دور المساجد في احتضان سنة الاعتكاف

Cover Image for دور المساجد في احتضان سنة الاعتكاف
نشر بتاريخ

المسجد مؤسسة تعليمية علمية اجتماعية جهادية سياسية، وهو بالأساس مؤسسة تربوية؛ فيه تتصافى القلوب وتتآلف، وتزول الفوارق الطبقية، لذلك كانت له وظائف عظيمة وشاملة لكل مجالات الحياة؛ فاحتضن الشباب وأحيى الأمة، وظل ملاذا للقائمين والقانتين والمعتكفين.

والمسجد هو نسبة إسلامية لمكان العبادة، وهذه التسمية أخذت معنى الأصل الذي اشتقت منه الكلمة، وهو السجود الذي يعني الخضوع الكامل لله سبحانه، ذلك الخضوع الذي يأخذ أسمى صورة في الصلاة، وفي ذلك الركن الخاص منها الذي نقل إليه لفظ السجود فكأن الصلاة أخص ما بني له المسجد، ومن أخص وظائفه احتضان الاعتكاف.

الوظائف التربوية للمسجد

المسجد هو أول مؤسسة أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، وهذه رسالة إلى الأمة الإسلامية حول محورية المسجد ودوره في حياتها؛ فهو مدرسة المسلمين جميعا؛ و(محضن الرجال ومدرسة العلماء، ومحراب المتبتلين، ودائرة قيادة الجهاد، ومجلس الشورى والإيمان) 1. وسأجمل الوظائف التربوية الأساسية للمسجد فيما يلي:

– ذكر الله تعالى

المساجد دور عبادة وذكر وتضرع وخضوع لله عز وجل، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلل بين يدي الله عز وجل ورغبة فيما عنده من الأجر والثواب، وهذه هي أم الوظائف، وما شيدت المساجد إلا لهذه الغاية قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ 2.

– تعليم القرآن وتحفيظه

المسجد مقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له، وغوص وراء معانيه، وتمعن لمفرداته، وتدبر لآياته، واستنباط لأحكامه، واستخراج لـمكنوناته من بلاغة وبيان وإعراب وقصص وغيرها. وفيه شغل الشباب بمعالي الأمور ورفيع المنازل وتربية جيل مسلم على القرآن، تلاوة وأخلاقاً ومنهجاً، وتقويم ألسنتهم لإجادة النطق السليم للغة العربية، واكتساب الأسلوب وملكة الحكمة وفصل الخطاب.

– التربية والتعليم

من المسجد تؤخذ العلوم وتُـلقن الأحكام، من خلال خطبه وحلقاته ودروسه ومواعظه ورقائقه، فيتعلم الناس أمور دنياهم وآخرتهم، عبادة ومعاملة، حربا وسلما، سلوكا وأخلاقا، وكل ما يغذي روح المسلم، ويقوي إيمانه، ويصقل ذهنه، وينير عقله، ويتعلمون فيه شرع الله تعالى وأحكامه، ويرتقون فيه درجات الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان.

وفيه يتقن كل فرد المعلوم من الدين بالضرورة، ويتربى على النظافة والطهارة، والسمت الحسن، والتنزهَ عن اللغو، وأخذ معاني السمو الروحي.

– المسجد والدعوة

المسجد مركز دعوة ومنبر توجيه، ينوِّر العقول ويعمِّر القلوب ويـزيل عنها كـدر الفتنة وغبش المعاصي وينتزع منها جذور الزيغ والضلال، فيجعل من الأمة بإذن الله تعالى أجيالا مؤمنة تقية، مجاهدة صامدة، قانتة مطيعة، تعمر الأرض بالطاعة، وتدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بل وتنشر الإسلام في الآفاق.

– المسجد المدرسة

من المسجد تخرج العلماء والقادة الذين نشروا السلم والسلام في العالم، ومن المسجد تخرج المصلحون والدعاة وأرباب المعرفة والفكر وسادة التربية والإعداد. يقول الإمام ابن تيميه رحمه الله متحدثاً عن المساجد وموضحاً لأدوارها: (وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والذكر والقراءة، وتعليم العلم والخطب، وفيه عقد الألـوية، وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، فيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم) 3.

تأثـير المسجد على الشباب

للمسجد تأثير إيجابي في حياة الشباب، ويمكن أن يقدم لهم ما عجزت عن تقديمه المؤسسات الأخرى كالمدرسة ووسائل الإعلام، لذا يجب تحرير المساجد لتكون ملاذا للشباب، تحتضنهم وتبني شخصيتهم؛ الشخصية المؤمنة، الصادقة، الصالحة، النشيطة، المتميزة، المنتجة، المجاهدة، الواعية بمسؤوليتها. ألم يكن شباب الصحابة يلازمون المساجد، يقومون الليل ويتدارسون القرآن ويصلون، وفى النهار يصبحون فرسانًا وجنودًا في خدمة الدين؟ فكان المسجد حينئذ منبرًا لمناقشة بعض المشكلات والقضايا الخاصة بالشباب، وكيفية اغتنام أوقاتهم واستثمارها بكافة الوسائل المشروعة وجدانا وسلوكا، جدية وترويحا، علما وعملا.

تحريـر المساجد

ينبغي تحرير المسجد ليقوم بأدواره كاملة وليعود كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح؛ مقاما لذكر الله تعالى، ولأداء الوظيفة الاجتماعية والقضائية، ومكانا للتربية والتعليم والإعداد للجهاد، ومن أجل أن (يُـعاد للمسجد دفء الحياة، وحرارة الحركة، من برودة الهجران، وجمود العادة. يعمر المسجد بالتلاوة والعلم، ويطهر لذكر الله، ويجمر ويُـعتنى به، وينزه عن اللغو واللغط، ويحتفل لدخوله بالزينة السنية، والنظافة والطهارة وطيب الريح، يمشي إليه في ظلم الليل وضحوة النهار، يعمره الرجال والنساء، والشباب) 4.

فمن العار أن يُغيب دور المساجد وتعطل وظائفها، وقد ظهر الأثر السلبي واضحا على مستوى الفرد والجماعة وفي كل مجالات الحياة، وللأسف ما زالت الجهود حثيثة للتضييق عليها وشل وظيفتها وتحجيم دورها.

سنـة الاعتكـاف

أصل الاعتكاف طول المكث والبقاء ولزوم المكان، وهو في الشرع: لزوم مسجد لطاعة الله عز وجل. وقيل: (الاعتكاف هو الاستقامة على الشيء، فقيل لمن لازم المسجد وأقام العبادة فيه: عاكف، ومعتكِف) 5.

والاعتكاف في المساجد سنة مشروعة ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج لإذن من ولي أمر أو غيره، فـقد واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه من بعده، عن أمنا عائشة رضي الله عنها، “أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده” 6. قال أبو داود: عن الإمام أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أن الاعتكاف مسنون. ففيه (يجمع القلب على الله تعالى بالخلوة، مع خلو المعدة والإقبال عليه تعالى والتنعم بذكره والإعراض عما عداه) 7.

والاعتكاف يكون في المسجد الذي تصلى فيه الفروض الخمسة، قال الله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد 8، فـدل عموم قوله تعالى: “في المساجد” على أنه جائز في كل مسجد. ويستحب أن يكون في مسجد جامع، حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة.

لكن إذا تعذر ذلك لسبب من الأسباب، تنظم الاعتكافات في البيوت إذ تدخل في المفهوم العام للمسجد حيث جعل الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم الأرض مسجدا وطهورا؛ فعن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي؛ نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تَحل لأحد من قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة” 9. وهذا من خصائص هذه الأمة، قال القاضي عياض: (لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته).

فالأساس أن تتحقق مقاصد الاعتكاف، ومنها:

– الانقطاع إلى العبادة الصرفة من صلاة وذكر ودعاء وقراءة قرآن.

– الانجماع على الله تعالى.

– حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات.

– التقلُّـل من المباح، والزهد في كثير منها، مع القدرة على تناولها.

– إصلاح القلب، ولـمُّ شعثه بالإقبال على الله تعالى.

– تحري ليلة القدر.

خــاتمـة

إن المتأمـل في حال مساجد المسلمين ـ اليوم ـ يدرك الهوة بين الدور المنوط بها والواقع الذي تعيشه، لذلك أصبح من الواجب على المسلمين أن يحرروا المسجد من ربقة الاستكبار والأهواء والنزوات الفردية والجماعية حتى يكون منارا للهدى والإرشاد، ويحتضن الاعتكاف، وترجع له روحه، ليعود كما كان؛ (مركز حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية، مركز حياتهم الروحية قبل كل شيء. مكان استراتيجي فيه تعقد العقود مع الله تعالى توبة وعزما صالحا، ومنه تنطلق الحركة الجهادية، وفيه يُـذكر الله ويُلقَّى العلم بالله وبشريعة الله، فيه الصلوات الخمس جماعة يكاد حضورها يكون فرضا على الرجال، لا يتخلف منهم عن الجماعات إلا شبه المنافقين. فيه الجمعة وخطبتها. فيه اللقاء الطارئ والمشورة. وإليه يعود الفضل في تربية روح الخشوع والتقوى والأخوة والتعاون والولاية بين المؤمنين والانتماء إليهم) 10.

والحمد لله رب العالمـين.

 


[1] ينظر: المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 284، (الطبعة الثانية: 1410- 1989).
[2] سورة النور، من الآية: 36.
[3] يُنـظر فتاوى ابن تيمية، فـصل: “مواضع الأئمة، ومجامع الأمة هي المساجد”.
[4] المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين، ص: 285.
[5] ينظر لسان العرب لابن منظور، باب: عـكـف، ج: 9، ص: 255. (طبعة دار صادر، 1414هـ).
[6] رواه الإمام البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها، حديث رقم: 2026.
[7] سبل السلام للصنعاني، ج: 2، ص: 352. (طبعة دار الفكر، 1411هـ).
[8] سورة البقرة، 187.
[9] رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: التيمم، باب (دون عنوان) حديث رقم: 335.
[10] تنوير المؤمنات للأستاذ السلام ياسين، ج: 2، ص: 104. (دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، الطبعة الأولى في مصر).