في الحلقة السادسة من برنامج “رجل ومسار” الذي يبث عبر قناة “الشاهد بودكاست” ويقدمه الدكتور منير الجوري، أزاح الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، الستار عن تفاصيل تاريخية حول محاولات توحيد الصف الإسلامي في المغرب مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ويروي الأستاذ عبادي، بلسان الشاهد والمشارك، كيف تحركت ثلة من الدعاة تحت إشراف الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله لجمع شتات الفاعلين الإسلاميين في مرحلة تميزت بالاستقطاب الفكري الحاد والتحولات السياسية العميقة، مؤكداً أن المبادرة كانت تسعى لتجاوز الفرقة التي جعلت “العدو يستأسد ويمارس ما يمارسه” ضد الأمة.
خريطة الدعوة في مواجهة الاكتساح الماركسي
يرسم الأستاذ عبادي ملامح تلك الحقبة موضحاً أن المغرب كباقي البلدان الإسلامية كان يعج بالدعوة إلى المنهج الإسلامي، سواء على مستوى الأفراد أو مستوى الجمعيات أو على مستوى الحركات الكبرى. ويضيف مفصلاً طبيعة الحضور الإسلامي آنذاك: “الحركة السلفية كان لها وجود قوي جداً، وجماعة التبليغ كذلك كان عندها وجود في معظم المدن الكبرى، والحركات التي تأثرت بجماعة الإخوان المسلمين في السبعينات على يد مطيع”.
وأكد أن هذا الزخم لم يكن ليبرز لولا وجود تهديد فكري وجودي، فيقول: “في هذه الفترة كان الاكتساح للفكر الشيوعي الماركسي قوياً على أشده، وذهب كثير من الشباب ضحية لهذا الفكر، فكان شيئاً طبيعياً أن يكون هناك رد فعل في شكل جمعيات وأفراد”. ويشير إلى غياب وسائل التواصل، حيث “لم تكن هناك أدوات الاتصال السريع ولا الاتصال الرقمي”، فكانت أخبار الناشطين تصل من بعيد دون تواصل مباشر إلا في النادر.
كما استحضر الدافع الشرعي والسياسي خلف فكرة التوحيد التي طرحها الأستاذ ياسين، معتبراً إياها “أمراً شرعياً انطلق من قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعاً”. ويضيف أن الهدف كان الاستجابة لأمر إلهي وتحقيق حضور قوي في المجتمع “لكي يكون عند الإنسان مكان وتسمع السلطة صوته وترفع عنه اليد”، وكان الخوف من تفشي المزيد من التفرقة دافعا آخر، موضحا أن الناس يفقدون الثقة كلما كثرت الحركات، لكن الذي يؤدي الثمن هو الأمة.
مشروع “التحاب في الله” ورحلة الألف ميل
يوثق فضيلة الأمين العام تفاصيل الجولة الوطنية التي كُلف بها قائلاً: “المرشد رحمه الله كلفنا بأن نقوم بجولة عبر المغرب نطرح هذه الفكرة، فكرة التوحيد على العاملين في الحقل الإسلامي”. انطلقت هذه الجولات وتواصل الأستاذ عبادي شخصيا مع شخصيات في الدار البيضاء وطنجة، وقبل ذلك في مراكش. ويضيف بلهجة المعتز بتلك التجربة أن الفكرة توجت بالقيام بجولة فيقول: “كلفنا؛ سيدي أحمد الملاخ وسيدي إبراهيم الشرقاوي وسيدي البشيري والعبد الضعيف، وابتدأت هذه الجولة من الدار البيضاء فالرباط فطنجة فتطوان فالشاون ففاس فمكناس”، وكان ذلك نهاية سنة 79 بداية 80 تقريبا.
وعن جوهر المشروع الذي قدموه للحركات الأخرى، ينقل الأستاذ عبادي وصية الأستاذ عبد السلام ياسين لهم حينما سأله الأستاذ أحمد الملاخ أننا سنذهب عند إخواننا وسيطالبوننا بالمشروع ما هو مشروعكم؟ يقول المتحدث: “فقال رحمه الله: قولوا لهم جئنا نحمل قلوبنا بين أكفنا نضعها بين أيديكم، مشروع التحاب في الله”. ويؤكد أن هذا المنطق كان يهدف إلى تذويب الجليد حيث يرى الإمام أنه “إذا حصل هذا الأمر فإن الخلاف الفكري يتقلص إلى أبعد الحدود”.
وكشف عن طبيعة الاستجابة لتلك الدعوة، موضحاً أن “هناك من رحب بالفكرة وهناك من كان متوجساً وخصوصاً ماضي سيدي عبد السلام وسجنه والناس يتخوفون من تبعات الدولة، وهناك من اشترط أن تكون هذه الحركة موجودة ثم ينضم إليها”. ومع ذلك، يضيف الأستاذ عبادي بإنصاف، أن “كثيراً من الأفراد استجابوا للدعوة فكانت هناك لقاءات متواصلة استمرت سنة ونصف من أجل وضع لبنات لبناء عمل موحد”.
عقبات المسار وتفنيد مزاعم “طلب الزعامة”
يتطرق الحوار إلى الأسباب التي أدت إلى توقف هذه اللقاءات، حيث وصف اللقاء الأخير بـ”الانفجار”. وقال بمرارة الشاهد الناقل للحدث: “الحاضرون بدأوا يكيلون التهم لبعضهم، وهناك من كان يهيئ أوراقه خارج اللقاء ثم يأتي على أساس أنه مستقل”، مما جعل الأستاذ ياسين يخرج “مستاءً من هذا اللقاء وأدرك أن لا مجال لتوحيد الصف”.
ورداً على تهمة سعي الأستاذ ياسين للزعامة، فند الأستاذ عبادي ذلك بقوة وقال: “من عرفه حق المعرفة ينزهه عن هذا الأمر، لأن الرجل رجل الآخرة هو ليس رجل الدنيا، همه لقاء الله سبحانه وتعالى”. وأضاف مؤكداً على التربية التي ترباها وسعى لغرسها في الجماعة أنه “غير مصطلح الإمارة الذي كان منتشراً في الحركات الإسلامية إلى مصطلح الخادم، ليشعر الإنسان أن علاقته بإخوانه ليست علاقة الآمر بالمأمور”.
ويبرز عبادي روح الشورى التي كان يمارسها الإمام المرشد، قائلاً: “في انتخاب مجلس الإرشاد طرح على الإخوة الحاضرين آنذاك أن ينتخبوا إضافة إلى مجلس الإرشاد المرشد العام”، واسترسل مضيفا أنه “إذا كان يستعرض آراء الإخوان في قضية من القضايا، فإذا وجد أن الأكثرية ذهبوا إلى رأي معين بارك هذا الرأي، حتى إن وقع في نظره أن هذا الرأي خاطئ، ويقول: أنا عندي رأي مخالف ولكن أكثركم ذهب إلى هذا الرأي، بارك الله فيما تقومون به”. ويخلص الأستاذ عبادي في هذه الجولات إلى أن الفشل لم يكن في الشخصيات بقدر ما كان في “عقبات وعراقيل في الطريق” وتربيات معينة حالت دون الاندماج.
انتفاضة “الكوميرة” وبناء الذات خلف القضبان
يربط الأستاذ عبادي بين مسار تأسيس الجماعة والأوضاع الاجتماعية المتأزمة في المغرب آنذاك، موضحاً أن “المغرب ارتهن لقرارات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بشروط مجحفة نتج عنها رفع أثمان السلع، فعاش الناس نوعاً من الاحتياج والفقر”. موضحا أن ذلك أدى إلى ضغط شعبي “كانت هناك انفجارات 1981 و1984، ما يسمونه بمعركة الخبز كما سماها البصري استهزاءً انتفاضة الكوميرة”. وواجه المخزن هده الحركة بعنف واعتقالات وقوة وقتل فيها العشرات كذلك.
وفي خضم هذا الاحتقان، اعتقل الأستاذ عبد السلام ياسين في دجنبر 1983، ويوضح الأستاذ عبادي أن السبب هو ما كتبه في مجلة الجماعة عن “الكذبة البلقاء” وذلك “تعقيباً على رسالة القرن التي وجهها الحسن الثاني للعالم الإسلامي يدعو فيها إلى فسح المجال أمام الحركات الإسلامية وأمام الدعوة، فكان نقداً لاذعاً الشيء الذي لم يتحمله، فحكم عليه بسنتين قضاهما داخل سجن لعلو”. وشدد على أن هذا الاعتقال جاء في توقيت مدروس تزامناً مع إصدار هذا العدد من جريدة الصبح.
الأستاذ عبادي في حديثه اعتز بصمود التنظيم الناشئ للجماعة أمام هذه العاصفة، وأكد أنها “سرعان ما استجمعت قوتها وبقيت أنشطتها قائمة بشكل من الأشكال”، لافتا إلى أن “الصف بقي سالما وموحدا، بل زاد الإخوان تعلقاً بالجماعة وضبطاً وانضباطاً وعملا ودعوة وتوسعا”. ويؤكد برؤية إيمانية عميقة أن “هذه الابتلاءات التي عاشتها الجماعة كانت في صالح الجماعة في خدمتها وتوسعها وثباتها وارتباط أعضائها ببعض”. وهكذا تحول الفشل في التوحيد إلى نجاح في بناء “أسرة الجماعة” باعتبارها كيانا صلبا استطاع الصمود في وجه التحديات.