ربيع قلوب الذاكرين

Cover Image for ربيع قلوب الذاكرين
نشر بتاريخ

قم وتمثل معي مشهدا من مشاهد يوم القيامة، حيث الأصوات خاشعة، والقلوب لدى الحناجر كاظمة، والوجوه يومئذ إما مسفرة ضاحكة مستبشرة، وإما عليها غبرة ترهقها قترة…  فيأتيك رجل شاحب الوجه فيقول لك: هل عرفتني؟ فترد في تعجب: ما أعرفك!  فيقول: أنا صاحبك القرآن، الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فتعطى الملك بيمينك، والخلد بشمالك، ويوضع على رأسك تاج الوقار، ويكسى والديك حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. ثم يقال لك: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فأنت في صعود ما دمت تقرأ حدرا كان أو ترتيلا.

القرآن الكريم يشهد لك، ويظهر علو شأنك المستمد من مدده، ولا يكتفي بذلك بل ويحتج عنك، ويطلب من الله العظيم أن يرضى عنك، فيرضى… وماذا بعد الفوز برضى الله تعالى.

مقام جليل ومكانة عظيمة، لكن يبقى الإشكال المطروح: هل كل قارئ أو حافظ للقرآن ينال هذا الشرف، حتى من كان يمر على كلام الله مرور الكرام، ومن كان ينثره نثر الدقل؟ أم أن المنزلة مخصصة لمن تحقق بالعلم بالقرآن العظيم، لمن خالط القرآن حياته فصار منشغلا به عن غيره مقترنا به مقبلا عليه؟

قال الله سبحانه وتعالى في سورة الزمر الآية 23: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.

سأل الحفيد جدته أسماء بنت أبي بكر عن فعل الصحابة الكرام إذا قرئ عليهم القرآن فأجابته قائلة: (كانوا كما نعتهم الله عز وجل، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم) (1)، قشعريرة جلد وبكاء عين من خشية الله، ثم اطمئنان قلب إلى ذكر الله، هكذا وصف الجبار عباده الأبرار عند سماع كلامه.

هيأ الصحابة رضوان الله عليهم قلوبهم للاهتداء بالقرآن، اقتحموا العقبات واجتهدوا في الطاعات، تحابوا في الله ونصحوا له، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، واظبوا على مجالس العلم والذكر والإيمان، صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فالقرآن قول ثقيل يحتاج إلى تهيئة.

كان أحدهم يلقى صاحبه في الطريق فيقول: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (2) فيقتبسون الإيمان بعضهم من بعض.

(تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا) هذا ما روي عن جندب بن عبد الله وابن عمر وغيرهما من الصحابة، وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (وأنتم أوتيتم القرآن قبل الإيمان، فأنتم تنثرونه نثر الدقل).

هكذا أوتي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان قبل القرآن، “فاستقبلوا نزوله بخشوع، وتلوا آياته في خضوع، وطبقوا أوامره متبعين غير مبتدعين. قرأوه حلاوة في اللسان، وأمانة في جذر القلب، ونورا في العقل المتفكر المفكر، ودليلا في خاص الأمر وعامه، وإماما وحيدا، ومرجعا فريدا، يبينه الرسول الأمين، ويفصله ويفهمه وحيا على وحي، نورا على نور” (3).

إن القرآن العظيم ربيع قلوب الذاكرين، هو للذين آمنوا هدى وشفاء لا لغيرهم، هو هدى ورحمة للمحسنين لا لغيرهم، فانظر بم حشي قلبك، راقب مؤشر إيمانك، فلن تصل إلى الاهتداء بنور القرآن إلا إن جددت الإيمان في قلبك.  


(1) أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء: كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ناسا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية. قالت: أعوذ بالله من الشيطان. (الدر المنثور، تفسير سورة الزمر، ص 650).

(2) “قالَ معاذُ اجلسْ بِنَا نُؤْمِنُ ساعةً”. رواه الأسود بن هلال، إسناده صحيح.

(3) عبد السلام ياسين، كتاب الإحسان، الجزء الأول، الصفحة 212.