلوات الله عليه.

رحمته صلى الله عليه وسلم بالنساء

عرف صلى الله عليه وسلم بتلطفه مع أهل بيته وحرصه على التذكير بالرفق وحسن التعامل مع الأمهات والأزواج والأخوات والبنات، ففي خطبة الوداع الهامة كانت الوصية بالمرأة حاضرة ضمن وصايا الرسول ﷺ، فعن جابر بن عبد الله قال: قال عليه الصلاة والسلام: “اتَّقوا اللهَ في النساءِ؛ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمانةِ الله، واستحلَلْتُم فروجَهنَّ بكلمةِ الله، وإنَّ لكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحًدا تكرهونَه، فإنْ فعَلْنَ ذلك فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمعروفِ” (10).

ولنتأمل هذا الموقف الراقي والرائع في إكرام المرأة، ورد في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (قدم النبي ﷺ خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن ذُكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها وكانت عروسا، فأعتقها النبي ﷺ وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهّزتها له أم سليم فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي ﷺ عروساً فقال: من كان عنده شيء فليأتِ به، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وآخر  يجيء بالسمن، وثالثٌ بالسويق، فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة. قال: فرأيت رسول الله ﷺ يُحوِّي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضعن صفية رجلها على ركبته حتى تركب) (11).

رحمته صلى الله عليه وسلم بالجماد

لم يكتفِ صلى عليه وسلم برحمة الكائنات الحية، بل أحسن الخُلق مع الجمادات أيضا، عن جابر رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه سلم كان يخطب إلى جذع نخلة، فاتُخذ له منبر، فلمَّا فارق الجذع، وغدا إلى المنبر الذي صُنع له، جزع الجذعُ فحنَّ له كما تحن الناقة، وفي لفظ فخار كخُوار الثور، وفي لفظ: فصاحت النخلة  صياح الصبي حتى تصدع وانشق، فنزل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فاحتضنه، فجعلت تئن أنينَ الصبي الذي يُسكَّن فسكن، وقال له الرسول (صلى الله عليه سلم): (اختر أَنْ أغرسك في المكان الذي كنت فيه، فتكون كما كنت، وإنْ شئت أَنْ أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها وعيونها، فيحن نبتك وتثمر فيأكل منك الصالحون، فاختار الآخرة على الدنيا). قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو لم أحتضنه لحنَّ إلى يوم القيامة)، وقال: (لا تلوموه، فإنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يُفارق شيئاً إلا وجد) (12).

بعد التعرف على بعض مظاهر رحمته صلى الله علبه وسلم لا بد أن نطرح السؤالين التاليين: أين نحن من رحمته صلى الله عليه وسلم؟ وكيف نتخلق بهذا الخلق العظيم؟

جاء في قوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: 159)، فالرحمة تؤلف بين القلوب وتجمع المتفرق، لكنها لا تستوطن إلا القلوب اللينة والطاهرة، فأول خطوة إذا هي الإقبال على الله تعالى؛ بالإكثار من ذكره بقراءة القرآن بتدبر وتفكر والاستغفار والدعاء والتسبيح والتهليل وملازمة الذكر بصفة عامة، ثم مخالطة الضعفاء والمساكين وزيارة المرضى ومن هم دوننا في الأمور الدنيوية، ثم تذكر أن الجزاء يوم القيامة من جنس العمل، فالراحمون يرحمهم الله، ومن أراد أن يرحمه الله يوم القيامة فليرحم خلقه في الدنيا وليشفق عليهم وليرأف بهم وليحسن إليهم. والصحبة مفتاح لكل خير، فصحبة الصالحين الرحماء تورثنا هذا الخلق العظيم، وحضور مجالس الذكر تحيي الإيمان في قلوبنا بإذن الله تعالى. ولا ننسى أهمية دراسة السيرة النبوية، وسير الأنبياء والصحابة والصحابيات فهي مفتاح للأبواب المغلقة. جعلنا الله وإياكم من أحبابه وأصفيائه.


(1) أخرجه أبو داود (4941)، والترمذي (1924)، وأحمد (6494)، والحديث صحيح.

(2) مَجْمُوعُ فتاوى ابْنِ تيمية، فَصْلٌ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّسُولَ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

(3) ابن حبان، صحيح بن حبان، 6950.

(4) ابن حبان، صحيح بن حبان، 5595.

(5) رواه البخاري (3231)، ومسلم (1795). من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6) ابن حبان في صحيحه، ص: 979.

(7) رواه مسلم في صحيحه، ص: 2599.

(8) أخرجه البخاري في صحيحه (3482)، ومسلم في صحيحه (2242)..

(9) أخرجه مسلم (1955)، وأبو داود (2815)، والترمذي (1409)، وابن ماجة (3170) باختلاف يسير، والنسائي (4413)، وأحمد (17116) واللفظ لهم، وهو صحيح.

(10) الطبري، تفسير الطبري، الصفحة أو الرقم: 3/2/392 | خلاصة حكم المحدث: صحيح.

(11) رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم: 4211.

(12) أخرجه البخاري (2/ 397) رقم ( 918) وغيره.