افتتحت أشغال مجلس الشورى فـي دورته العادية الرابعة والعشرين بكلمة توجيهية ألقاها الأمين العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ محمد عبادي، استحضر فيها وصية الإمام عبد السلام ياسين بأن تكون مجالس الجماعة مجالس نصيحة، تسودها السكينة والطمأنينة والروحانية العالية، مؤكدا أن مجلس الشورى أولى بأن يكون في طليعة المجالس التي تعمها النفحات الربانية وروح التناصح. كما أبرز في مستهل كلمته معاني الجمع والانجماع على الله تعالى، وربط القلوب برباط الأخوة في الله، وتوحيد التصورات والأفهام والإرادات في وجهة واحدة هي إرادة وجه الله سبحانه وتعالى.
المجلس الذي انعقد يومي السبت والأحد 09 و10 شوال 1447هـ الموافق لـ28 و29 مارس 2026، أوضح فيه الأستاذ محمد عبادي أن الطبيعة البشرية تقوم على التدافع والصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن أهل الباطل لا يتحركون فرادى، بل يجتمعون ويتشاورون ويأتمرون، بل ويتآمرون على القضاء على أهل الحق وطمس معالمه. وفي هذا السياق استحضر نماذج قرآنية وتاريخية، منها قصة سيدنا موسى عليه السلام حين تآمر فرعون مع قومه على إبطال معجزته، فقالوا: قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا، مذكرا بأن فرعون الذي كان يعلن أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ عاد عند العجز إلى الاستناد إلى الحاشية والأتباع. كما استحضر ما وقع في قريش حين اجتمع أهل الندوة للتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وانتقل الأمين العام إلى الواقع الحديث، متوقفا عند مؤتمر كامبل الذي وصفه بأنه من أخطر المؤتمرات التي انعقدت لأجل تخريب الإنسانية والقضاء على أهل الخير، مبرزا أن دول أوروبا اجتمعت فيه من أجل الحيلولة دون نهوض أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدمها. وقال إن أخطر ما أفضى إليه ذلك المسار هو الاتفاق على زرع “سرطان إسرائيل” في قلب الأمة، مضيفا أن آثار ذلك المخطط الإجرامي ما تزال حاضرة إلى اليوم، بما مثله من مؤامرة حالت دون تقدم الأمة وإسهامها في خدمة الإنسان والإنسانية. وفي الوقت نفسه أشار إلى أن البشرية تعرف أيضا مؤتمرات ومبادرات تخدم صالح الإنسان في مجالات متعددة، مؤكدا أن الخير ما يزال قائما.
وفي بيان دواعي الشورى، شدد الأستاذ محمد عبادي على أن التشاور هو أولا امتثال لأمر الله، لأن الشورى عبادة ينبغي أن يستشعر أهلها أنهم في محراب عبادة، مستحضرا قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، ووَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ. كما أكد أن التشاور إحياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يكثر من استشارة أصحابه حتى فيما يتعلق بشؤون أهله، وأن الغاية منه الوصول إلى آراء سديدة موفقة تجعل الجماعة تسير على هدى من ربها.
وفي هذا الإطار، توقف عند الاستخارة باعتبارها جزءا ملازما للشورى، مؤكدا أن المشاورة ينبغي أن تكون مسبوقة ومصحوبة بالاستخارة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الاستخارة على الاستشارة. وبيّن أن معاني دعاء الاستخارة تعكس التجرد من الحول والقوة والعلم، والانطراح بين يدي الله سبحانه وتعالى طلبا للرشد والتوفيق، مستحضرا دعاء: “اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم…”، ثم دعاء “اللهم خر لي واختر لي ودبر لي أمري فإني لا أحسن التدبير“. واعتبر أن القرارات التي تصدر عن هذا التوجه إلى الله تكون أقدر على نيل القبول داخل الصف، وأدعى إلى الاطمئنان والالتفاف حولها والدفاع عنها.
وفي محور آداب الشورى، نبه الأستاذ محمد عبادي إلى أن الاختلاف أثناء النقاش لا يلغي وجوب الالتزام بقرار الجماعة بعد الحسم، موضحا أن من خالف القرار أثناء التداول ثم انتهى المجلس إلى التصويت أو إلى إجماع أو شبه إجماع، فعليه أن يتبنى القرار وأن يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة. وربط ذلك بما ورد في دعاء الاستخارة: “اقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به“، بما يفيد الرضى وعدم الاعتراض بعد انجلاء وجه القرار. كما فصل جملة من الآداب العملية التي ينبغي أن تضبط المجلس، من قبيل عدم مقاطعة المتكلم حتى يتم كلامه، وعدم تناول الكلمة إلا بإذن، وتجنب الكلام في وقت واحد حتى لا يقع التشويش، مع استحضار الدعاء بأن يلهم الله المتكلم الرشد والسداد وأن يجري الحق على لسانه.
وعن القضايا التي ينبغي أن يتداول فيها المجلس، أوضح الأستاذ محمد عبادي أن المؤسسات ترفع إليه القضايا التي مرت مناقشتها أو التي ستناقش من أجل التداول فيها، قبل أن يدعو إلى توسيع دائرة الاهتمام والانفتاح على قضايا الوطن والأمة. وفي هذا السياق دعا إلى مناقشة القضايا المصيرية التي يكثر الجدل حولها، في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، بما يتيح إسماع الناس رأي الجماعة فيها، إلى جانب الاهتمام بقضايا الأمة.
وفي معرض حديثه عن الشورى ومقاومة الاستبداد، أكد الأمين العام أن مشروع الجماعة قائم على إقامة العمران الأخوي على أساس الشورى، وعلى نقض بنيان الاستبداد، متسائلا عما إذا كان التغيير يبدأ من السقف أو من الأساس. وانتهى إلى أن طبيعة البناء تقتضي البدء من الأساس، ولذلك فإن الشورى ينبغي أن تبدأ من البيوت. وأوضح أن الناس تأثروا بواقع الاستبداد، من الحاكم إلى من دونه، ومن المسؤولين إلى الآباء والأمهات والمعلمين، حتى صار غبار الاستبداد يصيب الجميع بدرجات متفاوتة. ومن هنا دعا إلى محاربة هذا الاستبداد في النفوس، وجعل البيت منطلقا لترسيخ الشورى، قبل تعميمها في المجالس والأسر والشعب والمؤسسات، وصولا إلى تبني الأمة لها على نطاق واسع حتى تبلغ مستوى الحكم.
وفي ختام كلمته، أثار الأستاذ محمد عبادي سؤال التعامل مع الفتن والابتلاءات التي عمت وطمت في الوقت الحاضر بسبب الحروب وغير الحروب، موضحا أن المقصود ليس فقط إصدار البيانات والمواقف، وإن كانت الجماعة تقوم بذلك، وإنما أيضا كيفية التفاعل مع هذه الفتن شعوريا وقلبيا. واستحضر في هذا الصدد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “ويل للعرب من شر قد اقترب، أيقظوا صواحب الحجر“، ليؤكد أن دفع الفتن عن الناس يبدأ بالتوجه إلى الله والضراعة إليه. كما استشهد بقوله تعالى: فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، وقوله تعالى: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وتابع في السياق نفسه أن هذه الفتن لم تعد بعيدة عن أحد لأن العالم أصبح قرية واحدة، مستحضرا مرور النبي صلى الله عليه وسلم على قرية ثمود في غزوة تبوك وقوله للصحابة: “لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين”. كما ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الطائف: “إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي“، مبرزا ما فيه من خوف من التقصير ومحاسبة للنفس رغم عظيم البذل في تبليغ الدعوة. ثم استحضر حال الربانيين الذين وصفهم الله تعالى بقوله: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا، مبينا أنهم لم يكتفوا بتوجيه اللوم إلى الأعداء، بل رجعوا إلى أنفسهم وقالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. وانتهى إلى التأكيد على أن رفع الظلم والضيم والفتن مرتبط بالرجوع إلى الله، مؤكدا أن ما من نعمة تنزل إلا بسبب طاعة، وما من بلاء يرفع إلا بسبب طاعة، معتبرا ذلك من السلاح الذي تملكه الأمة في مواجهة الشدائد.