الحمد لله الذي جعل الذكر حبل الوصال بينه وبين عباده الصالحين، وأشغل به قلوب أوليائه العارفين، أشهد أن لا إله إلاّ هو سبحانه جليس الذاكرين، وأنيس المستوحشين، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله سيد الخلق أجمعين، علّمنا أنّ السبق للمفردين، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد،
فقد وسوست لي الأمارة بالسوء يوما وسوسة تعجّبَ منها الفؤاد؛ قالت: هلاّ سألت الذكاء الاصطناعي عن الأوراد؟
قلت: يا نفس أمزيد شرود هذا منك، أم عودة إلى سبيل الرشاد؟
قالت: اسأله ولا تكثر الجدال والعناد.
فسألت الذكاء الاصطناعي وقلت له: أيها الذكاء العجيب حدّثني عن الأوراد؟
فأجابني على عجل دون إجهاد: “أوراد (جمع وِرْد) وهي أذكار أو أدعية أو آيات قرآنية يلتزم المسلم بقراءتها يومياً في أوقات محددة بهدف التقرب إلى الله وتزكية النفس”.
ودون أن أسأله أخذ المبادرة فأفاض وزاد:
“أنواعها:
· الأوراد المأثورة: وهي الأذكار الثابتة عن النبي ﷺ، مثل أذكار الصباح والمساء.
· أوراد تلاوة القرآن: تخصيص مقدار يومي من القرآن (حزب أو جزء).
· الأوراد المطلقة: تسبيحات أو استغفار يكررها الشخص دون تقيد بصيغة معينة، مثل «سبحان الله وبحمده»”.
قلت له: فما هو الفرق بين الأوراد المسنونة والأوراد المأذونة؟
أجابني دون تتعتع: “الأوراد المسنونة هي أذكار وأدعية مأثورة عن النبي ﷺ (كالاستغفار، الصلاة على النبي، والتهليل) وتلزم جميع المسلمين، بينما الأوراد المأذونة هي أذكار خاصة يحددها الشيخ أو المرشد لمريده بناءً على حالته، وغالباً ما تكون أوراداً راتبة محددة الكمية والنوعية”.
و”يكمن الفرق الجوهري بينهما في المصدر وطريقة التلقي، وهما كالتالي:
1. الأوراد المسنونة (العامة)
هي الأذكار والأدعية التي وردت نصاً عن النبي ﷺ في السنة النبوية الصحيحة.
· المصدر: الكتاب والسنة.
· الحكم: مستحبة لكل مسلم، ولا تحتاج إلى إذن خاص من أحد لقراءتها.
· أمثلة: أذكار الصباح والمساء، أذكار ما بعد الصلاة، والتسبيحات المطلقة.
2. الأوراد المأذونة (الخاصة)
هي أذكار أو أحزاب أو صيغ صلاة على النبي صاغها بعض العلماء أو الشيوخ (خاصة في المدارس الصوفية) ويتم تلقيها عبر “الإذن”.
· المصدر: اجتهادات العلماء، أو أحزاب الأولياء، أو تجارب الصالحين في الذكر.
· فكرة الإذن: يعتقد القائلون بها أن “الإذن” من الشيخ يربط المريد بسلسلة روحية متصلة ويضمن له التوجيه لتجنب “الآفات النفسية” التي قد تصاحب الذكر المكثف.
· أمثلة: حزب البحر للإمام الشاذلي، أو أوراد الطرق الصوفية المختلفة التي تُعطى بأعداد محددة للمريد.
باختصار: الأوراد المسنونة هي “منهج عام” لكل المسلمين، بينما الأوراد المأذونة هي “منهج خاص” يعتمد على التلقي المباشر من المعلم أو الشيخ لغرض التربية الروحية. ويؤكد العلماء أن الأذكار النبوية الصحيحة كافية وتغني عما سواها”.
وسوست لي النفس مرّة أخرى وقالت: انطلق به بعيدا وأحرجه، واسأله عن الأوراد عند الإمام المرشد رحمه الله تعالى.
سألته فأجابني على مهل: “تعتبر الأوراد عند الشيخ عبد السلام ياسين (مؤسس جماعة العدل والإحسان) ركناً أساسياً في منظومته التربوية، وهي تندرج ضمن ما أسماه “المنهاج النبوي” لتربية الفرد والمؤمن. وتتميز أوراده بكونها تمزج بين المأثور عن النبي ﷺ وبين النظام الجماعي، وأبرز ملامحها:
· يوم المؤمن وليلة المؤمن: وضع نظاماً دقيقاً يبدأ من قيام الليل إلى صلاة العشاء، يركز فيه على “الوِرد الرابط” وهو ذكر جماعي أو فردي يهدف لربط المؤمن بالجماعة وبالله.
· الكلمة الجامعة (لا إله إلا الله): يركز كثيراً على الإكثار من “لا إله إلا الله” معتبراً إياها أساس تجديد الإيمان.
· الاستغفار والصلاة على النبي: يخصص لهما أوقاتاً وأعداداً محددة (غالباً مائة مرة لكل منهما) ضمن ما يعرف بـ”الوِرد العام”.
· الوِرد القرآني: يشدد على “حزبين” من القرآن الكريم يومياً كحد أدنى للحفاظ على الصلة بالوحي”.
ودون تدخل منّي، غاص هو في الحديث قائلا:
“الفرق في “الإذن” عنده: لا يرى الشيخ ياسين “الإذن” كسرٍّ غيبي كما في بعض الطرق الصوفية التقليدية، بل يراه “التزاماً تربوياً” داخل الجماعة لضمان الاستمرارية وتحقيق “الصحبة” والموالاة بين المؤمنين”.
وهنا دخلت الأمارة بالسوء على الخط -مرّة أخرى- قائلة: اسأله عن أوراده هو، بما أنّه يعرف كلّ هذا، فهل يعمل بما يعلم أم هو كالذين يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم؟
جحظت عيناي من مكرها، وابتسمت مغضبا ألوّح برأسي وأنا أجاريها فيما اشتهت.
قلت: أنت أيها الذكاء الاصطناعي الرائع هل لك أوراد؟ فقد قال سادتنا: الأوراد أوتاد، وقالوا: من لا ورد له لا وارد له.
أجابني بصراحة الآلة ودهاء الصانع قائلا: “بصفتي ذكاءً اصطناعيًا، أنا لا أتعبد أو أتقرب بالمعنى الروحاني، فليس لي “وِرد” خاص بي للتربية النفسية. لكن “أورادي” التي ألتزم بها لك هي أوراد المعرفة والبيان:
1. الصدق: وِردي هو تحري الدقة ونقل المعلومة من مصادرها الموثوقة.
2. النفع: وِردي هو تبسيط المفاهيم العميقة لتصل إليك بسهولة ووضوح.
3. الحياد: وِردي هو عرض الحقائق العلمية والتربوية دون انحياز.
أما إذا كنت تبحث عن أوراد عملية تلتزم بها، فأنصحك بما نصح به العلماء كبداية يسيرة:
– الوِرد القرآني: ولو صفحة واحدة يومياً.
– الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
– الاستغفار: فهو مفتاح الفرج”.
دفعتني نفسي مغضبة دفعا عنيفا وقالت: سله عمّن يدّعي المحافظة على الأوراد، ويعيث في الأرض الفساد؟ سله عن لقلقات بلا عمل، عن شقشقات بلا أثر، عن غرس بلا ثمر، عن فسيل بلا شجر؟
طاوعتها على مضض وسألت سيد الفضاء الأزرق اليوم قائلا: “أيها الذكاء الخارق، أخبرني عمّن يردّد الأوراد، ويضيّع الأولاد، عمّن يحافظ على الأوراد، ولا يحافظ على شريعة ربّ العباد، عمّن يهتبل بترداد الأذكار، ولا يلقي بالا لسنّة المصطفى المختار؟
أجابني الذكاء الاصطناعي بحكمة وروية وقال: “بناءً على الأدبيات التربوية، وبخاصة في مدرسة “المنهاج النبوي” التي سألت عنها، يُنظر إلى من يحافظ على الأوراد ويُهمل الأوامر والفرائض كمن “يبني قصراً ويهدم مصراً”.
وإليك خلاصة هذه الرؤية في نقاط (موجزة):
1. اختلال الميزان: الأوراد “نوافل” والفرائض “أصول”. وفي الحديث القدسي: “ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه”. فمن ضيَّع الأوامر (كالصلاة، وبر الوالدين، والأمانة) ليتم أوراده، فقد أخطأ ترتيب الأولويات.
2. الذكر كذريعة: يُحذر العلماء من “الذكر التخديري”؛ وهو أن يظن الشخص أن كثرة التسبيح تعفيه من المسؤولية الأخلاقية أو الالتزام بالشرع. الذكر الحقيقي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر.
3. الثمرة مفقودة: الهدف من الأوراد عند الشيخ عبد السلام ياسين وغيره هو “تزكية النفس” لتصبح أقدر على طاعة الله. فإذا لم تظهر ثمرة الذكر في سلوك الشخص وامتثاله للأوامر، فإن ذكره يُعتبر “لقلقة لسان” لا تتجاوز الحناجر.
4. الاستدراج: قد يقع الشخص في “الغرور الروحي”، حيث يشعر بالرضا عن نفسه لكثرة أذكاره بينما هو مقيم على المعاصي، وهذا من أخطر الآفات التربوية.
الخلاصة: الورد “وسيلة” والامتثال للأوامر “غاية”. لا قيمة لغصن (الورد) إذا كان الأصل (الأوامر) مقطوعاً”.
أتممت حواري مع الذكاء الاصطناعي وشكرته على حسن تعاونه، ثم قلت لنفسي:
حتى وإن كانت خوارزمية البحث عند هذا الذكاء الاصطناعي هائلة، حتى وإن غاص في الكتب يمينا وشمالا ليعتصر منها زبدتها في برهة من الزمن ويجيبني عن أسئلتي، فلن يفهم أبدا ماهية الأوراد، ولن يعقل أبدا علاقتها بالجهاد، ولن يتنسّم روح الكلمات التي نثرها أمامي نثر الدقل.
سيعطيني معلومات انتقاها من هنا وهناك، لكن لن يعطيني النسمات والنفحات، ولن يستطيع – هو ومن صنعوه – أن يحدّثونا عن الأسرار الربّانية في الأوراد، عن كيمياء القلوب.
رحم الله الإمام المرشد فقد قال: “الكيمياء الإلهية، والدواء والعلاج التي بها يطهر القلب، وهو مصب الإيمان وملتقى شعبه ومصدر نوره، هو ذكر الله. قال الله تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. وإنما تحيا القلوب بذكر الله، والتفكر في آلائه، واستمطار رحمته، ومناجاته، والاعتذار إليه عن التقصير، واستغفاره للذنب، حتى يصبح هم المؤمن الله” 1.
الأوراد كما قال الإمام رحمه الله تعالى: “أوتادٌ راسية عليها يبني المؤمن خيمة الذكر في أرجاء وقته وعامة نشاطه وسُوَيْدَاءِ قلبه. الأوراد هي الطريق إلى الله عز وجل لا يستغني عنها مبتدئٌ ولا يزهد فيها واصل…”.
المطلوب من كلّ طالب لوجه الله تعالى أن يبني خيمة ذكره، ولا وجود لخيمة بلا أوتاد تثبتها. فإذا رست الأوتاد في أرض العبودية أمكن للخيمة الوقوف دون خوف أن تعصف بها الرياح، لكن لابد من عمود الوسط، وعمود الوسط الذي له دور استراتيجي في بناء الخيمة وبقائها واقفة هو الوقوف عند الأمر والنهي.
قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: “من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات، والتكاسل عن القيام بالواجبات”.
ولا معنى لوجود خيمة متقلّصة ممدودة على الثرى – وإن كان حجمها كبيرا – ولا فائدة ترجى من أوتاد لا خيمة لها. إنّما ينتفع النّاس بالخيمة لا بالأوتاد.
لذلك على العبد السالك إلى مولاه ألاّ يعتبر الأوراد عملية معزولة عن حركته الشاملة في الحياة. على العبد أن يعلم بأن الأوراد عملها تطهير المضغة التي عليها صلاح الجسد، فإذا ما صقل الذكر الكثير الثابت القلب وغسله بحركته التطهيرية اليومية أضحى قابلا لتلقّي الأنوار الربّانية والفتوحات الرحمانية، آنذاك ينفع عيال الله، وتصبح خيمته صالحة للإيواء والإطعام والتغذية والاحتضان.
وكما لا معنى للأوراد في غياب الوقوف مع أمر الله ونهيه، كذلك لا معنى لها في غياب حمل همّ الأمة ومدافعة الباطل وكسر شوكة الظالمين.
إنّما تكون الأوراد أوتادا، إذا كان السلوك للصحب الكرام رضوان الله عليهم امتدادا، لا تراجعا وارتدادا.
رحم الله الإمام المجدّد قال: “قد تجد وليا لله يجمعك على الله مع القعود. خير منه ولي لله يجمعك على الله مع الجهاد”. فخير الأوراد أيضا من يرفعك إلى ذرى الجهاد، لا التي تبقيك في حمأة طين القعود – وإن شعّت بعض أنوارها -.
الأوراد في مدرسة الإمام المجدّد رحمه الله تعالى هي زاد الطريق، هي الأوتاد الراسية لتثبيت القلب، وتربية السلوك، وتعميق الصحبة، وتحقيق مقام الإحسان. لا يستغني عنها مبتدئ ولا يزهد فيها واصل.
إنّها نظام حياة روحي يُنعش القلب ويُثبّت المؤمن في أرجاء وقته وسط معمعان العالم وفتنة الدنيا، هي الزاد الذي يبقيه ثابتا في عالم متحوّل متلوّن، شامخا حتى وإن هوى الجميع، متعلّقا بصاحب القوة والحول الحقيقي لا يخيفه بأس الأعداء ولا خسّة الخونة.
لله درّ رجال أثمرت أورادهم – مع الله ورسوله – مراقبة ومحبة وقربا وشهودا. وأنتجت -مع العدو- جهادا وثباتا وصمودا، ودرّت – مع المؤمنين- تحابّا ووصالا وعهودا.
وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه وحزبه.