الحمد لله الذي خلق كلّ شيء سويا، وكرّم بني آدم وشرّفهم وجعل منهم رسولا ونبيّا، وصدّيقا وشهيدا ووليّا، وأشهد أن لا إله إلا الله كان -و لا يزال سبحانه- مُغنيا وغنيّا، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمّدا عبده ورسوله اجتباه واصطفاه خليلا وصفيا، وكان به حفيّا، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وسلّم بكرة وعشيّا.
وبعد، فيقول المولى عز وجل: كَٓه۪ي۪عَٓصَٓۖ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآءَ (1) ا۪ذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّاٗۖ (2) قَالَ رَبِّ إِنِّے وَهَنَ اَ۬لْعَظْمُ مِنِّے وَاشْتَعَلَ اَ۬لرَّأْسُ شَيْباٗ وَلَمَ اَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاٗۖ (3) وَإِنِّے خِفْتُ اُ۬لْمَوَٰلِيَ مِنْ وَّرَآءِے وَكَانَتِ اِ۪مْرَأَتِے عَاقِراٗ فَهَبْ لِے مِن لَّدُنكَ وَلِيّاٗ (4) يَرِثُنِے وَيَرِثُ مِنَ اٰلِ يَعْقُوبَۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاٗۖ (5)[سورة مريم، آية: 01-05].
في جوف الليل وقد هجعت العيون، وهدأت الرِّجل وحلّ السكون، يقوم نبي الله سيدنا زكرياء -عليه السلام- إلى محرابه مناجيا من لا تراه العيون ولا تحيط به الظنون، يشكو له همّه، ويضع عنده ثقله، ويسأله حاجته… فهو سبحانه إنّما أمْره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
ناداه نداء خفيّا في تضرع وانكسار… بعيدا عن أعين المتلصّصين وآذان المتجسّسين وأجهزة الاستخبار… وقال له سيدي ومولاي يا مجيب الدعاء، يا محقّق الرجاء، يا من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء… هذا شعري قد شاب وعظمي وهن، ودنا أوان الترب والكفن، وما لي ولي مؤتمن، يحفظ الإرث ويبلّغ الأمانة بلا دخن.
وَإِنِّے خِفْتُ اُ۬لْمَوَٰلِيَ مِنْ وَّرَآءِے… خوف داعية إلى الله على دعوة الله أن تستلمها القلوب الغافلة، و ترثها الهمم المائلة، و تتبناها العقول الجاهلة. يقول سيدي أحمد بن عجيبة -رحمه الله تعالى- في تفسيره البحر المديد: «وَإِنِّے خِفْتُ اُ۬لْمَوَٰلِيَ أي: الأقارب، وهم: بنو عمه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ألا يحسنوا خلافته في أمته، فسأل الله تعالى ولدًا صالحًا يؤمنه على أمته. وقوله: من ورائي: متعلق بمحذوف، أي: جور الموالي، أو مما في الموالي من معنى الولاية، أي: خفت أن يلوا الأمر من ورائي، وَكَانَتِ اِ۪مْرَأَتِے عَاقِراٗ لا تلد من حين شبابها، فَهَبْ لِے مِن لَّدُنكَ وَلِيّا أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، بطريق الاختراع، لا بواسطة الأسباب العادية؛ لأن التعبير بِلَدُنّ يدل على شدة الاتصال والالتصاق، وَلِيّا: ولدًا من صُلبي، يلي الأمر من بعدي.
والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما ذكره عليه السلام من كبر السن وعقر المرأة موجب لانقطاع رجائه عن الولد بتوسط الأسباب، فاستوهبه على الوجه الخارق للعادة…».
ثم قال: يَرِثُنِے: صفة لـ “وليًّا”، وقرئ بالجزم هو وما عطف عليه جوابًا للدعاء، أي: يرثني من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء – عليهم السلام – لا يورثون من جهة المال. قال صلى الله عليه وسلم: “«نحن مَعاشر الأنبيَاءِ لا نُورَثُ» 1،و قيل: يرثني في الحبورة، وكان عليه السلام حَبْرًا».
والحقيقة أن سيدنا زكرياء -عليه السلام- عاش لله، دالا عليه، داعيا إليه. عاش يتنفّس الدعوة ويشمّ عبقها، يعيش في ظلال: «فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ» 2، فخشي أن يذهب جهده سدى إذا تولى الأمر بعده من لا يصلُح، فيُفسد ولا يُصلِح.
كان يعلم أن بني عمومته -وهم الذين سيلون الأمر من بعده، وسيرى النّاس فيهم خلفاء له بحكم النسب- ليسوا بالورثة الصالحين. لذلك كان همّه كبيرا، وحزنه عظيما.
ولا أظن أن الدنيا ومالهَا كان ليُهمّ نبي الله زكرياء -عليه السلام- حتى يلبس أسمال الليل متخفّيا عن الأنظار، ليقف في الأسحار بين يدي العزيز الغفّار، متضرّعا متوسّلا في خضوع واضطرار، وإنابة وانكسار… لا… إنّما قام بين يدي ربّه شاكيا إليه خوفه على الدعوة الغالية أن يرثها الأشرار، ويتولّاها من لا يفهم لبّها ولا يدرك جوهرها فيذهب صفوها وتعلوها الأكدار، سائلا مولاه أن يخرق العوائد ويجود على عُبيده بولي من لدنه يكون من أهل الرضى والأنوار، الطاهرين الأخيار.
خاف سيدنا زكرياء -عليه السلام- أن تنقطع عنده السلسلة النورانية البهية التي أكرم الله بها بني إسرائيل… خاف ألا تستمرّ الدعوة بعده في عقبه… فأنبياء الله عز وجلّ وورثتهم من الأولياء والصالحين والعلماء العاملين والدعاة المباركين لا يكون همّهم-فقط- أن تحيا الدعوة في حياتهم وتستقر، بل يكون همّهم أن تستمرّ بعدهم وتنتشر، وأن تتنقّل -في حفظ وصون- إلى الأجيال المتلاحقة، جيلا بعد آخر، ومن مكان إلى آخر.
الداعية إلى الله على هدى يعمل بجدّ للحاضر والمستقبل، لا يقول: “أنا… وبعدي الطوفان”، ولكنّه يحمل همّ الأجيال القادمة، ويحاول أن يعمّق الأسس ويرفع القواعد من مشروع الدعوة تحت شعار: “فليمت الداعية، ولتعش الدعوة، ولتبقى خالدة”.
صلى الله على سيدنا محمد – عليه السلام- قال مستشرفا المستقبل القادم بكل أبعاده الزمانية والمكانية: «بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً» 3، وقال في حجّة الوداع مخاطبا من غاب ومن حضر، ومن سيأتي من أمته مقتفيا الأثر: «…ألَا هلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِن سَامِعٍ، فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» 4.
أيها الداعي إلى الله… ضع لبنتك فوق لبنات من سبقوك بإحسان… واستشرف أمامك الصرح العظيم الذي بشّرك به رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ليبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يترُكُ اللَّهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَله اللَّهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ أو بذُلِّ ذليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ به الكُفرَ» 5
يا أخي… لا تنظر إلى كثرة الحفر من حولك، انظر إلى الجسر الذي يبنى فوقها، و امض ممتطيا حصان اليقين و الاستبشار، لابسا ثوب المسكنة والافتقار في الأسحار، فإن ربّك يتنزّل في وقت السحر المبارك، فإذا وجدك قائما في محرابك زفّ إليك البشرى : يَٰزَكَرِيَّآءُ اِ۪نَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ اِ۪سْمُهُۥ يَحْي۪يٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيّاٗۖ[سورة مريم، آية: 06]، بل لعلّك ترى حلمك يتحقّق في حلّة أبهى و أعظم مما كنت تتوقّع: يَٰيَحْي۪يٰ خُذِ اِ۬لْكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيْنَٰهُ اُ۬لْحُكْمَ صَبِيّاٗۖ (11) وَحَنَاناٗ مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّاٗۖ (12) وَبَرّاَۢ بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاٗۖ (13) وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاٗۖ(14)[سورة مريم، آية: 11-14].
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ما ناح العشّاق صبابة حتى طواهم الردى طيّا.
[2] أخرجه البخاري (3009) عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.
[3] أخرجه البخاري (3461) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه.
[4] أخرجه البخاري (1741) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه.
[5] عن تميم الداري رضي الله عنه، رواه أحمد (16957) واللفظ له، والطبراني (2/58) (1280)، والحاكم (8326).