خدمة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها لبيتها

Cover Image for خدمة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها لبيتها
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

تعكس سيرة سيدة نساء الجنة مراتب الإحسان ودرجات الكمال التي وصلتها فاطمة الزهراء رضي الله عنها، يقول الشاعر محمد إقبال:

المجد يــشرق من ثــــلاث مطالع ** في مــهد فاطمة فما أعلاها

هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم من؟ ** من ذا يـــداني في الفخار أباها

هي ومـضة من نور عين المصطفى ** هادي الشـــعوب إذا تروم هداها

(…)

جعلت من الصبر الجميل غذاءها ** ورأت رضـــا الزوج الكريم رضاها

فمـــها يُرتل آي ربــك بينما ** يــدها تدير على الشـعير رحاها

بلــت وسادتها لآلئُ دمعها ** من طول خـــشيتها ومن تـــقواها

ذاقت فاطمة شظَف العيش في كنف سيدنا علي رضي الله عنه لأنه كان فقيرا، فكانت وهي الشريفة العفيفة لا تأنف من مساعدته؛ تقوم بأعمال البيت لوحدها، فلا خادمَ يسعفها، ومن أين لها بأجر الخادم، وكانت تطحن بالرحى حتى تشققت يدها، وتحمل قربة الماء حتى تركت أثرا غائرا في رقبتها.

ففي الحديث أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا زوَّجه (عليا) فاطمةَ بعَث معه بخَميلةٍ، ووِسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، ورَحَييْنِ وسِقاءً وجَرَّتيْنِ، فقال عليٌّ لفاطمةَ ذاتَ يومٍ: واللهِ لقد سَنَوْتُ حتى لقد اشتَكَيْتُ صَدْري، قال: وقد جاء اللهُ أباكِ بسَبْيٍ، فاذْهَبي فاستَخْدِميه، فقالت: وأنا واللهِ قد طحَنْتُ حتى مَجَلتْ يَدايَ، فأتَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: ما جاء بكِ أيْ بُنَيَّةُ؟ قالت: جِئْتُ لأُسَلِّمَ عليكَ، واستَحْيَتْ أنْ تَسأَلَه ورجَعتْ، فقال: ما فعَلْتِ؟ قالت: استَحْيَيْتُ أنْ أَسأَلَه، فأَتَيْناه جميعًا، فقال عليٌّ: يا رسولَ اللهِ، واللهِ لقد سَنَوْتُ حتى اشتَكَيْتُ صَدْري، وقالت فاطمةُ: قد طحَنْتُ حتى مَجَلتْ يَدايَ، وقد جاءكَ اللهُ بسَبْيٍ وسَعةٍ، فأَخدِمْنا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: واللهِ لا أُعْطيكما وأَدَعُ أهلَ الصُّفَّةِ تَطْوى بُطونُهم، لا أَجِدُ ما أُنفِقُ عليهم، ولكنِّي أَبيعُهم وأُنفِقُ عليهم أَثْمانَهم، فرجعا، فأَتاهما النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقد دخَلا في قَطيفَتِهما، إذا غطَّتْ رُؤوسَهما تكشَّفتْ أَقدامُهما، وإذا غطَّيا أَقدامَهما تكشَّفتْ رُؤوسُهما، فثارا، فقال: مكانَكما، ثُم قال: ألَا أُخبِرُكما بخَيرٍ ممَّا سأَلْتُماني؟ قالا: بَلى. فقال: كلماتٌ علَّمَنيهِنَّ جِبريلٌ، فقال: تُسبِّحانِ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عشْرًا، وتَحمَدانِ عشْرًا، وتُكبِّرانِ عشْرًا، وإذا أَوَيْتُما إلى فِراشِكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثينَ، واحمَدا ثلاثًا وثلاثينَ، وكبِّرا أربعًا وثلاثينَ، قال: فواللهِ ما ترَكْتُهُنَّ منذُ علَّمَنيهِنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قال: فقال له ابنُ الكَّوَّاءِ: ولا ليلةَ صِفِّينَ؟ فقال: قاتَلكمُ اللهُ يا أهلَ العِراقِ، نَعمْ، ولا ليلةَ صِفِّينَ (1).

فقر وحاجة نتج عنهما شظف عيش وتعب، مجلت يدا فاطمة الزهراء من الطحن في الرحى، فأشفق عليها علي، فلما علم بخبر السبي أراد أن يكون لهما حظ منه، فطَمَع في أن يسْعفهما الرسول صلى الله عليه بخادم يخفف عنهما، لكن الجواب كان في اتجاه آخر. فهل يكون علي أشفق على فاطمة قرة عين أبيها من الحبيب صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا فضل أهل الصفة وقدمهم على ابنته وصهره؟  

رجع الحبيب صلى الله عليه وسلم ليلا وطرق باب ابنته ودخل عليهما، وفي ذلك عطف وحنان ومواساة وتهمم واهتمام، ولم ينصرف حتى أمدهما بالزاد الإلهي، وبالدربة الرياضية النفسية النفيسة التي تقويهما، أما المصاعب اليومية والمشاق؛ فهو تسبيح وحمد وتكبير يومي، وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه خير من سؤالهما، وهنا التفضيل؛ “ألا أُخبِرُكما بخَيرٍ ممَّا سأَلْتُماني”، قالا: بَلى. فقال: كلماتٌ علَّمَنيهِنَّ جِبريلٌ، فقال: تُسبِّحانِ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عشْرًا، وتَحمَدانِ عشْرًا، وتُكبِّرانِ عشْرًا، وإذا أَوَيْتُما إلى فِراشِكما فسبِّحا ثلاثًا وثلاثينَ، واحمَدا ثلاثًا وثلاثينَ، وكبِّرا أربعًا وثلاثينَ.

ذكر يعوض الخدم ويعين على الصعاب، لدرجة أن سيدنا علي كرم الله وجهه ما تركه مذ تعلمه، حتى في أحلك المواقف، أكد ذلك لما سأله من أراد أن يختبر صدقه، حين قال ابن الكَّوَّاء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين.

وهذا يدل على لزومه الذكر، فلم يتركه حتى ليلة صفين. وهي المعركة التي جرت بين علي  وأهل الشام حين اقتتلوا مقتلة عظيمة وأقاموا بصفين عدة أشهر، وكانت المعركة عبارة عن وقْعات كثيرة، ولكنهم ما قاتلوا في الليل إلا مرة واحدة هي ليلة الهرير، سميت بذلك لكثرة ما كان الفرسان يهرون فيها، وقتل من الفريقين تلك الليلة عدة آلاف، وقد أوشك علي على النصر، حتى رفع أهل الشام المصاحف، وطالبوا بتحكيم القرآن.

قتال ومجاهدة ومقارعة بالسيوف، وموقف فيه اختبار وابتلاء لوحدة المسلمين، ومع ذلك لم ينس سيدنا علي وصية التسبيح النبوية، فهي وصية عظيمة تدل على أن ذكر الله  يقوي البدن؛ لأن رسول الله ﷺ لما علمه لفاطمة رضي الله عنها قال: إنه خير من خادم، معنى ذلك أن ذكر الله يقوي الأبدان.

وإنه صلى الله عليه وسلم قد اختار لابنته أن تبقى على حالها ولم يعطها ذاك الخادم، وأعطاها بديلاً؛ هذا الذكر العظيم. قال القرطبي: “إنما أحالها على الذكْرِ ليكون عِوضاً عن الدعاء عند الحاجة، أو لكونه أحبَّ لابنته ما أحبَّ لنفسه من إيثار الفقر، وتحمل شدته بالصبر عليه تعظيماً لأجرها”. وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم اختار لابنته ما أحب لنفسه من إيثار التحمل والصبر على الشدة والقلة؛ الصبر على القلة تعظيمًا لأجرها، وإلا كان بالإمكان أن يعطيها ما شاءت، ولكنه اختار لها ما اختار لنفسه؛ ما هو أكثر نفعًا لها في الآخرة، وآثر أهل الصفة لأنهم فقراء قد وهبوا أنفسهم لسماع العلم وضبط السنة والجهاد في سبيل الله، على شبع بطونهم، فقد فضل الرسول صلى لله عليه وسلم في الإنفاق طلبة العلم على أهله.

ويستفاد من الحديث أيضا أن من واظب على هذا الذكر قبل النوم لم يصبه الإعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب فأحالها النبي ﷺ عليه، وهذا يدل على أن الذكر له أثر في تقوية البدن.

فإذًا؛ من فوائد الذكر: أنه يقوي البدن كما أنه يقوي القلب، فهو يزيد النفس ثباتًا، والقلب طمأنينة، والإنسان رباطة جأش، كما أنه يقوي الجسد.

وهذه الكلمات تشبه  ورد الأذكار عقب الصلوات، فقد روي في بعض كيفيات الأذكار بعد الصلوات أذكار قبل النوم، وهي: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين، وهي صحيحة. وبعد الصلاة أيضاً الكيفية المشهورة: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

عبر مستفادة من هذه القصة:

– صبر فاطمة الزهراء على فقر زوجها، وقَبولها مساعدته من خلال قيامها بأعمال البيت.

– خدمة المرأة في البيت لزوجها المحتاج – رغم أن الشرع لم يلزمها بذلك – سنة أهل البيت (فاطمة الزهراء نموذجا).

– ممكن للبنت أن تشكو لأبيها حاجتها، فلم يعب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته شكواها.

– تفضيل مساعدة أهل الذكر والعلم (أهل الصفة) على مساعدة الصهر والبنت.

– التسبيح والحمد والتكبير خير من الخادم، بل إنه معنويا يقوم مقامه، فالذكر تقوية للبدن ورياضة للسان، وهو مُعين على مواجهة الصعاب، فهذا ذكر خاص بالخدمة يلزمنا أن نواظب عليه لنستعين به على الأعباء، فننال أجر اتباع وصية الحبيب صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

– فاطمة الزهراء كانت من الكاملات فهي ذاكرة لله، متبعة سنة رسول الله، مجتهدة في العبادة، وكانت في خدمة زوجها وأهلها، رغم علو قدرها ومكانتها من الحبيب صلى الله عليه وسلم.

– المدوامة على الذكر سنة حتى في أشد المواقف عسْرة وضيقا.

– فاطمة الزهراءُ وزوجُها مثالٌ للزوجين المتعاونين والمطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعترضا على حرمانهما من الخادم، واختارا ما اختار لهما الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو خير من الخادم؛ إنه التسبيح.

– خدمة المرأة في بيتها نافلة تنال بها الأجر والثواب، وتسلك منها إلى الله، لأنها لم تفرض عليها، فيكفيها أن تجدد النية للخالق الوهاب.

– صبر فاطمة رضي الله عنها على الفقر وشظف العيش وعلى العمل الشاق، تسلية لكل معسرة في دنياها، مبتلاة بفقر أو شدة، فالكريمة بنت الحبيب المصطفى صبرت مع الزوج الفقير؛ الغني في ميزان خصال الإيمان والحب لله ورسوله والجهاد في سبيله.


(1) حديث لعلي بن أبي طالب، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم 838.