ذكرٌ يزكي الإنسان وينهض بالأمة

Cover Image for ذكرٌ يزكي الإنسان وينهض بالأمة
نشر بتاريخ

في زمنٍ تُقاس فيه الأعمال بظاهرها العاجل، وتُختزل النهضة في خططٍ وتنظيماتٍ وشعارات، تُوجَّه السهام إلى مجالس الذكر، ويُنظر إليها على أنها انشغال عن “المهام الكبرى”، أو ترفٌ روحي لا يليق بأصحاب المشاريع التغييرية. ويزعم بعضهم أن الأمة لا تحتاج إلى مجالس ذكر، بل إلى عقولٍ تخطّط، وسواعدَ تعمل، وبرامجَ تُدبَّر.

غير أن هذا التصور يغفل أسئلة جوهرية منها أساسا: على أي أرضٍ يقوم البناء؟ وأيُّ إنسانٍ يحمل مشروع النهوض؟ ما المرجعية التي يستمد منها هذا التغيير مشروعه؟ ما نصيب التزكية في بناء الإنسان؟ كيف نوازن بين الروح والفكر والحركة؟

التغيير الذي لا يجيب على مثل هذه الأسئلة في واقعنا المعاصر قد يحدث بهرجة، ويخرج للناس بشعارات براقة قد تستهوي من لا يعرف حقيقة التغيير وسبله. وفي النهاية يبقى التغيير الذي يحسن مساءلة نفسه، فهو أقدر على بناء الإنسان الذي بإمكانه حمل المشروع.

يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله: “ذكر الله باللسان والقلب والاستغراق والاستهتار والمحافظة على الأوراد آناء الليل وأطراف النهار بناء على غير أساس إن لم يَصُن ذلك الذكر الكثير، ذكر الله عند الأمر والنهي، ذكره عند كل ذي حق، ذكره في الدرهم والدينار، ذكره في الأمة التي تنتظر مجاهدين لإقامة دين الله في الأرض” 1.

الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل، لا يزهد عنها أحد يبتغي القرب من الله عز وجل. وللإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله وقفة مع مفهوم الذكر، فهو لا يتحدث عنه في جانبه الضيق، وبمعزل عن واقع الإنسان، بل يجب أن يصاحبه في تفاصيل حياته كلها. فالذكر عند الأمر والنهي هو استحضار الله في لحظة القرار، حين تتزاحم المصالح وتُختبر الأمانة، والذكر في الدرهم والدينار هو تحويل الاقتصاد إلى عبادة، والمعاملة إلى مسؤولية، والذكر في شأن الأمة هو أن لا يكون التدين فرديًا منغلقًا، بل وعيًا جماعيًا يحمل همّ الإصلاح ويتهيأ لبذل الجهد لإقامة العدل. هنا يسقط الادعاء بأن الذكر فعلٌ لازم لا يتعدى أثره صاحبه؛ بل هو من أكثر الأفعال تعدّيًا: يتعدى إلى السلوك استقامة، وإلى الأخلاق رحمة، وإلى القيادة عدلًا، وإلى الجهاد ثباتًا. لذلك قرن الله بين الجهاد والذكر الكثير: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون. فالذكر ليس انسحابًا من المعركة، بل شرطُ الفلاح فيها. ليس عزلةً عن الواقع، بل زادٌ لمجابهته.

إن أعظم أزمة تعيشها مشاريع التغيير ليست نقص البرامج، بل ضعف الصلة بالله. قد يُتقن الناس التخطيط، ويحسنون التنظيم، ويرفعون الشعارات، لكن إن لم تُزكَّ النفوس، تسللت إليها آفات حب الظهور، والصراع على المواقع، والتنافس على الدنيا، فينهار البناء من داخله. أما إذا زكا الإنسان بذكر الله، استقام ميزانه، وخلصت نيته، وثبتت قدمه، فصار عنصر أمانٍ في مشروع الأمة لا عبئًا عليه.

القرآن الكريم حين عرض منهج البعثة النبوية، قدّم التزكية وجعلها الأساس والمنطلق. فخليل الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما توجه إلى الله بهذا الدعاء: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ(سورة البقرة، الآية 129). قال الله في تحقق هذا الدعاء، وفي نفس السورة، مقدما التزكية عن العلم: كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة(سورة البقرة، الآية 151). وتكرر تقديم التزكية في موضعين آخرين عند الحديث عن بعثة النبي ﷺ، ففي سورة آل عمران قال الله تعالى: لَقَد مَنَّ الله عَلَى المُؤمنينَ إذ بَعَثَ فيهم رَسولاً من أَنفُسهم يَتلُو عَليهمُ آيَاته وَيزَكيهم وَيُعَلمُهُم الكتَابَ والحكمَةَ وإن كَانُوا من قَبلُ لَفي ضَلَال مُبين(سورة آل عمران، الآية 164).

 وفي سورة الجمعة قال الله تعالى: هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة(سورة الجمعة الآية 2). ثلاثة مواضع تؤكد تقديم التزكية على التعليم. هذا التكرار القرآني ليس عرضًا لغويًا، وهذا التحول في الترتيب ليس مجرد تنوعٍ أسلوبي، بل توجيهٌ منهجيٌّ عميق؛ إذ يقرر أن إصلاح القلب شرطٌ في صلاح العلم، وأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران الحضاري. فالعلم إذا نزل في قلبٍ غير مزكّى قد يتحول إلى جدلٍ أو استعلاء، أما إذا سبقه التطهير، صار نورًا وهداية. وهكذا يضع القرآن قاعدة النهضة: تزكيةٌ تُصلح الداخل، ثم تعليمٌ يوجّه العقل، ومن اجتماعهما يولد العمران الراشد. كأن الرسالة تتكرر لتقول: لا علم بلا قلبٍ مزكّى، ولا حكمة بلا نفسٍ مطهَّرة، ولا نهضة بلا إنسانٍ صالح.

ومن هنا نفهم أن الذكر باعتباره لبَّ التزكية وروحها ليس عملًا هامشيًا، بل شرط تأسيسي في البناء. إنه الذي يربط القلب بالله، ويحرره من عبودية الهوى، ويجعله أهلًا لحمل الأمانة.

فالذكر ليس بديلاً عن العلم، بل روحُه.

وليس بديلاً عن العمل، بل ضمانُ إخلاصه.

وليس بديلاً عن الجهاد، بل شرطُ ثباته.

فالتعليم يخاطب العقل، أما التزكية فتخاطب القلب.

والعقل قد يدرك الحق، لكنه قد يتبع الهوى.

وإذا صلح القلب، قاد العقل إلى سواء السبيل.

الذكر باعتباره أعظم وسائل التزكية ليس مجرد عبادةٍ لسانية، بل عملية تطهير مستمرة تعيد ترتيب الداخل الإنساني. إنه يخفف من سلطان الشهوة، ويكبح جماح الغرور، ويغرس مراقبة الله في السر والعلن. فإذا جاء العلم بعد ذلك، نزل في أرضٍ مهيأة، فأنبت فهمًا راشدًا وسلوكًا مستقيمًا. 


[1] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج1، ص 302.