يشتكي كثير من الآباء والأمهات من ابتعاد أبنائهم عنهم، ومن ميلهم إلى مشاركة أسرارهم مع أصدقائهم بدل الحديث مع والديهم. كما يتساءل بعضهم: لماذا لا يرغب أبناؤنا في أن نكون ضمن دائرة أصدقائهم، حتى في الفضاء الرقمي؟
هذه الأسئلة كانت محور الحلقة الرابعة من برنامج “التربية بوعي”، التي قدمتها الاختصاصية النفسية الدكتورة السعدية الجغلالي، حيث تناولت مفهوم الصداقة الوالدية باعتباره أحد أهم المفاتيح لبناء علاقة صحية ومتوازنة بين الآباء والأبناء.
الصداقة الوالدية ليست تنازلا عن التربية
تؤكد الجغلالي أن الصداقة الوالدية لا تعني تخلي الوالدين عن دورهما التربوي، ولا ذوبان الحدود بين الآباء والأبناء، وإنما هي توازن حكيم يجمع بين الحزم والحنان، وبين التوجيه والاحتضان.
فالوالدان يوجهان أبناءهما إلى الصواب، ويبينان لهم الخطأ من الصواب، واللائق من غير اللائق، لكنهما في الوقت نفسه يشاركان أبناءهما اهتماماتهم، ويلعبان معهم، ويقتربان من عالمهم، ويتجاوزان عن بعض الهفوات البسيطة لكي تحصل هذه الصداقة.
المشاركة… مفتاح بناء الصداقة
وترى الاختصاصية أن المشاركة العملية من أهم وسائل ترسيخ الصداقة الوالدية، من خلال قضاء أوقات مشتركة بين الآباء والأبناء؛ كالذهاب إلى المسجد، وممارسة الرياضة، وحفظ القرآن الكريم، والتسوق، وإنجاز الأعمال المنزلية، وغيرها من الأنشطة اليومية التي تتيح فرصا للحوار والتقارب.
وتستحضر في هذا السياق نموذج نبي الله إبراهيم عليه السلام، الذي أشرك ابنه إسماعيل عليه السلام في بناء الكعبة، في صورة بليغة تعكس قيمة إشراك الأبناء في الأعمال والمهام.
من هدي النبي ﷺ في مراعاة عالم الطفل
ومن أروع النماذج التربوية التي تجسد الصداقة الوالدية ما رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، إذ كان لأخيه الصغير أبي عمير طائر صغير يسمى “النُّغير”. وكان رسول الله ﷺ إذا زارهم يداعب الطفل بقوله: “يا أبا عمير، ما فعل النغير؟”، مواسيا له بعد موت طائره.
ويبرز هذا الموقف النبوي عددا من المعاني التربوية الرفيعة، منها مراعاة مشاعر الطفل مهما بدت اهتماماته بسيطة في نظر الكبار، والاهتمام بعالمه الخاص، والدخول إلى دائرة اهتماماته بدل الاستخفاف بها.
فالنبي ﷺ لم يعتبر الأمر مجرد تعلق بطائر صغير، بل خاطب الطفل فيما يشغله ويؤثر فيه، مقدما بذلك نموذجا عمليا في بناء القرب العاطفي مع الأبناء.
بيت يشعر فيه الأبناء بالأمان
وتوضح الجغلالي أن الصداقة الوالدية تجعل الطفل يشعر بأن بيته مساحة للأمان، وأن والديه ملجأ يلجأ إليه لا محكمة يخشى المثول أمامها، فيجد أذنا تسمع، وقلبا يفهم، قبل إصدار الأحكام أو توجيه اللوم.
كما تجعل الحوار عادة يومية داخل الأسرة، وتبني جسور الثقة والمحبة، وتجعل الاحترام لغة مشتركة بين الوالدين والأبناء.
ومن ثمار هذه العلاقة أن يصبح الأبناء أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرهم دون خوف، وأن يتعلموا من أخطائهم دون شعور بالإقصاء، وأن يلجؤوا إلى والديهم في الأزمات بدلا من الابتعاد عنهما.
القرب لا يعني غياب الحدود
وتنبه الاختصاصية إلى أن الصداقة الوالدية لا تعني الفوضى داخل الأسرة أو إلغاء القوانين والأدوار، وإنما تعني ممارسة التربية بروح من المحبة والثقة.
فالآباء مطالبون بالاستماع إلى أبنائهم، وفهمهم، واحتضانهم، لكنهم مطالبون أيضا بوضع حدود واضحة تحمي أبناءهم وتسهم في بناء شخصياتهم.
وتؤكد أن الأبناء يحتاجون إلى قائد رحيم يمنحهم الشعور بالأمان؛ لأن غياب الحدود يزعزع الإحساس بالأمن، كما أن غياب القرب يضعف الثقة ويبرد العلاقة.
وتلخص هذا التوازن في رسالة ينبغي أن تصل إلى كل ابن وابنة: “أنا قريب منك بما يكفي لتثق بي، وحازم معك بما يكفي لأحميك”.
وتختم الجغلالي بالتأكيد على أن نجاح الوالدين في بناء صداقة ناضجة مع أبنائهما يمكنهما من كسب قلوبهم قبل تقويم سلوكهم، ويغرس في نفوسهم الثقة والطمأنينة، فينشأ الأبناء وهم على يقين بأن لهم سندا يلجؤون إليه، وصديقا لا يخذلهم، وبيتا يجدون فيه الأمان كلما ضاقت بهم الحياة.