ذة. مصطافي: رمضان فرصة لإحياء الصلة بالقرآن وجعله منهجا للحياة

Cover Image for ذة. مصطافي: رمضان فرصة لإحياء الصلة بالقرآن وجعله منهجا للحياة
نشر بتاريخ

قالت الأستاذة حسنة مصطافي، خريجة دار الحديث الحسنية، في تصريح لبوابة العدل والإحسان، إن شهر رمضان يمثل فرصة متجددة لتعميق الارتباط بكتاب الله تعالى، ليس فقط من خلال الإكثار من تلاوته وختمه، بل بتحويل معانيه وتوجيهاته إلى سلوك عملي في الحياة اليومية، داخل الأسرة والمجتمع، حتى يعود القرآن روحا حية توجه الإنسان في مختلف شؤونه.

وأوضحت أن ارتباط القرآن بشهر رمضان يعود إلى كونه الشهر الذي أنزل فيه، في ليلة هي خير من ألف شهر، غير أن رسالته تتجاوز الإطار الزمني لتكون منهج حياة دائم. وأضافت أن التحدي الحقيقي يكمن في أن يتحول القرآن إلى بوصلة تحكم تصرفات الإنسان في مختلف شؤون حياته، مؤكدة أن القرآن “روح، وإن لم تسر هذه الروح في واقعنا كنا كالأموات وإن تحركنا”.

وأكدت مصطافي أن كثيرا من المسلمين يحرصون خلال رمضان على الإكثار من ختم القرآن، “وهو أمر له أجره العظيم، غير أن الأهم هو تصحيح النية عند القراءة، بحيث تكون التلاوة بنية العمل والتنفيذ، عبر الوقوف عند أوامر القرآن ونواهيه، والاتعاظ بقصصه، والتخلق بأخلاقه، حتى تتحول آياته إلى سلوك عملي في الحياة”.

وشددت على أن تحقيق هذا الهدف يتطلب “تهيئة القلب لاستقبال رسالة القرآن والاستجابة لها، من خلال الإكثار من الذكر والإنابة إلى الله تعالى، واستحضار ربانية القرآن وتعظيمه، والكينونة مع أصحاب القلوب كما يوصي صاحب الفتح الرباني: «اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب””.

وفي حديثها عن دور الأسرة ليكون القرآن نَفَسا داخلها، بينت “أن الإصلاح يبدأ من داخل البيت، باعتبار الأسرة نواة المجتمع، مع مشاركة المدرسة والإعلام وأطراف أخرى قد تتسع أو تتقلص حسب بنية المجتمع”. ولفتت إلى أن حضور القرآن داخل الأسرة “ينبغي أن يجمع بين حضوره حرفا وسلوكا؛ حرفا بتلاوته والاستماع إليه، وتشجيع أفراد الأسرة على الانخراط في الحفظ كل حسب قدرته، فالآباء يحببون ويحفزون الأبناء على الحفظ معنويا بذكر أجر قراءته وحفظه والاستماع إليه وبالكلام الطيب المشجع لا المنفر، وكذلك التحفيز المادي فهو مهم جدا خصوصا في بدايات الحفظ حتى تترسخ الأقدام ويتذوق القارئ حلاوة القرآن”. مضيفة أن للزوجين دورا أساسيا في إنجاح هذا المشروع الأسري، من خلال تشجيع كل منهما الآخر على ملازمة القرآن، والتعاون على جعله مشروع عمر داخل الأسرة، “يبدأ بالتلقي عن أصحابه والعزم على مواصلة الطريق وعدم الالتفات إلى المثبطات والشواغل”.

أما حضور القرآن سلوكا، فتؤكد مصطافي أنه يتحقق عندما تتحول قيمه وتعاليمه إلى أخلاق ومعاملات يومية داخل البيت، اقتداء بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأنه كان «قرآناً يمشي على الأرض». وهذا يستدعي الرجوع إلى سيرته صلى الله عليه وسلم، فيأخذ الزوجان منها ما يزيد علاقتهما مودة ورحمة في الدنيا وما يسلك بهما معا إلى الله عز وجل، فتكون الرحمة والرفق والمحبة هي القانون الذي يُلجأ إليه كلما لاح في الأفق خلاف، وهو قانون التعامل مع جميع أفراد الأسرة. والرحمة لا يقصد بها التواطؤ على الخطأ والسكوت عنه، ولكن التعامل مع الخطأ والحكم عليه بميزان الشرع لا من حيث درجته ولا من حيث تصحيحه.

كما دعت، من أجل تحقيق هذا الأمر، إلى اعتماد مدارسة القرآن داخل الأسرة، “بتخصيص سويعة لتلاوة آيات منه والبحث في معانيها والخروج منها ببرنامج عمل، فمثلا عندما نقرأ في سورة البقرة أن القرآن هدى للمتقين وأول صفاتهم إقامة الصلاة، فيكون البحث عن كيف أقيم صلاتي؟ ماذا يستوجب مني هذا الفعل؟”.

وختمت مصطافي تصريحها بذكر الآثار المتوقعة لهذا المنهج على حياتنا الخاصة والعامة، حيث بنت على مثال الصلاة، مؤكدة أنه يسري على جميع أحكام القرآن وحِكمه، لتوضح “أننا لو أقمنا الصلاة حق إقامتها لظهرت آثارها على مستوى النفس والجوارح، من طمأنينة واستحضار دائم لله عز وجل وأخلاق القرآن، مما يكون له أثر إيجابي على المجتمع”.

وأشارت إلى أن منهج تلقي القرآن هو نفسه المنهج الذي تربى عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يتعلمون الآيات مع فهمها والعمل بها، مستدلة بحديث عبد الرحمن السلمي: “حدَّثنا مَن كان يُقرئنا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، أنهم كانوا يقترئونَ مِن رسولِ اللهِ ﷺ عشرَ آياتٍ، فلا يأخذونَ في العشرِ الأُخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلمِ والعَملِ. قالوا: فعَلِمنا العلمَ والعمل”. لتشدد على أن “آثار هذا المنهج غير خافية على من درس سيرة الصحابة، فهم خير القرون بشهادة خير الخلق، شكلوا جيلا فريدا في التاريخ البشري الحضاري على جميع المستويات، ولن يصلح حال الأمة إلا بما صلح به أولها”.