لم يعد السجن فكرةً ولا شاشةً فقط… بل صار قرارًا.
قرارًا يُتخذ في لحظة، ليمنع إنسانًا من أن يكون حيث يجب أن يكون، ومن أن يقول ما يجب أن يُقال، ومن أن يتحرك حيث يتحرك الضمير.
حين يُمنع مناضل من المشاركة في أسطول الصمود، فالقضية ليست مجرد إجراء إداري، ولا مجرد “تنظيم” أو “ظرف سياسي”.
إنها لحظة كاشفة فاضحة لأخطبوط التطبيع مع الكيان الصهيوني المروج لبخور ثقافي مضلل “كلنا إسرائليون”، والمدعم لإسهال رقمي مشتّت للوعي وفاضح لحقيقة الصراع، وسلطة واقعية تُغلق أبواب مشاركة مناضل رسالي في أسطول الصمود .
هذا الأسطول بمن فيه من المشاركين ليس مجرد سفن، بل هو رمز: الأستاذ عبد الصمد فتحي قرر أن لا يكتفي بالمشاهدة، قرر أن لا يبقى على الشاطئ، قرر أن لا يحوّل القضية إلى منشور.. بل إلى موقف.
حين يُمنع عبد الصمد فتحي، يُطرح السؤال الحقيقي: هل المنع موجّه له، أم للرسالة التي يحملها؟
في زمن السجن الرقمي، يُسمح لك أن تتكلم عن فلسطين، أن تنشر، أن تتعاطف، أن تحوقل، أن تبكي حتى.. لكن حين تتحول الكلمة إلى فعل، والتعاطف إلى حركة، يبدأ التضييق.
كأنهم يقولون لك: كن متعاطفًا لكن من بعيد. كن واعيًا لكن بلا أثر.
هنا تتضح الصورة: السجن الرقمي يُخدّر، والسجن الواقعي يُقيّد، وكلاهما يعملان معًا ليُبقي الإنسان في منطقة آمنة: منطقة “المشاهِد”.
لكن المؤمن القائم الشاهد بالقسط الساعي إلى الانعتاق من سجن الانبطاح الثقافي الرسمي، لن يتفاجأ كثيرًا.
لأنه وطّن نفسه على اقتحام العقبة إلى الله بعد يقينه الواعي بأن العدل ليس طريقًا ممهّدًا، وأن نصرة المستضعفين في الأرض ليست مهمة بلا ثمن.
منع مناضلنا فتحي من الإبحار لن يغير من أهداف الرحلة، بل يكشف عن حقيقتها. ويقول للعالم: هناك من يخاف من مجرد وصول صوتٍ حر، أو جسدٍ أعزل، إلى مساحةٍ أرادها الظلم مغلقة.
وهنا يرتفع صوت الحق ويستمر صداه عبر الأجيال ممتدا عبر الزمن :قد يُمنع الجسد من السفر، لكن قضيتنا كتيار قوي للماء يجد طريقه مهما صدته الموانع.
قد تُغلق المطارات والموانئ في وجه الأحرار، لكن القلوب التي حملت القضية لا تُغلق ولن تغلق بإذن السميع العليم.
لا نكتفي بمتابعة الخبر أو نحلّل أو نتعاطف لدقائق ثم يعود كل شيء إلى طبيعته.
وهذا هو الاختبار الحقيقي: هل تحوّلنا من متابعين للبطولات أم شركاء فيها؟
مسؤوليتنا في هذا السياق لا تعني فقط أن نقول: للظالم يا ظالم، بل أن نبحث: ما دور كل واحد منا في زمن المنع؟
قد لا أركب السفينة، لكن يمكنني أن: أصدع بصوتي وأكشف التزييف وأدعم الصادقين وأرفض أن أكون جزءًا من التخدير العام.
مناضلنا المحبوب عبد الصمد منعوه، لأنهم لم يطيقوا رؤيته مشاركا في أسطول الصمود رغم إدراكهم مدى كسبه لقلوب كل أحرار العالم وكل محب لأولى القبلتين وثالث الحرمين.
الحرية لفلسطين الجريحة شعار لا يقتضي تردادا فقط بل مهمة تاريخية مجيدة.
ومهمتنا أن نجمع بين:
وعيٍ يقيني لا يُخدع، وقلبٍ لا يغفل عن الله عز وجل، وإرادة ماضية لا تفتر عن نشدان العدل والشورى والإحسان، وموقفٍ لا يُشترى.
وحينها فقط، حتى لو لم نبحر مع أسطول الحرية، سنكون جزءًا من الرحلة.. لأن الرحلة الحقيقية انطلقت من داخل كياننا باقتحام متواصل لعقبات القعود عن نصرة الحق ومهادنة الباطل وأعوانه من المطبعين من بني جلدتنا.