في الحلقة العاشرة من برنامج “رجل ومسار” الذي يديره الدكتور منير الجوري، يواصل فضيلة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، استعادة أبرز المحطات التي طبعت مسار الجماعة مع بداية حكم الملك محمد السادس، متوقفا عند استمرار المقاربة الأمنية رغم شعار “العهد الجديد”، ومستعرضا سلسلة من الأحداث التي امتدت من منع المخيمات الصيفية، ووقفات اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وأحداث 16 ماي، إلى تشميع البيوت، وحراك 20 فبراير، وموقف الجماعة من التعديلات الدستورية ومشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة.
ويرى الأستاذ عبادي أن وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، ورفع الإقامة الجبرية عن مؤسس جماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، لم ينعكسا على واقع الجماعة، معتبرا أن شعار “العهد الجديد” لم يصحبه تغير في أساليب التعامل مع الجماعة، وأن التضييق عليها استمر بأشكال مختلفة.
واستعاد الضيف مع مضيفه في هذا السياق ما دار عقب رفع الإقامة الجبرية عن الإمام المرشد، موضحا أن الجماعة كانت تعتبر أن الأولوية لا تتعلق برفع الحصار عن مرشدها وحده، وإنما بإنهاء الحصار المفروض على الجماعة كلها، والإفراج عن الطلبة الإثني عشر المعتقلين المنتمين إليها، غير أن السلطات اكتفت برفع الإقامة الجبرية، بينما استمرت السياسات نفسها تجاه الجماعة.
المخيمات الصيفية… تجربة تربوية فريدة وأدتها الدولة
أول محطة توقف عندها الأستاذ عبادي هي تجربة المخيمات الصيفية التي نظمتها الجماعة في عدد من المدن المغربية، مؤكدا أنها تحولت إلى فضاءات مفتوحة استقطبت آلاف المشاركين، بمن فيهم أشخاص لا ينتمون إلى الجماعة، لما كانت توفره من برامج تربوية وإيمانية وثقافية وترفيهية.
وأشار إلى أن الإقبال المتزايد على هذه المخيمات قاد إلى منعها، بل وإحراق بعضها، مستحضرا ما وقع لمخيم “السعادة” بمدينة الناظور، الأمر الذي دفع الجماعة إلى نقل أنشطتها إلى الشواطئ العمومية رغم ما كانت تتحفظ عليه من مظاهر الاختلاط والعري.
وأكد أن انتقال الجماعة إلى الشواطئ فتح مرحلة جديدة عرفت إعلاميا بـ”حرب الشواطئ”، موضحا أن الجماعة كانت تعتبرها مواجهة فرضت عليها من طرف السلطات، التي لجأت إلى نشر فرق موسيقية وعناصر أمنية وعسكرية في أماكن تجمعات المصطافين، بهدف الحد من تأثير الأنشطة التي كانت تنظمها الجماعة واستقطابها لمرتادي الشواطئ.
ويضيف أن التضييق لم يقتصر على الفضاءات التي كانت تحتضن الأنشطة، بل امتد إلى وسائل النقل، حيث تحدث عن منع عدد من أعضاء الجماعة من الوصول إلى الشواطئ عبر الحافلات وسيارات الأجرة وغيرها، وهو ما دفعها إلى التخلي عن تجربة المخيمات والشواطئ، وتعويضها بمحطات تربوية داخلية عرفت باسم “الرباطات”، معتبرا أن هذا التحول مكن الجماعة من مواصلة برامجها التربوية بأسلوب مختلف، وأفقد إجراءات المنع جدواها.
تضييق إعلامي ووقفات احتجاجية
وفي معرض حديثه عن السنوات الأولى من الألفية الجديدة، يعتبر الأستاذ عبادي أن التضييق لم يقتصر على الأنشطة الميدانية، بل طال كذلك وسائل إعلام الجماعة ومنشوراتها.
ويشير إلى أن كتب الأستاذ عبد السلام ياسين كانت تواجه صعوبات في الطباعة والتوزيع داخل المغرب، كما لم يسمح لجريدة “العدل والإحسان” سوى بإصدار عددها الأول، قبل أن يتوقف صدورها، فيما تعرضت رسالة “الفتوة” الموجهة إلى الشباب للمنع، إضافة إلى تكرار حجب الموقع الإلكتروني للجماعة.
وفي هذا السياق، يستحضر الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها الجماعة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، احتجاجا على التضييق الذي كانت تتعرض له. ويستعيد تفاصيل الوقفة التي شارك فيها بمدينة وجدة، مؤكدا أنه تلقى قبلها تحذيرات من المسؤولين الأمنيين بعدم المشاركة، لكنه أصر على الحضور.
ويقول إن الوقفة لم تكد تنطلق حتى تدخلت القوات العمومية لتفريقها بالقوة، وتم توقيف عدد من المشاركين واقتيادهم إلى مخافر الشرطة، حيث قضوا يوما وليلة قبل إطلاق سراحهم في اليوم التالي، مشيرا إلى أن مدنا أخرى، وعلى رأسها تطوان، شهدت تدخلات أكثر عنفا، أسفرت عن إصابات دموية واعتقالات في صفوف المشاركين.
أحداث 16 ماي… إشادة بسلمية الجماعة وانتقاد للمقاربة الأمنية
ويتوقف فضيلة الأمين العام عند محطة تفجيرات الدار البيضاء في 16 ماي 2003، وما أعقبها من حملة اعتقالات واسعة طالت أبرياء، مؤكدا أن الجماعة لم تكن ضمن الجهات التي استهدفتها السلطات في تلك الأحداث، معتبرا أن ذلك يعود إلى معرفة الدولة بموقفها الرافض للعنف واعتمادها الخيار السلمي في العمل والدعوة.
ويستحضر في هذا السياق حديثا دار بينه وبين أحد المسؤولين الأمنيين بمدينة وجدة، قال فيه إن رجال الأمن كانوا يشعرون بالاطمئنان كلما نزلت الجماعة إلى الشارع، لأنهم اعتادوا منها الانضباط والسلمية وعدم اللجوء إلى العنف.
وفي تقييمه للطريقة التي عولجت بها تداعيات تفجيرات الدار البيضاء، يرى أن المقاربة الأمنية وحدها لا يمكن أن تشكل حلا لظاهرة التطرف، معتبرا أن العنف لا يولد إلا مزيدا من العنف، وأن معالجة الظاهرة تقتضي فتح قنوات الحوار، وضمان الحريات، ورد المظالم، وتمكين المواطنين من حقوقهم، بدل الاقتصار على الحلول الأمنية والعقوبات الزجرية.
نبذ العنف خيار تربوي أصيل لدى الجماعة
وفي سياق الحديث عن العنف، سواء ذلك الذي تعرضت له الجماعة أو الذي مارسته بعض التنظيمات المتشددة، يوضح الأستاذ عبادي أن جماعة العدل والإحسان جعلت من نبذ العنف خيارا تربويا قبل أن يكون موقفا سياسيا، مؤكدا أن أعضاءها يتربون على الصبر وضبط النفس وعدم مقابلة العنف بعنف مضاد.
ويقول إن الجماعة تعتبر أن الخلافات الداخلية لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين أبناء الوطن الواحد، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية، مؤكدا أن أفراد الجيش والأمن وباقي مؤسسات الدولة هم أبناء المجتمع نفسه، وأن التغيير ينبغي أن يتم بوسائل سلمية، بعيدا عن الانتقام.
وفي المقابل، يجدد رفض الجماعة للعنف الذي تتبناه التنظيمات المتشددة، مشيرا إلى أنها انتقدت منذ بدايات ظهوره تنظيم “داعش” وما سماه ادعاء إقامة الخلافة بالقوة، معتبرا أن الإسلام دين سلم وأمان، وأن العنف لا يمثل تعاليمه، ومعبرا عن أمله في انحسار هذه الظاهرة، التي يرى أنها بدأت فعلا في الاندثار التدريجي.
تشميع البيوت لم يستطع الحد من حضور الجماعة وتأثيرها
وينتقل الحوار إلى سنة 2006، التي شهدت بداية تشميع عدد من بيوت أعضاء جماعة العدل والإحسان، حيث كان منزل الأستاذ عبادي أول بيت تعرض لهذا الإجراء.
ويروي تفاصيل ذلك اليوم، موضحا أنه لم يكن موجودا في المنزل أثناء انعقاد نشاط داخله، قبل أن يتلقى اتصالا يفيد بمحاصرة البيت واقتحامه. ويؤكد أن القوات التي نفذت العملية عمدت إلى كسر الأبواب، وإتلاف أثاثه، ومصادرة عشرات الصناديق من الكتب التي لم تعد إلى أصحابها رغم المطالبة بها لاحقا.
ويضيف أنه ما إن وصل إلى المنزل حتى تم توقيفه مع الحاضرين، واقتيادهم إلى مخفر الشرطة، حيث أنجزت المحاضر المعتادة قبل الإفراج عنهم.
ويكشف الأستاذ عبادي أن تشميع البيوت سبقته سلسلة من التدخلات التي استهدفت مجالس النصيحة التي كانت تعقدها الجماعة في البيوت، مشيرا إلى أن منزله تعرض لمداهمات متكررة (7 مرات)، وأن المشاركين في تلك المجالس كانوا يعتقلون ويقتادون إلى المخافر وتنجز لهم المحاضر قبل إطلاق سراحهم في اليوم الموالي، مؤكدا أن هذه التدخلات شملت مدنا عدة، ولم تستثن النساء المشاركات في تلك اللقاءات.
ورغم استمرار تشميع عدد من بيوت أعضاء الجماعة في مدن مختلفة، أكد أن تلك الإجراءات لم تؤد إلى تعطيل أنشطتها أو الحد من حضورها، مشيرا إلى أن عدد البيوت التي شملها التشميع بلغ نحو أربعة عشر بيتا موزعة على عدد من المدن المغربية.
وشبه الدعوة بالماء الذي يبحث دائما عن مجرى جديد، معتبرا أن إغلاق فضاء معين لا يعني توقف العمل، بل يدفع إلى ابتكار وسائل أخرى لمواصلة الأنشطة الدعوية والتربوية. ورأى أن هذا الحصار لم ينجح في إيقاف برامج الجماعة، وإنما دفعها إلى البحث عن بدائل تضمن استمرار التواصل مع أعضائها ومحيطها.
وذهب إلى أن الغاية من استمرار تشميع البيوت كانت الحد من انتشارها وتقليص مجال تأثيرها، بعدما تعذر استئصالها من المشهد.
الأستاذان السليماني والملاخ ركنان من أركان الجماعة
وعند محطة سنة 2008، يستحضر الأستاذ عبادي رحيل الأستاذين محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ، اللذين يعدهما من أبرز رجالات المرحلة التأسيسية لجماعة العدل والإحسان، ومن أقرب مساعدي الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في بدايات الدعوة.
ويتحدث عنهما بتأثر بالغ، واصفا إياهما بأنهما كانا “جبلين شامخين” و”وتدين عظيمين”، ومؤكدا أن جهودهما كانت حاسمة في طباعة وتوزيع رسالة “الإسلام أو الطوفان” في ظروف صعبة، حيث عملا ليل نهار حتى ترى الرسالة النور.
ولا يقف الأستاذ عبادي عند أدوارهما التنظيمية، بل يستحضر خصالهما الإنسانية، متحدثا عن شجاعتهما، وكرمهما، وتواضعهما، ورحمتهما، ولين جانبهما، وما تركاه من أثر في نفوس من صحبوهما. ويؤكد أن الجماعة فقدت برحيلهما اثنين من أعمدتها، معبرا في الوقت نفسه عن يقينه بأن مسيرة الدعوة لا تتوقف برحيل الرجال، وأن الله يهيئ لها من يحمل المشعل من بعدهم.
حراك 20 فبراير… انسحاب الجماعة من الحركة لا يعني انسحابها من الدفاع عن قضايا الحرية
ومع الانتقال إلى سنة 2011، يتوقف الأمين العام عند موجة الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية، معتبرا أن ما عرف بـ”الربيع العربي” كان نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات السياسية والاجتماعية، وأن الشعوب حين تضيق بها السبل لا تجد سوى الاحتجاج للمطالبة بحقوقها.
ويقدم قراءة لمسارات عدد من التجارب العربية (سوريا ومصر)، قبل أن ينتقل إلى الحالة المغربية، حيث يرى أن الدولة اختارت احتواء الحراك عبر إطلاق ورش مراجعة الدستور، معتبرا أن تلك الخطوة لم تؤد إلى تغيير جوهري في طبيعة الممارسة السياسية.
وبخصوص مشاركة جماعة العدل والإحسان في حركة 20 فبراير، يوضح عبادي أن قرار الانسحاب بعد أشهر من انطلاقها لم يكن تراجعا عن المطالب التي رفعتها الحركة، وإنما جاء بعد تقييم داخلي خلص إلى أن الحراك استنفد الدور الذي كان قادرا على أدائه، وأن مساره أصبح مسدودا.
ويشدد على أن انسحاب الجماعة من الحركة لم يكن انسحابا من الدفاع عن قضايا الحرية أو من المطالبة بمحاربة الاستبداد والفساد، مؤكدا أن هذه الشعارات ظلت حاضرة في مواقفها ومشاركاتها اللاحقة في مختلف الاحتجاجات والفعاليات.
قراءة مبكرة للتعديلات الدستورية
واستعاد الأستاذ عبادي موقف الجماعة من خطاب التاسع من مارس 2011، الذي أعلن فيه الملك محمد السادس مراجعة الدستور، مشيرا إلى أن الجماعة عبرت منذ البداية عن تشكيكها في قدرة تلك التعديلات على تحقيق التحول الديمقراطي الذي كانت تطالب به فئات من الشارع.
وعزى سرعة إعلان هذا الموقف إلى التجربة التي راكمتها الجماعة في قراءة سلوك الدولة وسياساتها، معتبرا أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بالإعلانات أو النصوص، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع، وبوجود إرادة سياسية فعلية تترجمها إلى ممارسات تضمن الحقوق والحريات.
رسالة إلى العدالة والتنمية… لن تستطيعوا تغيير الواقع
واختتم الأستاذ عبادي حديثه بالتوقف عند الرسالة المفتوحة التي وجهها مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان إلى كل من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية عقب فوز الأخير بانتخابات 2011 وتشكيله الحكومة.
وقال إن الجماعة كانت ترى أن المشاركة في الحكومة، ضمن البنية السياسية القائمة آنذاك، لن تمكن الحزب من إحداث الإصلاحات التي كان يرفعها، ولا من معالجة ملفات الفساد والاستبداد، معتبرا أن هامش التغيير المتاح لن يتجاوز بعض الجوانب التدبيرية المحدودة.
واستدل بما آلت إليه تجربة الحزب في الحكومة، معتبرا أنها لم تفض إلى تغيير جوهري في أوضاع البلاد، ومجددا التأكيد على أن أي إصلاح حقيقي يظل رهينا بتوفر إرادة سياسية صادقة، تفتح المجال أمام مشاركة شعبية حقيقية، وتؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع.