د. هاروش: إعاقة الوصول إلى الحقيقة في ملف الشهيد عمّاري اقتُرفت بكيفية ممنهجة

Cover Image for د. هاروش: إعاقة الوصول إلى الحقيقة في ملف الشهيد عمّاري اقتُرفت بكيفية ممنهجة
نشر بتاريخ

أكد الأستاذ المحامي حسن هاروش أن أقصى ما تفعله الدولة في الملفات القضائية التي تكون فيها السلطة العمومية طرفا هو “تعويض الضحايا من جيوب دافعي الضرائب”، لافتا إلى أن ذلك يشكل الخلاصة ذاتها التي انتهت إليها تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.

وكان هاروش، عضو هيئة الدفاع، يتحدث صباح اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، في ندوة حقوقية بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الشهيد كمال عماري، نظمتها “جمعية عائلة وأصدقاء الشهـيد عماري كمال” في موضوع: “استقلال السلطة القضائية والحقيقة المغيبة، ملف الشهيد كمال عماري نموذجا” في مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، واستعرض فيها الاختلالات العميقة التي شابَت المسار القضائي للملف، واصفا إياها بـ “الإعاقة الممنهجة” للوصول إلى الحقيقة في ظل غياب استقلال حقيقي للقضاء حينما تكون السلطة العمومية طرفا في النزاع.

مفارقة غريبة.. النيابة العامة “أكثر تقدمية” من القضاء الجالس

أكد الأستاذ حسن هاروش أن “المفارقة الغريبة في هذا الملف تكمن في كون سلطات البحث والتحري، ممثلة في الضابطة القضائية والنيابة العامة، كانت أكثر تقدمية من القضاء الجالس”. وأوضح أن الضابطة القضائية قامت بتحريات واستمعت لشهود عيان “عاينوا واقعة الاعتداء من طرف عناصر أمنية مُسمّون بالصقور، والذين تراوح عددهم بين أربعة وسبعة أفراد”، حيث وثقت شهاداتهم في محاضر رسمية.

وعلى نقيض ذلك، أشار هاروش بمرارة إلى أن “السيد قاضي التحقيق تجنب الاستماع إلى شهود الإثبات بعلة أنه لا يتوفر على عناوينهم”، وهو ما دفعه لإصدار أمر بختم التحقيق وعدم التوسع فيه. هذا القرار واجهته النيابة العامة بالطعن، حيث طالبت بضرورة “الاستماع إلى الشهود عادل الفتحي، وعبد الله أزريع، وآسيا الصابري” للوصول إلى جلاء الحقيقة.

واستغرب المتحدث كيف أن هذا التراخي القضائي حدث في ظل “دستور 2011 الذي رفع القضاء إلى مستوى السلطة، ونص في فصله 107 على استقلاله عن السلطتين التشريعية والتنفيذية”. واعتبر أن عمل الضابطة القضائية في هذه الحال كان أكثر انسجاما مع روح الحقوق والحريات، بينما ظل القضاء الجالس حبيس “نموذج وظيفي لا يستحضر قدسية حماية حقوق الأفراد”.

وختم هاروش هذا المحور بطرح سؤال حول “ما الذي جعل قاضي التحقيق، ومن بعده الغرفة الجنحية، يحس بعدم الاستقلال ويحجم عن القيام بكل إجراء يروم الكشف عن الحقيقة؟”، رغم أن المادة 85 من قانون المسطرة الجنائية تمنحه صلاحيات واسعة للقيام بكل تدبير يراه مناسبا.

جريمة دولة موثقة وإعاقة ممنهجة للوصول إلى الحقيقة

شدد عضو هيئة الدفاع في هذه الندوة، على أن “تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان حافل بالشهادات الناطقة على اقتراف الدولة لجريمة”، واصفا ما حدث بأنه “جريمة دولة وثقتها شهادات مناضلي حراك 20 فبراير والفعاليات السياسية والصحفية والجمعوية”. وأضاف أن التقرير تضمن اعترافات لمسؤولين أمنيين بمن فيهم مدير الأمن الإقليمي، ورئيس الشرطة القضائية، والباشا، الذين أقروا فيها بإصدار “أوامر باستعمال القوة لتفريق المتظاهرين بسبب ارتفاع سقف الشعارات”.

وأوضح هاروش أن تلك الاعترافات أكدت غياب أي مبرر للعنف، إذ “لم يكن هناك عنف من قبل المتظاهرين ولا قطع للطرقات”، ومع ذلك استعملت القوة المفرطة. وأشار إلى أن التقرير الذي أنجز في يونيو 2011 “خلص إلى خلاصات صادمة”، ورغم ذلك “استنكف السيد قاضي التحقيق دون مبرر قانوني عن القيام بالإجراءات التي خولها له المشرع صراحة”.

ويرى أن ما حدث في هذا الملف هو “إرادة مقصودة لعدم الوصول إلى الحقيقة”، حيث كان بإمكان القضاء الاستماع للمسؤولين الذين أشرفوا على تنفيذ القرارات. وأكد أن “إعاقة الوصول إلى الحقيقة اقتُرفت بكيفية ممنهجة”، لاسيما بعدما قضت الغرفة الجنحية في يوليوز 2016 “بعدم قبول الطعن في قرار قاضي التحقيق”، وتبعتها محكمة النقض في نوفمبر 2017 بقرار ينهي الملف دون الاستجابة لمطالب الدفاع.

ويجزم هاروش بأن هذا المسار القضائي المتعثر يثبت أن “الطرف في هذا الملف هو السلطة العمومية”، وحينما يكون الأمر كذلك، يظهر “الإيحاء المسكوت عنه” الذي يجعل القاضي يضع لنفسه حدودا لا يتجاوزها. وخلص إلى أن هيئة الدفاع والحقوقيين مارسوا “مختلف المُكَن القانونية”، لكنهم قوبلوا بمنظومة ترفض “التعالي على الحقيقة الواقعية”.

أزمة استقلال الوعي القضائي وحتمية الإفلات من العقاب

وفي قراءة نقدية لمنظومة العدالة، اعتبر هاروش أن القاضي في هذه الملفات “لديه إحساس عميق بعدم الاستقلال في وعيه”. وأكد أن المشكلة تكمن في غياب “الإحساس بالهيبة المهنية وخدمة العدالة”، حيث لا يزال القضاء يعتبر نفسه “مجرد جهاز والقضاة يعتبرون أنفسهم موظفين”.

وعزا هذا الوضع إلى “تأثير النموذج الفرنسي (النظام اللاتيني) الذي يقيم النظام القضائي على المفهوم الوظيفي”، حيث القاضي موظف يتلقى راتبه وتسميته وترقيته من الدولة. وقارن ذلك بالنظام “الأنجلوسكسوني القائم على الانتخاب والرقابة الشعبية من خلال المحلفين”، وهو ما يمنح القاضي استقلالية أكبر تجاه المؤسسات السياسية.

وأشار هاروش إلى أن هذه المعضلة ليست مغربية فحسب، بل حتى في فرنسا، حيث صرح قضاة بعد تقاعدهم بأن “القضاء بمختلف أسلاكه غير مستقل وخاضع لنفوذ السلطة التنفيذية”. واعتبر أن “واجب التحفظ” يُستخدم غالبا لتقييد القضاة ومنعهم من ممارسة استقلاليتهم الحقيقية حتى بعد التقاعد، مما يجعل العدالة في مواجهة السلطة معركة غير متكافئة.

وانتهى إلى خلاصة قاتمة مفادها أنه “في أي ملف تكون فيه السلطة العمومية طرفا، لا يمكن الوصول إلى نتيجة”، وحتى في حال اعتراف الدولة بخطئها، فإنها تقول “لا يمكن الكشف عن الجناة ولا محاكمتهم”. وختم قوله بأن أقصى ما تفعله الدولة هو “تعويض الضحايا من جيوب دافعي الضرائب”، وهي الخلاصة ذاتها التي انتهت إليها تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة.