رب السماء يمطر الذهب والفضة.. قصة من وحي الواقع

في مدينة من المدن المغربية الصغيرة عاشت امرأة بسيطة يبدو على محياها الجد والقوة وحب الخير، مرضت جارتها بالقصور الكلوي نصحها الأطباء بضرورة زرع كلية اصطناعية، الأمر الذي سيكلفها مبلغا ماليا يفوق طاقتها، قررت المرأة مساعدتها فقصدت كل من تعرفه ويعرفها من التجار في أسواق الخضر والأثواب، وكل من التمست فيه خيرا من معارفها، ونظرا لشهرتها في حيها لم يبخل عليها أحد، إلا شيخ غني حيث خيب ظنها عندما قدم لها مبلغا بسيطا جدا لا يليق بشخص ثري جدا، جمعت قدرا من المال لكن لم يكن كافيا لإجراء العملية، الأمر الذي جعلها تطرق باب الشيخ الغني مرة ثانية مكرهة طامعة في أن يكمل لها المبلغ المطلوب، فعلا أعطاها ما طلبت فرحلت إلى بيتها تغمرها الفرحة، فوجدت أن مبلغا آخر من المال تركه لها أحدهم، رجعت إلى الشيخ الثري لترد إليه أمواله لأنها لم تعد بحاجة إليها، أعجب بتصرفها فطلب منها الاحتفاظ بها لحالة محتاجة أخرى.
مرت العملية بنجاح، واستمرت العلاقة بين الشيخ والمرأة تزوره وتسأل عن أحواله، مرض الشيخ مرضا شديدا ونظرا لأنه يعيش وحيدا حيث لم يرزق بأولاد تكلفت المرأة بالاعتناء به والاستجابة لحاجاته وإطعامه، وسخرت زوجها وأبناءها لخدمته، ونظرا لأنه كان شحيحا كانت كثيرا ما تنفق عليه من مالها وإن كانت في حاجة ماسة إليه، خاصة أن طلباته كانت كثيرة جدا، صبرت على طبعه الحاد، ومزاجه المتغير، واحتسبت العمل لله، اشتد مرضه فطلب منها إحضار عدلين لم تستطع السؤال عن قصده، فهو لا يحب أن يسأل عما يعمل، أحضرت العدلين ففوجئت به يطلب منهما كتابة وصيته حيث أوصى لها بثلث ما يملك من أراضي وعقارات ورصيد في البنك وأمتعة ناذرة، مرت شهور مات الشيخ وأصبحت المرأة البسيطة بفضل الله غنية غنى لم تكن تحلم به، شكرت الله تعالى وحققت حلمها بالطواف ببيت الله وزيارة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا كانت السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، فها هو رب السماء يمطر الذهب والفضة، قال تعالى: وفي السماء رزقكم وما توعدون [الذاريات، 22]، سعت المرأة في الخير بنية خالصة مبتغاها التخفيف عن جارتها ومواساتها دون انتظار جزاء ولا شكور إلا من الله الرزاق الشكور، فكان جزاء الإحسان إحسانا.
حقيقة إن الله هو الرزاق [الذاريات، 58]، رزقه واصل إلى جميع خلقه البر والفاجر والمسلم والكافر، لكنه تعبدنا بطلب الأسباب لجلب الرزق، ولم يأذن لنا بالاعتماد عليها، فالفرق ظاهر بين من يتخذ السعي سببا جالبا للرزق في ذاته، وبين من يسعى وينتظر الرزق من المالك الوهاب، فالله خلقنا لمهمة العبادة وعمارة الأرض، كلفنا بالطاعة وأمرنا بها وتكفل لنا بالرزق، وضمنه لنا. قال سيد قطب: "مع أن أسباب الرزق الظاهرة قائمة في الأرض، حيث يكد فيها الإنسان ويجتهد، وينتظر من ورائها الرزق والنصيب، فإن القرآن يرد بصر الإنسان ونفسه إلى السماء، إلى الغيب، إلى الله، ليتطلع هناك إلى الرزق المقسوم والحظ المرسوم، أما الأرض وما فيها من أسباب الرزق الظاهرة فهي آيات للموقنين، آيات ترد القلب إلى الله ليتطلع إلى الرزق من فضله، ويتخلص من أثقال الأرض وأوهاق الحرص، ولا يدع الأسباب الظاهرة للرزق تحول بينه وبين المصدر الأول الذي أنشأها" [في ظلال القرآن، تفسير سورة الذاريات بتصرف].
فالقصة علمتنا أن من أسباب الرزق خدمة عباد الله بقلب خالص، وأن ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم [فاطر، 2].






