ذ. فتحي في “مساحة وضوح” يشرِّح مأساة شهداء سبتة وسلاح غزة ويؤصل للجهاد السياسي

Cover Image for ذ. فتحي في “مساحة وضوح” يشرِّح مأساة شهداء سبتة وسلاح غزة ويؤصل للجهاد السياسي
نشر بتاريخ

في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” في قناة “الشاهد بودكاست”، فكك الأستاذ عبد الصمد فتحي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، ثلاث قضايا حيوية وحساسة تشغل الرأي العام المغربي والإسلامي. وتطرق اللقاء بصراحة وجرأة إلى ملف شهداء سبتة والسياسات الرسمية في تدبير الأزمات الاجتماعية، مرورا بخفايا بنود اتفاقات التهدئة المقترحة في قطاع غزة ومصير سلاح المقاومة، ووصولا إلى التأصيل الشرعي والتربوي لمفهوم “الجهاد السياسي” وعلاقته بالعمل الدعوي والجماعي.

إكرام الموتى وتجارة الآلام: مأساة شهداء سبتة والاختلالات الاجتماعية تحت مجهر النقد

يفتتح الأستاذ عبد الصمد فتحي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، الحلقة الجديدة بالحديث عن مأساة “شهداء الهروب الجماعي” بسبتة، معبرا بمرارة عن واقعهم الأليم. ويقول واصفا معاناتهم: “لم يكفهم أن يهينوا شهداء الهروب الجماعي وهم أحياء؛ حيث أُهينت كرامتهم، وضاعت حقوقهم، ونُهبت ثروات بلادهم، وحُرموا من السكن اللائق والخدمة الكريمة والعلاج والرعاية الصحية، ومن أبسط الشروط ليعيش الإنسان بكرامة”. ثم يضيف: “واليوم يهانون وهم أموات بعد رفض الدولة استقبالهم ودفنهم في بلادهم”.

وفي مقارنة تبرز المفارقة المؤلمة لسياسات الدولة وتناقضاتها، يسجل فتحي نقدا لاذعا للدولة التي ترفض استقبال جثامين أبنائها “شهداء القهر والفساد، وفي المقابل تستقبل الشواذ الذين جلبتهم سفينة موبوءة ورست في ميناء الدار البيضاء، وتستقبل القتلة المجرمين الذين أبادوا أهلنا في فلسطين، وعلى رأسهم وزيرة الكيان ميري ريغيف المجرمة العسكرية التي سبت الدين ووصفت الأذان بنباح الكلاب وساهمت في التنكيل وإهانة مشاركي أسطول الصمود مع بن غفير”.

ويرى فتحي أن تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقوله: “لا نرفض استلام الجثامين، نحن نريد الأحياء والأموات معا”  يعتبر بمثابة سقطة خطيرة؛ مؤكدا أن “ربط ملف الجثامين بملف القاصرين الأحياء، وجعل استرجاع الأحياء والأموات جزءا من حزمة تفاوضية واحدة” وهذا يكشف عن إشكال أخطر، حيث إن “الجثمان ليس ورقة تفاوض، والموتى ليسوا طرفا في النزاع السياسي، وكرامة الميت ليست ملفا للمساومة”. كما يتساءل فتحي مستنكرا: “أما أن تصبح الجثامين مربوطة بملف القاصرين، بحيث يصبح الأحياء والأموات ملفا واحدا، ولا يُتعامل مع أحدهما إلا مع الآخر، فهذا الشيء، من الناحية الإنسانية والأخلاقية، سقطة خطيرة”.

وفي سياق تسليط الضوء على الأسباب الجذرية وراء هذا النزوح المفجع، يعبر فتحي عن سخرية الأقدار التي جعلت الدولة تركز جهودها الأمنية والسياسية لاسترجاع القاصرين المهاجرين البالغ عددهم 4000 قاصر. ويسأل الدولة بلهجة توبيخية واضحة: “أين كانت هذه العناية بهم قبل أن يهربوا؟ ولماذا لم يصبحوا مواطنين يستحقون هذا الاهتمام حتى تجاوزوا الحدود، وتحولوا إلى ملف سياسي وأمني مع إسبانيا؟”، مستنكرا عدم توفير أي تعليم أو رعاية أو أفق يمنع مآسي أخرى كقضية الشاب الذي وُجد ميتا في بيت عجلة طائرة متجهة إلى إيطاليا.

ووجه فتحي حيال هذا الملف الإنساني دعوة لإصلاح الأسباب لا الأعراض، مشددا على أن “إرجاع القاصرين ليس هو الحل للهجرة، ودفن الجثامين في سبتة ليس هو الحل للمأساة. الحل يبدأ من معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان للهروب من بلده، وهي الفساد والاستبداد، وضمان الكرامة والعدالة والحرية والخدمة والتعليم والصحة والعيش الكريم”. معتبرا أن إصرار المسؤولين على إقامة قبور الشهداء خارج بلدهم يجعلها “شاهدة على ظلمهم وعنوانا لفسادهم وسببا للعنتهم من كل من رأى قبورهم ووقف يترحم على أرواحهم”.

سلاح المقاومة في غزة: معركة الكلمات وصراع السيادة بين حصر السلاح ونزعه

وفي المحور الثاني من الحلقة، ينتقل الأستاذ عبد الصمد فتحي إلى تطورات المشهد الفلسطيني والاتفاقات المقترحة لوقف إطلاق النار في غزة. حيث يطرح التساؤل الجوهري المثار في الساحة: “هل ستسلم المقاومة سلاحها؟ السؤال يبدو بسيطا… ولكن جوابه ليس بسيطا. ولماذا؟ لأننا إذا أردنا فهم ما يحدث بالضبط، يجب ألا نقف عند العناوين والشعارات فقط، بل نعود للنصوص”.

ويفكك فتحي بنود الاتفاق بناء على المسودة التي نشرتها قناة الجزيرة، موضحا الفارق القانوني والسياسي الشاسع بين مفهومي التسليم والحصر. ويؤكد بالقول: “إن الصياغة التي جاءت في المسودة هي: حصر السلاح وتخزينه، بشكل تدريجي ومتسلسل”، مضيفا أن “المسودة تمنع نقل أو تسليم السلاح لإسرائيل أو لأي جهة غير فلسطينية. فالأسلحة لن تخرج من غزة لتُسلم للاحتلال، بل تبقى داخل غزة ولكن تتغير طريقة حيازتها واستعمالها لتصبح تحت إدارة جهة فلسطينية محددة”. ويوضح أن هذا التفصيل القانوني كان جزءا رئيسا من المفاوضات لرفض صيغة “نزع السلاح”.

ويستعرض القيادي في الجماعة أهداف الاحتلال الحقيقية، مبينا أنها تتجاوز ما تم الاتفاق عليه في مسودة التفاوض. مشيرا إلى هذا التباين قائلا: “ماذا تريد إسرائيل؟ إسرائيل لا تعتبر أن حصر السلاح وتخزينه هو الهدف النهائي الذي تسعى إليه، بل تريد شيئا أكثر من هذا: نزع السلاح وإنهاء القدرة العسكرية للمقاومة”، مبرزا سعي الاحتلال المستمر لتفكيك البنية العسكرية والأنفاق بشكل كامل وإخراجها نهائيا من الاستعمال.

ويتساءل فتحي مستغربا كيف يتهم البعض المقاومة بالاستسِلام بقبولها فكرة الحصر والتخزين، مشيرا إلى أن ذلك مجرد مناورات تفاوضية ذكية من موقع قوة ميدانية مؤلمة للعدو. ويصرح بالقول: “لا يمكن فهم هذا التنازل إلا إذا رأيناه داخل الصفقة الكاملة؛ فالمقاومة لم تقبل بتغيير وضع السلاح بلا مقابل، بل قبلت بهذا المسار مقابل حزمة من المكاسب والالتزامات: وقف الحرب لحماية الشعب الفلسطيني الذي يُباد وسط تخاذل العرب والمسلمين والمجتمع الدولي، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، ودخول إدارة فلسطينية جديدة للقطاع يحظى أعضاؤها بترحيب الجميع، وفتح الطريق أمام المساعدات والتعافي والإعمار للخروج من الحصار والدمار”.

ويختم فتحي هذا المحور برصد الموقف النهائي والواضح للمقاومة الفلسطينية تجاه محاولات الالتفاف على شروط الاتفاق. حيث يقول: “المقاومة اليوم لا تقول فقط: ‘لن نسلم السلاح’، ولكنها تقول: ‘نفذوا أولا التزامات المرحلة الأولى، ومن ثم نذهب إلى المرحلة الثانية'”، مشددا على أن السلاح لا يزال يمثل الضمانة الأساسية لحقوق الشعب الفلسطيني وحمايته من الإبادة الممنهجة.

الجهاد السياسي والتربية: تأصيل الممارسة السياسية وتفكيك خطابات التدجين

وفي المحور الأخير من الحلقة، يتصدى الأستاذ عبد الصمد فتحي للعلاقة بين الدين عن السياسة في المشهد المغربي المعاصر. ويتساءل مستنكرا هذا الفهم السطحي الذي يدعو للفصل بينهما فيقول: “كثير من الناس يتساءلون: ما لنا وللسياسة؟ هل صحيح أنه لا علاقة للسياسة بالدين، وأن السياسة تفسد الدين، وأن على الإنسان الذي يريد الحفاظ على دينه أن يبتعد عن السياسة؟ أم أن السياسة جزء من الدين، ولا يمكن إقامة الدين ولا التمكين له دون خوض غمار السياسة؟”.

وينتقد فتحي سياسة التضييق المخزنية المزدوجة التي تستهدف الأئمة الأحرار والخطاب الديني المستقل، موضحا أن هذا الحيف القائم بالقول: “بسبب تسديد الخطاب في جمعات المغرب يتم توقيف أئمة لحديثهم في السياسة، كما حدث مع إمام بركان مؤخرا الذي تحدث عن شباب ضحايا الهجرة الجماعية، وبالمقابل أصبحت الخطب الموحدة بيانات سياسية مخزنية لوزارة الأوقاف أكثر منها موعظة وتربية، لتبيح لنفسها ما تحرمه على الآخرين”.

ويقدم فتحي التأصيل الفكري والنظري لمفهوم “الجهاد السياسي” كما صاغه مؤسس جماعة العدل والإحسان الإمام عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي. موضحا أن “الجهاد السياسي هو بذل جماعي منظم في سبيل تغيير الواقع السياسي والاجتماعي انطلاقا من المرجعية الإسلامية وبناء القوة المجتمعية المؤهلة للإصلاح والتغيير”، وهو بهذا المعنى هو “أوسع من مجرد المعارضة السياسية وأعمق من مجرد المشاركة الانتخابية لأنه يرتبط بمشروع تربوي وبنائي يراد له أن يغير الإنسان والمجتمع ومؤسسة الحكم”. ويضيف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي “قيام أمة خاصة من الأمة العامة، أي جماعة ملتئمة متضامنة ملتحمة تتحمل مسؤولية الدعوة والإصلاح والتغيير”.

وفي تفكيكه للرؤية الشمولية للإسلام الحركي، يوضح القيادي أن الإسلام يمثل محركا حقيقيا لتحرير الشعوب لا أداة لتخدير العقول والرضوخ للأمر الواقع. ويؤكد مستحضرا شهادات التاريخ والذاكرة النضالية الإسلامية أن: “الإسلام ليس دينا يطلب من الإنسان الخضوع والاستسلام للأمر الواقع، كما يحلو للبعض تعريفه بأن ‘الدين أفيون الشعوب’ وأنه مخدر للعامة وعنصر استسلام ومداهنة يوظفه الحاكمون ليسكتوا الناس، بل العكس هو الصحيح؛ هو قوة روحية وأخلاقية تدفع إلى التحرر من عبودية البشر ومقاومة الاستبداد والظلم والاحتلال والتبعية”، مستحضرا مقولة الصحابي ربعي بن عامر لرستم: “لقد جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الواحد الأحد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

ويخلص فتحي إلى إبراز الترابط العضوي غير القابل للتجزئة بين التربية الروحية والجهاد السياسي لحماية المشاريع التغييرية من الانحراف والابتذال الحزبي. ويجمل هذا التكامل بالقول: “العمل السياسي في تصور الإمام لا يمكن أن ينجح بمجرد امتلاك خطاب سياسي أو تنظيم جماهيري، ولذلك يؤكد على ارتباط ضرورة الجهاد السياسي بضرورة التربية؛ فالتربية هي التي تمنع اختلاط التحرك السياسي بتحركات القوى الأخرى”، ومحذرا في الختام من “الخطر الذي يحذر منه الإمام رحمه الله وهو أن تحمل الجماعة شعار التغيير بينما تستبطن وتبقي في سلوكها ومنطقها وعلاقاتها بعض ما تريد تغييره، ولذلك تصبح التربية شرطا لحماية هوية المشروع وضبط غايته ووسائله”.