هي رحلة روحية أثيرية قبل أن تكون جسدية بمفهوم الجسد المادي المثقل بطينة الأرض، الذي يحيلنا لعمق المعنى الحقيقي للتنقل عبر الزمن، ورؤية العوالم المتداخلة بزوايا نظر إلهية، فالمؤمن يوقن بتنقل الملائكة بين عوالم السماء والأرض، بينما التفكير الإنساني القاصر ينكر هذا التجلي الإيماني في بعده الروحي.
بالنسبة لمن ينكر المعجزات؛ فإسراء الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة لبيت المقدس في ليلة التجلي؛ يستعصي على الفهم لمن يؤمن بالمادة والملموس فقط، ويطغى عليه أسلوب التفكير العقلاني المجرد، فيثار الجدل حول كيفية الإسراء والمعراج، وكيفية تنقل الرسول عليه الصلاة والسلام جسدا وروحا ما بين الأرض والسماء، فإذا قمنا بتفكيك هذا الحدث القدسي بالمفهوم العلمي المحض فالرسول عليه الصلاة والسلام سافر عبر الزمن لبعد سماوي تحت حكم الله، تعيش فيه الملائكة، باستخدام آلة زمنية تسمى «البُراق» ذاك المخلوق السماوي الذي هيئه الله تعالى ليكون وسيلة التنقل النبوي، فطَوَّع له الأسباب؛ وكان بإمكانه أن تطوى له الأرض بأمر الله، وأن تقصر له المسافة بين الأرض والسماء بسرعة الضوء، ليكشف الحجاب عن نورانيّة ذاك البعد، ولكي يتجلى الملكوت الإلهي في السموات لخاتم النبيين كسجل مقروء يُنْبئه بأحداث الماضي والحاضر والمستقبل.
فمعراج الأرواح والأجساد ممكنا في تقدير الله، ووفق إرادته، وعلمه المحيط بكل شيء؛ الذي يقول للشيء كن فيكون، والذي يحيي ويميت أليس بقادر على أن ينقل نبيه من الأرض إلى السماء في ليلة واحدة، بل في ساعة من الزمن؟
أما شهود تلك المعجزة فكانوا الملائكة الذين صدقوا ما رأوا، لأنهم من صنف ذاك الترقي في المعراج الإلاهي. ببساطة كانت تلك النقلة الزمنية العابرة لخارج الزمكان، وخارج حدود العقل الإنساني القاصر الذي يؤمن بما يرى ويسمع فقط، بالنسبة لهم الوحي وروح القدس والرسول ثلاثية استطاعت أن تخترق حدود الخيال لإنسان ذاك الزمان، وتضرب عمق المعقول لإنسان هذا العصر، الذي يؤمن فقط بالإمكانات البشرية المحدودة، ويغفل عمن أوجد الخلق والملكوت.
لهذا أرسل الله الرسل بالرسائل السماوية كي يسهم في بناء التفكير الشمولي الإنساني، الذي يجمع ما بين الواقع المادي، وبين الإيمان بالغيب كمعطى أساسي في رؤية الحقيقة الغائبة عن بعض الأذهان، لكي يسند الإنسان فرضياته في الأخير من خلال تجربته، ويبني خلاصاته على وعي عميق مؤسس على ثنائية الجسد والروح، وعالم الغيب والشهادة، فلن يستقيم أحدهما دون الآخر، كي يفهم السؤال الوجودي حول كينونته وسر وجوده، والمغزى من الخلق.
فينطلق في البداية من سؤال فلسفي مصيري تتمحور عليه حياته؛ من أين جئت؟ وإلى أين المصير؟ وكيف العبور؟ فاختيار وسيلة العبور هنا على جانب كبير من الأهمية، لأنها هي التي ستوصلنا إما لنتائج تتشابه، أو تختلف من حيث السياق، ففي النهاية الكل سيصل إلى المآل، وسيكون له موعد مع قيامته الصغرى، عبر مسار يسلكه وحده، بمعيقاته النفسية والجسدية والاجتماعية، وبمعايير تناسب الهدف والمغزى من حياته.
فكل إنسان يختار وسيلة السلوك التي تتماهى مع منظومة تفكيره، هنا أكيد ستختلف الطرق، وستتقاطع السبل ليصل الكل للغاية التي تبناها فكرا وعملا وسلوكا؛ فسؤال المصير قضية يتشارك فيها الجميع، لكن الكيفية هي من ستقرر نهاية كل طريق. فليستشعر كل واحد منا عظمة الرحلة الإنسانية من الميلاد إلى الممات، وليدقق في اختيار السبل كي ينبعث من جديد في محطة خالدة من الحياة الأبدية.
هي رحلة قدسية لن تنتهي ولن تنقضي عجائبها، ولن ينقطع خيطها الناظم بموت صاحب المعراج عليه الصلاة والسلام، بل هي رحلة مستمرة بامتداد الشعور الوجداني بيننا وبين الرسل؛ هي رحلتي أنا وأنت وأنتم ونحن… فبعد انقطاع عصور المعجزات بموت الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، تعد الصلاة بمثابة آلة الزمن بالنسبة لنا، ولمن سيأتي بعدنا، وآلية للترقي في المعراج الإلاهي، وفي مدارج الإحسان، هي وسيلة يومية لإحياء الروح لتحلق عاليا في فضاء القرب منه سبحانه..