حين يصبح الماء امتحانا للإنسانية

Cover Image for حين يصبح الماء امتحانا للإنسانية
نشر بتاريخ

يا أبناء هذا الوطن الذي يختبرنا في الشدّة قبل الرخاء؛ نجتمع اليوم تحت سماءٍ ما زالت تحمل آثار الغضب، وأرضٍ ما زالت تئنّ من ثقل المياه. نقف أمام مشاهد لا تُمحى بسهولة: منازل ابتلعها الطوفان، طرقات قطّعتها السيول، عائلات فرّقتها الكارثة، وعيونٌ تبحث عن الأمان في كل اتجاه. لكن وسط هذا المشهد القاتم، هناك نورٌ لا تستطيع الفيضانات أن تُغرقه… نور الإنسانية حين تستيقظ في القلوب.

ليست الفيضانات مجرّد مياهٍ جارفة، بل رسالة قاسية تُذكّرنا بهشاشتنا، وتضعنا وجهًا لوجه مع مسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض. فهي تسألنا بصمتٍ أعلى من صخب المطر: ماذا سنفعل لأجل من فقدوا بيوتهم؟ ماذا سنقول لمن ضاع رزقهم؟ وكيف سنقف بجانب من تهدّمت حياتهم في لحظة؟

إن التضامن ليس فعلًا عابرًا يُمارس في لحظة عاطفية ثم يُنسى، بل هو عقدٌ أخلاقي غير مكتوب بين أبناء الوطن الواحد. هو وعدٌ بأن لا نترك المنكوبين وحدهم في برد الليل، وأن لا نكتفي بالأسف من خلف الشاشات بينما تتألّم الأرواح في الواقع.

دعونا نتذكّر أن البيت الذي غمرته المياه اليوم قد يكون بيتنا غدًا، وأن اليد التي تمتدّ الآن قد تكون هي نفسها التي سنحتاجها يومًا ما. في الكوارث، لا ينقذنا المال وحده، ولا الشعارات وحدها، بل تنقذنا الرحمة حين تتحوّل إلى عمل، والتعاطف حين يتحوّل إلى مشاركة حقيقية.

فلنكن أوّلًا حاضرِين بقلوبنا قبل أبداننا؛ نصغي لوجع المتضرّرين، نحترم كرامتهم، ونرفض أن يتحوّل ألمهم إلى مادةٍ للمزايدة أو المتاجرة. ثم لنكن حاضرِين بأيدينا: بالتطوّع، بالتبرّع، بإعادة البناء، وبإزالة آثار الدمار حجرًا حجرًا، وطريقًا طريقًا، وجرحًا جرحًا.

وليكن حضورنا أيضًا بكلماتنا؛ كلمةٌ طيبة قد تُعيد الدفء إلى قلبٍ برده الخوف، وكلمةٌ صادقة قد تُشعل الأمل في روحٍ أنهكها اليأس. فالوطن لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل يُبنى بالثقة المتبادلة بين أبنائه.

قد تُخرّب الفيضانات البيوت، لكنها لا يجب أن تُخرّب روابطنا. قد تبتلع الطرق، لكنها لا يجب أن تقطع جسور المحبة بيننا. اليوم نحن أمام امتحان حقيقي: إمّا أن نخرج منه أكثر تفرّقًا، أو أن نخرج منه أكثر تماسكًا وإنسانية.

فلنختر الطريق الأصعب… طريق التضامن، طريق اليد الممدودة، طريق القلب المفتوح، وطريق المسؤولية المشتركة. لأن الوطن الذي ينهض مع منكوبِيه هو وطنٌ لا تهزمه الكوارث، مهما كانت قاسية.

ولنثبت للعالم، ولأنفسنا قبل ذلك، أن المياه قد تجرف كل شيء… إلا إنسانيتنا حين تتوحّد،
وإلا تضامننا حين يصير فعلًا حيًّا ينبض في كل شارعٍ وبيت وقلب.