اعتبر الدكتور أبو بكر الونخاري، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، أن مقاطعة الانتخابات لا تمثل موقفا سلبيا كما يصور أحيانا، بل تعبر عن موقف سياسي صريح يرفض الاستمرار في منح الشرعية لمسار انتخابي يفتقد لشروط إحداث التغيير الحقيقي.
وأوضح الونخاري، في تصريح ورد ضمن تقرير لموقع “صوت المغرب” معنون بـ”التصويت أم المقاطعة؟.. نقاش متجدد حول الثقة في المؤسسات مع اقتراب الانتخابات”، نشر يوم الإثنين 8 يونيو 2026 في سياق تجدد النقاش العمومي بالمغرب حول جدوى المشاركة السياسية قبيل الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، أن الإشكال لا يكمن في ضعف نسب المشاركة الانتخابية بقدر ما يرتبط بطبيعة النظام السياسي الذي يجعل من الانتخابات واجهة شكلية لا تملك القدرة على التأثير في مراكز القرار الفعلية.
وأضاف أن التعديلات الدستورية التي عرفها المغرب لم تُفض إلى نقل القرار السياسي إلى المؤسسات المنتخبة، إذ ما تزال القضايا الكبرى تحسم خارج دوائر المساءلة الشعبية، بينما تسند للحكومة مهمة تنفيذ السياسات وتحمل تبعاتها، الأمر الذي يجعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يظل مجرد شعار يفتقر إلى الأثر العملي.
كما انتقد الونخاري القواعد المؤطرة للعملية الانتخابية، معتبرا أنها لا تضمن شروط التنافس المتكافئ، في ظل تأثير المال والنفوذ والإدارة في النتائج، إلى جانب نمط اقتراع يفرز مشهدا سياسيا مفككا وعاجزا عن إنتاج أغلبة منسجمة أو برامج واضحة. ويرى أن هذا الوضع يؤدي إلى تشكيل حكومات ضعيفة وإلى فرض توازنات سياسية تجعل الوعود الانتخابية سرعان ما تتراجع أمام واقع الممارسة.
واستدل الباحث في الفكر السياسي المعاصر بعدد من التجارب الحكومية السابقة، مشيرا إلى أن حكومة عبد الرحمن اليوسفي قدمت باعتبارها مدخلا لإصلاح سياسي، لكنها انتهت دون أن تُحدث تغييرا في قواعد اللعبة السياسية. كما اعتبر أن حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، رغم ما حظيتا به من دعم انتخابي، ظلتا محكومتين بسقف سياسي محدد، وتم خلال ولايتيهما تمرير قرارات كبرى خارج منطق الاختيار الشعبي.
وسجل الونخاري أن أخطر ما في الأمر هو تحول المشاركة الانتخابية إلى أداة تستخدم لإضفاء المشروعية على سياسات لا تعكس إرادة المواطنين، ما يجعل المقاطعة فعلا سياسيا واعيا يهدف إلى رفض لعب دور في مسرحية نتائجها معروفة سلفا، والاحتجاج على قواعد لعبة مختلة من أساسها.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن أبرز التحولات السياسية التي عرفها المغرب لم تنبع من داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما جاءت نتيجة ضغط مجتمعي مباشر، مستشهدا بحركة 20 فبراير التي أجبرت الدولة إلى تقديم تنازلات لم تكن مطروحة سابقا، وهو ما يعده دليلا واضحا على أن موازين القوة تبنى داخل المجتمع، لا في صناديق اقتراع فاقدة للتأثير الحقيقي.
وخلص الونخاري إلى أن المقاطعة ليست انسحابا من الشأن العام، بل هي شكل من أشكال المقاومة السياسية، لأنها تسحب الثقة من مسار مغلق، وتضغط من أجل فتح أفق إصلاحي حقيقي. وفي المقابل، يرى أن المشاركة في ظل الشروط الحالية لا تعدو أن تكون، مهما حسنت النيات، تزكية ضمنية للوضع القائم، معتبرا أن تحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات نفسها يجعل من المقاطعة موقفا عقلانيا يعبر عن رفض واقع لا يتيح إمكانية إحداث تغيير حقيقي.