وصلني خبرُ رحيل الطبيب الدكتور ياسين لحلو إلى الدار الآخرة، فجأةً كأنّه برقٌ خطف ضوءه ومضى، وكأنّ الرجل كان على عَجَل من أمره، مستخفًّا بثقل الدنيا، ملبّيًا نداء الرحيل في صمت الكبار.
كنتُ، بين الفينة والأخرى، أتابع فقراته المتميزة عبر الأثير، في عدد من المواقع، صوتًا يطرق القلوب قبل الآذان، وصورةً تنطق سكينة ووقارًا. وكلّما تصفحت عالم التواصل وقع بصري على حلقة من حلقاته يشرح فيها بعض أسس التربية النبوية، أو أجده حاضرا في ندوة أو محاضرة، وألفيته لا يملّ من التذكير بالآخرة، كأنّه كان يهيّئ السامعين… ويهيّئ نفسه.
كانت كلماته بلسَمًا للروح، وعباراته عسلًا مصفّى، لا تشبع من حديثه ولا تملّ الإصغاء إليه. وكنتُ أقول في نفسي دائمًا: هذا صاحبي الطبيب، كثير الحضور في مجال الوعظ والإرشاد، لا يكاد يمرّ أسبوع أو أسبوعان إلا وأجد له أثرًا؛ إمّا فقرة من الرقائق في “سمرٍ نبوي”، أو مشاركةً في ندوة تُعرّف بشمائل المصطفى ﷺ، أو في ذكرى الوفاء، أو إسهامًا علميًا رصينًا في ميدان تخصّصه الطبي.
وكأنّ الرجل لا يعرف الكلل ولا يأنس للراحة، حريصًا على أن يشدّ الخلق إلى الخالق، شديد التعلّق بالدعوة، متخفّفًا من أثقال الدنيا. كنتُ أراه داعيةً ربانيًا، يتمثّل سلوك الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وكأنّه نسخة حيّة من ذلك النموذج الذي يُقرأ في الكتب، ثم نادراً ما يُرى يمشي بين الناس.
عرفتُه قبل سبعةٍ وعشرين عامًا، يوم كان طالبًا في سنواته الأخيرة بكلية الطب بالعاصمة الرباط. عرفته في أجلّ مجلس من مجالس النصيحة، تلك التي أسّسها الحبيب سيدي منير الرݣراݣي، وتعرّفتُ عليه صحبةَ الدكتور محمد الرݣراݣي، في رياض تلك المجالس الربانية التي كانت تُربّي القلوب قبل العقول.
لم يكن بالطويل ولا بالقصير، بل ربعة، أبيض البشرة، جميل المحيّا، هيّن الطبع، ليّن المعشر، دائم الابتسامة، حتى ليخيّل إليك أنّ البشرى تسكن ملامحه. كلّ من عرفه أحبّه.
وكم كنتُ أسعد بزياراته الخاصة لنا في مجلسي النصيحة أو الحديث.
وكم كنتُ أخفي ذلك الإعجاب الصامت، والتعظيم الخجول؛ كنتُ أردد في داخلي: هذا رجل أحبّه في الله. ويا ليتني تجرّأت يومًا وأخبرته! واحسرتاه على حيائي وخجلي.
ازداد تعلّقي به وتواصلي معه في موسم 1999، حين كان يتابع باهتمام بالغ خبرَ فتح كلية الطب والصيدلة بالعاصمة العلمية فاس. كان حريصًا أن يكون من السابقين إلى الغرس، وأن يكون له سهم في الشجرة المباركة، شجرة دعوة الطلبة الأطباء الجدد، ممتثلًا قول الله تعالى: وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ وقوله عزّ وجلّ: السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ.
أذكر، وأنا يومها طالب في سلك الإجازة، مقيم بالحيّ الجامعي فاس سايس، أنّ الدكتور الطبيب الحبيب سيدي ياسين لحلو دخل الحيّ يسأل عنّي، زيارةً أولى بلا موعد. وفي زمن لم تكن فيه الهواتف تمدّ الجسور كما تفعل اليوم.
قلت في نفسي: كيف يليق بي أن أستقبل هذا الضيف الجليل، وأنا أقبع في غرفة رباعية، في ركن قصيّ من الحيّ الجامعي، غرفة أقرب إلى عنبر منه إلى مسكن؟ وكيف لي أن أُكرم هذا الضيف، وقد عدمت الوسيلة والحيلة، وهو القادم إليّ ومعه صاحبه يومها الطبيب الدكتور محمد أتيتيش؟
غير أنّه رحمه الله، ما إن التقى بي واحتضنني، حتى شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، كأنّه انتزع من صدري بعض ثقلٍ كان جاثمًا عليه. كأنّه – وهو الطبيب – وصف لي دواءً شافيًا، بلا وصفة ولا صيدلية.
دخل الغرفة، وجلب معه ما شاء الله من الطعام والشراب، ما يكفيني ويكفي من معي. جلسنا نفترش الأرض، وبدأ الحديث بهدوء العالم، وحكمة الداعية. طرح أسئلةً قليلة، لكنها كانت كافية لأفهم قصده ومراده، وأدرك لماذا اختارني ومعي بعض الإخوة لهذا العمل.
كلامه كان رقيقًا نافذًا، ينساب إلى القلب بلا استئذان. والرسالة كانت ثقيلة، كأنّه يقول لي دون أن يصرّح: إيّاك أعني واسمعي يا جارة.
ثم استرسل يذكّرنا بقول الإمام المجدّد رحمه الله: “إن الدعوة إلى الله عزّ وجلّ هي لُبّ الأمر كلّه، هي وراثة النبوّة”. وكأنّي أراه يعيش هذا المعنى لا يردّده فقط، مجسّدًا قول الإمام: “إن لبّ الأمر كلّه الدعوةُ إلى الله…”.
وقبيل أذان المغرب بربع ساعة، ختم اللقاء بسؤال عمليّ صريح: هل تعرف طالبًا جديدًا في الطب؟
فقلت: نعم، محمد، محافظ على صلاته، نشيط، سهل التواصل.
قال: إذن نضرب موعدًا قريبًا، ويكون معنا. لعلّه يكون البداية… ومفتاح الخير في هذه الكلية الفتيّة.
ودّعني، وقد حمّلني أمانةً عظيمة، كأنّها من تلك التي عُرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها.
ودّعني على وقع حديث المصطفى ﷺ: “فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعم”.
وخِتامًا، عاش صاحبي الطبيب لله، لا يبتغي إلا رضاه، حريصًا على الآخرة، فكتب الله له حسن الخاتمة. أحسبه من الصالحين، ولا أزكّي على الله أحدًا.
رحم الله الدكتور ياسين لحلو رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.