أكد الأستاذ محمد الميسر، في مداخلته بمجلس نصيحة الوفاء، أن إرادة الله تعالى تقوم على التبيين والتخفيف والتوبة والهداية لسننه الثابتة التي وضعها لخلقه بمقتضى حكمته وعلمه، لافتا إلى أن قوانينه سبحانه لا تحابي أحدا، وهي التي تحكم حياة الإنسان والمجتمعات وحركة التاريخ والحضارات والأمم.
مداخة الأستاذ الميسر ضمن نصيحة الوفاء هذا اليوم، السبت 27 دجنبر 2025، وهي ثالث محطات الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، تناول فيها سنة الله تعالى في النصر والتمكين استرشادا وعلما وفهما وإدراكا، ثم عملا بمقتضاها منهجا وسلوكا، انطلاقا من قوله تعالى في سورة النور: وَعَدَ ٱلله ٱلذِينَ ءَامَنواْ مِنكمۡ وَعَمِلواْ ٱلصٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنهمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيمَكنَن لَهمۡ دِينَهم ٱلذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهمۡ وَلَيبَدلَنهم منۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبدونَنِي لَا يشۡرِكونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأوْلَٰٓئِكَ هم ٱلۡفَٰسِقونَ آية 55.
وأشار الأستاذ الميسر إلى أن فهم هذا الوعد الإلهي يقتضي وضع الآية في سياقها القرآني، مبرزا أن سورة النور تميزت بمطلعها الفريد الذي يهيئ القلوب لتلقي أحكامها بنية التنفيذ، وبحديثها عن نور الله وآثاره وتجلياته على الفرد والأسرة والجماعة المسلمة، وصولا إلى وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن.

وفي حديثه وقف المتحدث عن “التبشير بوعد الله تعالى” في الآية وأورد قول الإمام القرطبي في تفسيره للآية حين قال: “وهذا وعد لجميع الأمة”، ثم قال بعدما أورد أقوال ابن العربي والسعدي وابن عطية في المسألة: “فَصَح أَن الْآيَةَ عَامة لِأمةِ محَمدٍ صلى الله عليه وسلم غَيْر مَخْصوصَةٍ”، موضحا أن البشارة بوعد الله تعالى “متجددة باقية غير مقتصرة على زمان أو مكان أو جيل مخصوص”
وشدد على أن وعد الله وبشارته تستلزم اليقين، وقد تعددت البشارات بوعد الله بالنصر في القرآن والسنة وتنوعت مصادرها وأساليبها ترسيخا لليقين في القلوب، واستنهاضا للهمم من أجل تحقيقها.
واعتبر المتحدث أن الآية ركزت على ثلاثة أمور أساسية، أولها “وجود الصفوة المجاهدة”، وهم الذين خصصتهم الآية بكلمة “الذين آمنوا منكم” وهذا التخصيص يقول المتحدث؛ يدل على أنهم جماعة من المؤمنين ولا متفرقين بل اجتمعوا وتميزوا بوحدة الصف ووحدة الإرادة ووحدة الغاية.
واسترسل يوضح أن الآية بعد حديثها عن الصفوة المجاهدة، تحدثت بعد ذلك عن “شرط الإيمان وشرط العمل الصالح”. هذه الطليعة الصادقة المتحققة بهذين الشرطين هي مناط تحقيق الوعد الرباني، وهما شرطان متلازمان لا يغني أحدهما عن الآخر. يسميهما الإمام المجدد عبد السلام ياسين ضمان النجاح لمستقبل الإسلام، ويقرنهما بصفتي القبول والاحترام.
وأرد قول الإمام في كتاب سنة الله: “ولمستقبل الإسلام يتحتم قبول الشروط التي وضعها الله عز وجل في المجتمعات البشرية واحترام قوانينه في التاريخ والتعرض بذلك لوعده بالنصر. قبول إيماني واحترام عملي هما ضمان النجاح.”
وذكر المتحدث ما نبه إليه الإمام المجدد من القواعد التي ينبغي أن نحترمها في سنة النصر والتمكين فيقول: “سنة الله أن ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. إن آمنوا وعملوا الصالحات، لا إن أخلوا بالشرط الجهادي حالمين بالمدد الإلهي الخارق للعادة، وهو مدد لا يتنـزل على القاعدين بل يخص به الله من قام وشمر وتعب في بذل الجهد، وأعطى الأسباب حقها، وأعد القوة وبذل المال والنفس وحزب جند الله”.

وواصل المتحدث مداخلته التي وضح فيها “حقيقة الوعد الإلهي ومقتضاه” من خلال قوله تعالى: ليستخلفنهم كما استخلف الذين من قبلهم، وقوله: وليمكنن لهم دينهم، وقوله: وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، وأكد أن الرابط بينها أنها وردت منسوبة إلى الله تعالى مؤكدة بجواب القسم المضمر.
واسترسل موضحا حقيقة ذلك بأن الله تعالى “هو المستخلف سبحانه وهو الممكن والمؤمن بعد الخوف”، مصداقا لقوله سبحانه: وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، فيحصل التعلق الكامل به والاعتماد القلبي عليه لا على الأسباب رغم ضرورتها.
وتابع موضحا أن هذا التعلق يرسخ اليقين الكامل بالله والثقة به سبحانه وكمال حسن الظن به، فلا يستعجل النتائج ولا ييأس إن تأخر النصر، ولا يظن بالله الظنون مع ضغط الأحداث، بل يصبر موقنا بوعد الله، ويقول كما قال سيدنا موسى: كلا إن معي ربي سيهديني.
وفي حديثه عن المقتضيات في آية المدارسة، ذكر الميسر “مقتضى الاستخلاف”، وأشار إلى قول ابن كثير: “أن يجعلهم خلفاء في الأرض”، وقال إن العلماء يعرفونه بالقدرة على العمارة والإصلاح. والقدرة على العدل والطمأنينة. والقدرة على الارتقاء بالنفس البشرية والنظام البشري. وغايته تحقيق النهج الذي أراده الله والعدل الذي أراده الله والسير بالبشرية في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.
ثم ذكر “مقتضى التمكين للدين” الذي يؤول فيه الأمر إلى الثبات والاستقرار والتحكم والقدرة والرسوخ، وتبوء المكانة العالية، ويعني في هذا الموضع “أن يكون للدين مكانة عالية في حياة الناس في مختلف تجلياتها”.
ومن تلك المقتضيات التي وقف عليها المتحدث؛ مقتضى الأمن بعد الخوف، وأصل الأمن كما يقول الراغب الأصفهاني “طمأنينة النفس وزوال الخوف”، وقال المتحدث إن الأمن يقصد به السكينة التي يلقيها الله في قلوب المؤمنين ولو كانوا في معمعان الجهاد.
وبعد بسطه لمعاني الآية الكريمة وما تضمنته من دلالات ودروس وقواعد على مقتضاها تتحقق سنة الله في النصر والتمكين أكد ذلك تترتب عنه “أمانة ومسؤولية الإعداد والاستعداد، بما يؤهلنا لاستحقاق تنزل قدر الله ونصره”.

ولفت إلى أن هذا الإعداد يتطلب ثلاثة أسس، وأولها “بناء الجماعة المجاهدة المقتحمة”، موضحا أنها تمثل محل تنزل وعد الله مع وضوح الغاية والمنهج والسبيل. ومهمتها يقول المتحدث هي “استفراغ الوسع في إعداد العدة بكل تخصصاتها التربوية والتنظيمية والفكرية.
ثاني هذه الأسس هي “القيادة الربانية”، بما جمع الله لها من إمامة في الدين وحكمة في القيادة، وبما تبثه من أنوار الإقبال على الله وطلب وجهه وتصحيح القصد والنية والسلوك وبعث الإرادة الجهادية ويقين بوعد الله تعالى، وحكمة التخطيط، ووحدة الصف.
أما ثالثها فهو “التربية الإيمانية”، وهي أساس البناء وجوهره وروحه وفق حديث الميسر، الذي وضح أنها “عامل حاسم في المعادلة”. وأورد كلاما للإمام المجدد رحمه الله في المنهاج النبوي في ذلك حينما قال: “التربية الإيمانية عملية، على نجاحها يتوقف ميلاد المسلم إلى عالم الإيمان، ثم نشوؤه فيه وتمكنه ورجولته، ولا جهاد بلا تربية، ولا يكون التنظيم إسلاميا إن لم تكن التربية إيمانية. “
وختم الأستاذ الميسر مداخلته ببشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الخلافة الذي جاء في مطلعه: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون…” ثم تساءل هل نقعد متحججين بضعف الأمة واستضعافها وقوة أعدائها وطغيانهم بتكاثر الأموال وكثرة النفير؟ أم نقوم لله تحفزنا الثقة بالله واليقين بوعده وبشارة نبيه إلى النهوض للإعداد والاستمداد والجهاد والاجتهاد متوكلين على الله بناء وتربية”.
