ذ. فتحي يستعرض نقاش المقاطعة والمشاركة ومشروع قانون المحاماة في مساحة وضوح

Cover Image for ذ. فتحي يستعرض نقاش المقاطعة والمشاركة ومشروع قانون المحاماة في مساحة وضوح
نشر بتاريخ

في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” تناول الأستاذ عبد الصمد فتحي عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان محورين مترابطين: الأول يتعلق بالنقاش الذي أثاره تصريح الأستاذ محمد عبادي حول نصيحة جماعة العدل والإحسان لحزب العدالة والتنمية بعدم المشاركة في حكومة 2011، ورد الأستاذ عبد الإله بنكيران عليه؛ والثاني يتعلق بحقيقة دولة الحق والقانون، من خلال نموذج مشروع قانون المحاماة.

في المحور الأول، أكد فتحي أن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية أو سجال انفعالي، بل يجب أن يبقى نقاشا في الاختيارات السياسية والوقائع، وذلك لأن تصريح الأستاذ محمد عبادي لم يكن داخل مهرجان خطابي، أو ردا على خصم سياسي، أو وسط حملة انتخابية، بل كان يتحدث عن مساره الشخصي وعن المحطات التاريخية التي عاشها، خاصة وهو يستحضر موقفا اتخذته جماعة العدل والإحسان سنة 2011، حين حذرت حزب العدالة والتنمية من المشاركة الحكومية في ظل بنية دستورية وسياسية لا تمنح الحكومة سلطة حقيقية على القرار.

ويبين أن سنة 2011 كانت لحظة استثنائية في المغرب، بفعل حراك 20 فبراير والربيع العربي، حيث طالب المغاربة بإسقاط الفساد والاستبداد وبناء دولة الحرية والكرامة. وفي هذا السياق رأت جماعة العدل والإحسان أن المشاركة في الحكومة لن تحقق التغيير المنشود، بل قد تتحول إلى وسيلة لاحتواء الحراك وإعادة إنتاج المنظومة نفسها بواجهة جديدة.

ومن خلال تقييم تجربة عشر سنوات من قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة، يرى فتحي أن الحزب، رغم ما يضم من كفاءات وأشخاص مشهود لهم بالنزاهة، لم يستطع تغيير قواعد الحكم ولا محاربة الفساد ولا تحقيق الانتقال الديمقراطي. فقد جاءت عدد من المشاريع، مثل إصلاح صندوق المقاصة والتقاعد وتحرير أسعار المحروقات، على حساب المواطن، بينما بقيت بنية الريع والفساد قائمة. كما شهدت المرحلة أحداثا حقوقية مؤلمة، وقرار التطبيع الذي كشف حدود سلطة الحكومة أمام ما يسمى بالقرارات السيادية، ثم انتهت التجربة بسقوط انتخابي كبير للحزب سنة 2021.

ومن هنا يخلص المتحدث إلى أن التجربة أثبتت محدودية التغيير من داخل المؤسسات حين تكون هذه المؤسسات محكومة بقواعد لا تملك الحكومة تغييرها. فالمشكل ليس في الأشخاص، بل في طبيعة المنظومة السياسية التي تجعل الحكومة تدبر ولا تحكم، وتتحمل الكلفة الشعبية دون امتلاك القرار الحقيقي.

أما بخصوص سؤال البديل، فيرفض المتحدث اختزال موقف جماعة العدل والإحسان في مجرد مقاطعة الانتخابات. فالجماعة، كما يوضح، تملك رؤية شاملة للتغيير طرحتها منذ بداية الثمانينيات، تمثلت في المنهاج النبوي، ودعت من خلاله إلى الانتقال من ردود الأفعال والتجريب إلى عمل استراتيجي له تصور واضح للمستقبل. كما أكد فتحي أن العمل السياسي لا يقتصر على البرلمان والحكومة، بل يشمل كل فعل يؤثر في موازين القوى داخل المجتمع. ولهذا في كل مرحلة تخرج الجماعة بوثائق سياسية تجيب عن أسئلة المرحلة، وآخرها وثيقة صدرت عن الدائرة السياسية سنة 2024، وفيها تصور للإصلاح السياسي والدستوري والاقتصادي والاجتماعي، ودعا أي متابع ومهتم أن يرجع إليها ويدرسها، ويمكنه أن يتفق معها أو يختلف، لكن لا يمكن أن ينكرها، أو يقول إن الجماعة ليست لديها رؤية وبديل.

وفي المحور الثاني، انتقل فتحي إلى مناقشة مشروع قانون المحاماة، معتبرا أن القضية لا تخص المحامين وحدهم، بل تمس المواطن مباشرة؛ لأن المحامي هو آخر خط دفاع عنه داخل المحكمة. فإذا أُضعفت استقلالية المحامي، أو أصبح خائفا من المتابعة والضغط، فإن المتضرر الأول هو المواطن وحقه في الدفاع والمحاكمة العادلة.

وأشار المتحدث إلى أن أزمة مشروع قانون المحاماة بدأت من أزمة الثقة في طريقة إعداده، إذ يرى المحامون أن الحوار لم يحترم بالشكل المطلوب، وأن الصيغ التي خرج بها المشروع لم تعكس ما تم التوافق عليه. كما يلخص أبرز الملاحظات في أن المشروع، حسب منتقديه وخاصة تلك التي قدمها محامو العدل والإحسان في وثيقتهم الرسمية، يغلب منطق المراقبة والتحكم في المهنة أكثر مما يقوي استقلاليتها، ويوسع حضور وزارة العدل في شؤون المهنة مما ينبغي أن يبقى من اختصاص هيئات المحامين، ولا يوفر ضمانات كافية لاستقلال الدفاع وحصانته، ولا يحفظ التوازن المطلوب بين الدفاع والنيابة العامة والسلطة القضائية، فضلا عن غموض بعض المقتضيات المالية وعدم معالجة إشكالية الأتعاب بشكل واضح، بالإضافة إلى أن المشروع لم يكرس حصانة الدفاع بالشكل الذي ينسجم مع الدستور.

ويخلص فتحي إلى أن جوهر النقاش ليس في وجود القانون من عدمه، بل في طبيعة القانون ووظيفته: هل يحمي المواطن والحقوق والحريات، أم يمنح السلطة أدوات إضافية للتحكم والتضييق؟ ولذلك فإن الدفاع عن استقلال المحاماة هو في العمق دفاع عن المواطن وعن الحق في محاكمة عادلة.

ورأى فتحي أن الحكومة الحالية أسرفت في إصدار عدد من القوانين في آخر ولايتها، في محاولة للتحكم في رقاب الناس، والتحكم في الأفواه، وتقييد حريات الناس من خلال كثير من الإجراءات، وانتهت إلى النيل من المتنفس الوحيد الذي بقي للمواطن وهو المحامي الذي يترافع عنه، بتهديد حريته والتضييق على فعله وما ينبغي أن يقوله، سواء كان هذا القول في حق السلطة أو في حق أي جهة من جهات الدولة.

وخلص المتحدث من خلال المحورين الأول والثاني، إلى أننا أمام دولة مؤسسات صورية، ومؤسسات ديمقراطية على مستوى الواجهة والمسرح، يتبين أنه في حقيقة الأمر ليست هناك ديمقراطية حقيقية، بل هناك استبداد وتعليمات وجهة تصدر الحكم، وعلى الحكومة والبرلمان وباقي المؤسسات أن تكون في خدمة هذه الجهة. ومن ثم، فإن التغيير لا يتحقق بمجرد الدخول إلى مؤسسات محكومة بمنطق التعليمات، بل يحتاج إلى توحيد الجهود، وبناء جبهة سلمية واسعة ضد الاستبداد والفساد، وإعادة بناء موازين القوى بما يفتح الطريق نحو مغرب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.