ذات محبة

ما إن طلع بدر السنة الهجرية الجديدة، وارتسمت في الأفق معالم هلاله الوضيء، حتى وطنت النفس وعزمت الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. هجرة معنوية بالطبع وإلا فإن الهجرة الواقعية قد مضت قبل خمسة عشر قرنا.
نويتها هجرة من أرض العادة والاستكانة والتواكل والتسويف.. وغيرها من أمراض النفس التي أقعدتني زمنا، وتقعدني مازالت تحاول، وتثّاقلني إلى أرض العبوس واليأس، نحو عبادات صغيرة ضئيلة، لكنها متواصلة، متصلة، تراكمية، قاصدة.. عساني يوما أُكتب بها عنده سبحانه من الصديقين فينعم عليّ بحُسن طاعته وعبادته والدعوة إليه حالا ومقالا، علما وعملا.. ويجعلني بعظيم كرمه وواسع فضله وإحسانه ممن سبقت لهم عنده الحسنى وزيادة.
ونويت مما نويت أن أجتهد في الكتابة والقراءة وأُدبِّج مقالا لذكرى المولد النبوي الشريف أمتدحه فيه صلى الله عليه وسلم وأبتهج فيه به، وأهديه له صلى الله عليه وسلم هدية مزجاة، عساني بذلك أتودد إلى الجناب الشريف، تودد العاصي المذنب، المفتقر إلى شفاعته الكريمة صلى الله عليه وسلم والملتمس عنده البرء لأسقامه العديدة.
قرأت ولله الحمد والمنة كتاب "وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم" للشيخ النبهاني رحمة الله تعالى عليه.. واستمتعت جدا بالقراءة فيه، وإن كنت بين بعض المقاطع والفقرات أذرف، خاصة الأخيرة منها، الدمع الغزير، كلما وقفت على أثر من عظيم رحمته صلى الله عليه وسلم وجميل خصاله وكريم شمائله وشديد محبته لإخوانه.. فأسأل نفسي: "تُراني أحب حبيب الله صلى الله عليه وسلم، أم أني مُدَّعِية فحسب؟" فيتمزق قلبي من هول السؤال، ويضطرب لساني فيحجم عن الجواب، فأبكي وأدعو وأرجو عسى مولاي يسمع وهو السميع العليم ويجيب وهو المجيب القريب، سبحانه جل جلاله.
ثم بفضل الحنان المنان ختمت كتاب "إمامة الأمة" للأستاذ عبد السلام ياسين جزاه الله تعالى عني وعن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء وأوفاه.
في هذه القراءة الثانية (القراءة الأولى كانت قبل بضع سنوات شملت معظم ما كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وأجزل له العطاء) قررت أن أسلك فيها مسلك قراءة السِّيَرِ.. بمعنى أني حين أفكر في كتاب للسيرة وأنوي قراءته، أُقدِّم بين يديه ما تيسر لي من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وِردي كاملا (على قِلّـته) أو أفتتح بالقرآن الكريم. ثم أستمر على هذا الأمر كلما هممت نحو الكتاب لأقرأ، فلا أفتحه إلا وقد توضأت وصليت الفريضة أو النافلة وصليت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مائة مرة أو أكثر بصيغة المكيال الأوفى (وأنا أُعدّد النيات ما شاء الله تبارك وتعالى) ثم أقرأ.
على هذا النحو يستغرقني الكتاب بعض الوقت لأكمله، لكن الرحلة تكون جميلة وممتعة، لا أستشعر معها وحشة ولا غربة.
لماذا أفعل ذلك؟
ـ تودُّدا للحبيب صلى الله عليه وسلم.
ـ أملاً في إيقاظ قلبي ليتبين، ويفهم، ويتعلم، ويتشرب، ويأخذ.
ـ استعانةً بالحبيب صلى الله عليه وسلم على نفسٍ مستعلية مستكبرة متخاذلة.
ـ خجلا منه صلى الله عليه وسلم أن أقرب مكانا، ولو كان عبارة عن صفحات، ذكر فيها صلى الله عليه وسلم، ووُصف بها صلى الله عليه وسلم، فلا أقدم بين يديه الشريفتين هدية يجلو بها ريني.
كنت أفعل ذلك فقط في كتب السيرة النبوية الشريفة. لكن هذه المرة قررت أن أطبقها على كل الكتب التي تمتح من السيرة النبوية الشريفة وتخرجها إلى الواقع علما مجددا وعملا نافعا، وعلى كل كتاب يمتدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو يتحدث عنه أو إليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
فكان كتاب "إمامة الأمة" أول كتاب أطبق عليه فكرة: قراءة السِّيَر.
وكم اختلفت القراءة بعد ذلك!
أما عن المقال الذي نويت تدبيجه من أجل ذكرى المولد النبوي الشريف، فقد غافلني عنه المرض، والعجز والسفر، حتى يئست من كتابته.
ثم طلبت إليَّ أخت فاضلة أن أكتب عن هذا الشهر الفضيل، شهر الربيع النبوي، وأنا على شاطئ البحر مع عائلتي، استحييت أن أعتذر لها، وعدتها بالمحاولة، وحاولت لليلتين وأكثر، ثم غافلني المرض مجددا، وأشد مما كان قبلا، فيئست تماما من استطاعتي كتابة كلمة في هذا الشهر العظيم وفاء ومحبة لسيدنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.
شعرت بالخزي من نفسي.. وتساءلت: من أنا لأكتب عن الجناب الشريف، أو إليه، صلى الله عليه وسلم؟ من أنا حتى يؤذن لكلماتي بالاصطفاف والانجماع والتبليغ بجمال عن صاحب الجمال وكمال الكمال؟ بكيت بحرقة، ثم تذكرت أمي الحبيبة، المرأة العظيمة التي أنجبتني وأهدتني من ذات روحها ونفسها وسرّها، الكثير الكثير، فقررت أن أكتب هذه الكلمات، محبة لأمي الحبيبة في الله عز وجل وفي رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.
أمي التي قضينا معها (أنا وزوجي وأبناءنا) ومع والدي وإخوتي هذه الذكرى، فذكرتني كيف تكون المحبة الفطرية الأصيلة لسيدنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، دون تدبيج ولا تصنع.
قالت لي وهي تضع الحناء على يديَّ وقدميَّ بالطريقة العتيقة التي كانت تستعملها جدتي: "كنا أبنتي وْجْدَّاكْ من قبل فكل ميلود كنديرو الحنة باش ناخذو بركة هداك النهار، وكنا نفرحو ونصليو على النبي ونلبسو اجْديد... يْبْطَا علينا إمتى يجي لْميلود باش نتجمعو ونفرحو"...
تأملتها بفرح طفولي وهي تحنِّي لي وتعتذر بين الفينة والفينة لأنها لا تُجيد فعل ذلك، وهي تنزل عند رغبة ابنتي "تدير ليها الحنة فحالي"، وهي تراقب بحذر اللاصق كي لا يسقط فتضيع زخرفة الحناء، وهي تتأكد من وضعيتي في الجلوس حتى لا أتوعّك.
فسألت ربي المتعال أن يحفظها ويجزيها عنا خير الجزاء ويبارك لها فينا، ويرزقنا حسن بِرِّها والأدب معها، وأن يرزقني الحفاظ على حِنّائها، أُزيِّن بها يد ابنتي وحفيداتي إن شاء الله تعالى.
في تلك الليلة تأكدت أن محبة رسولنا العظيم تنتقل إلينا من قلوب أمهاتنا الحرائر فطريا، وتعظُم بالصُّحبة التي ترفعها من المهاوي، ومن المكدّرات، وتصقلها، وتزيِّنها، وتوصلها بالقلب الشريف لتفنى في محبته صلى الله عليه وسلم، وتحيا به الحياة السرمدية.
ألا جُودي بحرفك أسعِفينـــا *** بمدح الهاشمي وأطربينــــــا
وتُوبي عن شحيح النظم عودي *** فإن المدح شُغْـل العاشقينــــا
وبُثّي للخلائــق ما بقلـــــــب *** من الأشواق قولــي أخبرينــا
فذِكْـر محمد تريــــاق قـــوم *** سقـــاهم بعده كأس الأنينــا
صلاة الله تُهدى من محبٍّ *** يحن لطيبة حِينــا فحِينـــا
ويجعل نظمه مِرسال شوق *** إذا ضعن الحجيج مغادرينا
لزورة البشير تهفـو قلـــوب *** إذا سمعت بسير الزائـرينــا
من ديوان: "بُلغة المشتاق" للشاعر الأصيل محمد الخواتري، ص46 بتصرف.






