دروس عملية في صلة الرحم من السيرة النبوية

Cover Image for دروس عملية في صلة الرحم من السيرة النبوية
نشر بتاريخ

-١-

كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا راقيا في علاقته بابنته فاطمة الزهراء عليها السلام، لم تقتصر رعايته لها واهتمامه وتهممه بها على المدة التي كانت عنده ابنة معززة مكرمة في بيت أبيها، بل تعدتها إلى بيتها وهي زوجة وأم…

رباها ورعاها صلى الله عليه وسلم فأحسن تربيتها، فكان نتاج تربيته امرأة كاملة من كوامل هذه الأمة؛ عابدة زاهدة، على خلق رفيع، وأدب جم، وعلم وافر ونافع، ولو اكتفى بذلك لكفاه صلوات الله عليهما وسلامه.

استمر نبينا الكريم في نسج علاقة إنسانية متفردة بينه وبين ابنته؛ يزورها باستمرار رغم شواغله، بل ويبتدئ بزيارتها عند قدومه من سفره، وإن زارته استقبلها واقفا مهللا مستبشرا، ثم يحتضنها كطفلة صغيرة، ويقبلها بين عينيها في أسلوب راق لربط علاقات دافئة تهون أمامها كل عقبات الطريق.

وتمام هذه الصلة أنها كانت تبتغي وجه الله كأعز ما يطلب، لذلك كان حريصا على آخرتها قبل دنياها، رفع همتها عندما طلبت منه خادما إلى ما عند الله تستفتحه بذكره، ضاربا النموذج المعلى في تجرد الأبوة من حرصها على أن تنال الذرية حظوظ الدنيوي إلى نيل منزلة القرب من المولى، فكانت سيدتنا فاطمة الزهراء قرة عين أبيها امرأة تليق ببيت النبوة وسيدة نساء الجنة.

استمرت صلتهما خيطا نورانيا يشع بالمعاني العالية لتضيء سماء الإنسانية بأسمى المثل فحتى عند لحظة مماته اختصها بمعرفتها دون غيرها، حريصا على أن يخفف عنها هول الفراق، مبشرا إياها بأنها أول أهل بيته لحوقا به، فيا لها من بشرى لروحين ارتبطتا برباط القربى في أسمى معانيه.

إنه إرث عظيم في كيفية العلاقة بين الأب وابنته؛ نعرضه على واقعنا لنرى عظم الفرق ونجتهد لنحتذي ونقتدي طلبا أن تكون قدمنا على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدركين تمام الإدراك ما نقصد بصلة الرحم وما نروم إليه.

-٢-

كانت سيدتنا درة رضي الله عنها وأرضاها من الصحابيات اللواتي تربطهن صلة رحم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ابنة عمه وألد أعداء الإسلام وصنديد من صناديد قريش، لم يأل جهدا في إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته؛ إنه عمه أبو لهب.

درة لم يكن أبوها وحده من تفنن في إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم والأوائل من المسلمين، بل كانت معه أمها ذات المسد، ولقد تبوءا بهذا الإمعان في الإذاية سخط الله وغضبه حتى نزلت فيهم بذلك سورة من القرآن؛ سورة المسد.

فالأمر جلي؛ درة عاشت في بيئة كلها كراهية للرسول صلى الله عليه وسلم ومع ذلك اختارت الإيمان وهاجرت إلى المدينة دار الإسلام، لكن كل ذلك لم يشفع لها عند بعض حديثي عهد بالإسلام، وكان أن عايرتها بعض النسوة بأفعال أبويها، حيث قالت لها نسوة من بني زُرَيق: ماذا تفيد هجرتك وقد نزل في أبويك قرآن يبشرهما بالنار، أنت ابنة أبي لهب، فما تُغْنِي عنك هِجْرَتَك؟ أقوال نزلت عليها كالصاعقة، فهل هي وصمة عار ستظل تلاحقها طول عمرها؟

أتت دُرة النبي صلى الله عليه وسلم فشكت له، فهدأ من روعها وذهب للصلاة، ثم صعد المنبر، وقال: «ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي؟ ألا ومَنْ آذى نسبي وذوي رحمي، فقد آذاني، ومَنْ آذاني فقد آذى الله، فوالله إن شفاعتي لتنال قرابتي يوم القيامة»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: “لا يؤذى حي بميت”، ولما رجع قال لدرة: “أغضب الله من أغضبك..”.

عبر كثيرة يمكن أن نستخلصها من هذه الواقعة، وأكتفي بالوقوف عند ما يخص صلة الرحم، فكل ما فعله برسول الله عمه أبو لهب وهو غاية في قطع الرحم والتنكيل بها، لم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقص من مكانة ابنة عمه وقرابتها منه ودفع الضرر والإساءة عنها إكراما لها. وفعله وقوله في هذه الواقعة صلوات الله عليه وسلم يظهر عظم مكانة ذوي الرحم ووجوب صلتهم فهم بكل الخيرات أولى.

-٣-

قال الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ  (سورة النور، الآية 22).

الآية نزلت في سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو من أولي الفضل والسعة بسط الله عليه رزقه، حين أقسم بأغلظ الإيمان أن يقطع ما كان يصل به ابن خالته مسطح وكان من المهاجرين المساكين…

قرار سيدنا أبو بكر الصديق بقطع الإنفاق على ابن خالته لم يكن اعتباطا، بل جاء إثر الإذاية البليغة التي لحقته في عرض ابنته عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وكان ابن خالته ممن وقعوا في عرضها وخاضوا.

ومع ذلك ورغم الألم الشديد الذي عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدتنا عائشة أم المؤمنين وسيدنا أبو بكر الصديق، والإذاية العظمى من وراء حادثة الإفك وخوض الناس فيها، فإن القرآن نزل موجها وداعيا إلى الصفح والعفو وعدم قطع الصلة مع ذوي القربى مهما بلغت إذايتهم وإساءتهم، فما أعظمها من رحم يحرص عليها الرحمن لتكون صلتها صفة لازمة لأوليائه وأصفيائه وأخياره من خلقه.

وفي امتثال الصديق لأمر الله حبا وطواعية متجاوزا العقبة النفسية قدوة رافعة لنا لنتجاوز ونعفو ونصفح ونصل حتى من آذانا من رحمنا.

هكذا هي الحياة في ظلال الإسلام الوارفة؛ فضائل ومكرمات تعلي من قيمة الإنسان ليعيش الحياة الطيبة، فالإنسان مرتبط بأخيه الإنسان الأقرب فالأقرب..