في حلقة جديدة من بودكاست “مساحة وضوح” في قناة “الشاهد بودكاست”، أطل الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، ليعيد رسم خطوط المواجهة الفكرية والسياسية ضد تسارع وتيرة التطبيع في المغرب بكل صراحة، ليحاكم الخيارات الدبلوماسية الرسمية في ظل استمرار الحرب على غزة.
زيارة ميري ريغيف الاستفزازية: تدنيس للتراب وتحدٍ للوجدان الشعبي الأبي
اعتبر الأستاذ حسن بناجح في قراءته أن “قضية التطبيع اليوم تقاس بها سيادة الدول وتُختبر بها القدرة على الإنصات لنبض الشعب”، منبها إلى الكيفية التي بات بها المغرب يواجه “مشهدا سرياليا تتداخل فيه الذاكرة الوطنية مع المساس بالضمير الشعبي بل خيانته”.
ويرى الناشط السياسي أن السياق الزمني للأحداث يفرض مقاربة حازمة وجريئة؛ حيث يشدد بالقول: “نحن لا نتحدث اليوم عن إجراءات جزئية تحتمل وتحتمل، بل نحن بصدد حدثين كارثيين يتقاطعان في توقيت دموي”، وهو التوقيت الذي يتزامن مع دخول “حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة عامها الثالث، مخلفة أرقاما كارثية تجاوزت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى”، كما أنه نفس التوقيت الذي “يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي توسيع الاستيطان وتكثيف اقتحامات الأقصى”.
وفي تفكيكه للحدث الكارثي الأول، يشير بناجح بمرارة إلى ما راج إعلاميا حول “زيارة الوزيرة الصهيونية المتطرفة ميري ريغيف”، التي وصفها بـ “الشخصية العسكرية والسياسية التي تقود مسار التطبيع الفجّ، والتي ترتبط بسجل أسود من الإجرام والتطرف، وتعدّ وجها من وجوه حكومة الإبادة التي تقود التنكيل بالمدنيين الأحرار”.
ويمضي بناجح مستعرضا الخلفية التاريخية لهذه الوزيرة، إذ يوضح أن “هذه المجرمة تحديدا لم تكتفِ بجرائمها داخل كيان الاحتلال، بل تورطت بشكل مباشر وموثق في الاعتداء السافر والتنكيل بالمشاركين الأحرار في ‘أسطول الصمود’ العالمي الذي كان قاصدا كسر الحصار الظالم عن غزة، حيث وقفت علنا تفخر بتعذيب المتضامنين وقمعهم”.
ويوجه بناجح نقدا لاذعا لطريقة التعاطي الدبلوماسي مع الزيارة، معتبرا أن “مجيء شخصية تحمل هذا السجل الدموي إلى بلادنا، وتدشينها للرحلات المباشرة التي تربط مطاراتنا بكيان الاحتلال، لا يمثل فقط خرقا بروتوكوليا، بل هو تدنيس سافر لتراب وطن رفض أبناؤه وضميره الحي كل أشكال الاستقبال لمجرمي الحرب”، ومؤكدا أن “الموقف الحقوقي والأخلاقي والوطني الأصيل كان يجب أن يبدأ بمنع هذه المجرمة من وطء أرض المغرب نهائيا، بل وباعتقالها ومحاكمتها قانونيا”.
نقل مكتب الاتصال لشارع المهدي بنبركة: “اغتيال ثانٍ” للرمزية النضالية المغربية
ويرصد بناجح في الحلقة نفسها، قلقا حقوقيا متزايدا تجاه ما أقدمت عليه السلطات وقال إنه “خطوة مستفزة لا تقل خطورة تتمثل في نقل وافتتاح المقر/الوكر الجديد لمكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط”، متوقفا بالتحليل عند رمزية جغرافية المكان ليتساءل بغضب: “وليس أي مقر، وفي أي شارع؟ إنه شارع المهدي بنبركة! رمز من الرموز النضالية التاريخية المغربية”.
ويرى المتحدث في الحلقة أن خطوة التوطين هذه تضمر استهدافا واعيا للذاكرة النضالية المشتركة، مشددا على أن “اختيار شارع يحمل اسم المهدي بنبركة ليكون حاضنا لوكر الكيان الصهيوني، هو في حقيقته ‘اغتيال ثانٍ’ للشهيد بنبركة في رمزيته وتاريخه”، ومستغربا كيف “يُزج باسم رجل نذر حياته لتحرير الشعوب، ليتحول الشارع المنسوب إليه إلى ممر ومقر لعصابة تمارس أبشع صور التطهير العرقي والتجويع المتعمد ضد أكثر من مليوني إنسان محاصرين في غزة”.
ويبرز بناجح اتساع الهوة وتجذر “الانفصام بين إرادة نظام يتسابق نحو التطبيع، وبين وجدان أمة، وشعب مغربي أبيّ خرج في مئات المسيرات المليونية في مختلف المدن، رافضا، ولا يزال يرفض، كل أشكال التطبيع”.
ويضيف بناجح منتقدا الاندماج الرسمي الكامل مع مشاريع الاحتلال، مبينا أن التنازلات لم تقف عند حدود الاستقبال الدبلوماسي بل امتدت لـ “انخراط رسمي مغربي في محافل وهياكل تبيع الوهم تحت يافطة ‘السلام’، مثل الانخراط المتهور فيما يُسمى زورا وبهتانا بـ ‘مجلس السلام’ – وهو في حقيقته مجلس الانتصار للمحتل على حساب دماء الضحايا”، مستنكرا بشدة المشاركة في ترتيبات مشبوهة لإرسال قوات تحت ذريعة حفظ السلام ومتسائلا: “أيحفظون أمن القاتل على أشلاء الأطفال والنساء والشيوخ؟”.
ولا يقف الحد عند هذا السلوك، بل يسلط الضوء على واقعة استفزازية انتهت فيها أشغال المقر الجديد بتكلفة مالية طائلة، مبرزا ما تفوهت به مديرة مكتب الاتصال بالنيابة، لونا فيشر، خلال تفقدها للورش بلسان مستعلٍ قائلة: “هذا ليس مجرد سفارة، وإنما هو بيت لكل إسرائيلي في العالم!”.
مخاطر الاختراق الشامل وأكذوبة السلام: العقيدة التوسعية الصهيونية تحت المجهر
أمام هذه التطورات الميدانية المتلاحقة، ينتقل بناجح إلى تقديم تحليل عميق للأبعاد الاستراتيجية والأمنية للتطبيع على كيان الدولة المغربية، موضحا بجرأة أن “الخطر الأفظع يكمن في أن التطبيع هو اختراق أمني، واستخباراتي، واقتصادي، وثقافي، لعمق الدولة المغربية”، وأن كل الاتفاقيات العسكرية وصفقات التسليح الموقعة منذ نهاية 2020 “لم تكن سوى بوابة لاستقدام سرطانات استراتيجية إلى داخل البيت المغربي”.
ويكشف القيادي في العدل والإحسان، تغييبا متعمدا في النقاشات الرسمية لـ “العقيدة التوسعية للكيان الصهيوني” تلك العقيدة “التي لا تؤمن بحدود، والتي تحلم بما يسمى ‘إسرائيل الكبرى’ الممتدة من النيل إلى الفرات”، مستشهدا بكون ديفيد بن غوريون، الأب الروحي للكيان ومؤسسه، صرح مرارا بأن “طموحات الدولة اليهودية لا تتوقف عند فلسطين، بل تتسع لتشمل السيطرة على الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات”.
ويرى بناجح أن الانسياق وراء هذا الكيان يضع القرار السيادي المغربي في مهب الريح، محذرا من أنه “حين تفتح الباب على مصراعيه لكيان يؤمن بمثل هذه العقائد التوسعية الخطيرة، فأنت لا توقع اتفاقية سلام، بل تدعو الغازي بنفسه ليجلس على مفاصل قرارك الاستراتيجي”، حيث لا يستهدف الكيان تنمية بل “التوغل، وتخريب النسيج المجتمعي، والسيطرة على مقدرات الدول وتحويلها تدريجيا” إلى حديقة خلفية لأجهزته الاستخباراتية.
ويقرأ بناجح تصريح لونا فيشر، واصفا إياه بإعلان فاضح يؤكد أن فتح هذا المقر يمثل “قاعدة خلفية، ووكر، وموطئ قدم معلن لكل صهيوني متطرف في كوكب الأرض، ليعيث فسادا تحت غطاء رسمي”، واعتبر الخطوة “تمهيدا دنيئا وممنهجا لرفع التمثيل الدبلوماسي قريبا جدا من مستوى ‘مكتب اتصال’ إلى مستوى سفارة كاملة الأوصاف” .
ونقل بناجح يقينه الثابت بأن “إسرائيل الكبرى وأوهام التطبيع ليست سوى سراب في رمال متحركة”، وبأن الكيان الاحتلالي يعيش أطوار تآكله الأخلاقي وتفككه الداخلي، جازما بأن “الشارع المغربي الحي، وأحرار هذه الأمة، هم الباقون على العهد” والذين سيشهدون قريبا سقوط كل حصون التطبيع ليعود المغرب حرا أصيلا.