سبع سنوات عجاف مضت، ولا يزال بيتي يرزحُ في أغلال “التشميع” الجائر، مختوما بالشمع الأحمر منذ أن صودر حقي فيه ذات يوم من فبراير 2019، بلا مسوغ يرتكز على عدل، ولا حجة تنصف الحق المغتصب.
البارحة عصرا، وقفتُ على قارعة الطريق، أرقب أطلال مستقري المنهوب، حيث وسم الشمع القاني رتاج سكنى ذكرياتي منذ سبع سنوات خلت بسبب انتمائي لجماعة تدعو إلى الله على بصيرة. وقفت في العراء، مكبلا بقيد المتابعة القضائية التي تلوح كالسيف المسلط، تمنعني من تخطي العتبة، وتمنعني لمس الحيطان التي لطالما احتوتني.
وبينما كنتُ أغالب دمعة عصية وأتأمل هذه الحالة البئيسة، شق سكون المكان نحيب خافت، وتنهيدة حرّى صعدت من جوف البيت المشمع. لم يكن حفيفَ ريح، بل كان نحيبا مكتوما، ونجوى تفوح بالمرارة.
فقال: “آهٍ من قسوة النفوس حين تَهجر، واأسفاه على الأفئدة التي جفَّ نبضها فاستحالت صخرا، رحلتْ وغادرتْ عتباتي دون التفاتة، وتركتني مصلوبا على قارعة النسيان؛ نهبا للريح، وغنيمةً باردةً للسلب، وحكايةً تذروها الأتربة في مجاهل الغياب.
يا صاحبي -تابَعَ في حزن- أهكذا أُتْرَكُ فريسة للضواري؟! لقد استباحوا حُرمتي، ومزَّقوا ستائري، ولم يبقوا على شيء. سرقوا الأثاث، واقتلعوا الجبص والنقش الذي كان يزهو على حيطاني. تركوني هيكلا تسكنه العواصف، أكتوي بـلظى الهجران والخيانة بعد أن نهبَ السُّرّاقُ كل ما في داخلي”.
وواصل الصوت يقطر لوعة: “استوطنتِ العناكبُ شقوقَ أركاني، واتخذتِ الحشراتُ من جنباتي التي كانت تعبق بالدفء، مثوىً لها، وأضحى صدري مأوًى للخفافيشِ التي غشى أجنحتها سوادُ ليلي.
تآكلت الأبواب الخشبية، وصارت النوافذ المحطمة تئن مع كل هبَّة نسيم عاصفة، تبث تظلما طال به المدى، وتراكمَ غبارُ الهجرِ في كل طيّة، وتوارت خطى الأحبة في عتمة الغياب”.
صمتت الدار قليلا، وكأنها تبتلع غُصّة، ثم تحول أنينها إلى عتاب مرّ: “لِمَ -يا صاحبي- أسلمتني للضياع ورحلتَ؟ كنتُ لك ملجأً وحصنا، فجعلتني في وجه العاصفة وحيدا… تركتني أذوي تحت وطأة الغبار والنسيان، أُواجِهُ صروفَ الدهرِ بلا حِصنٍ ولا مَعين”.
واصل المَسكن تذمُّرَه بحنين جارف: “أين رجع ضحكات الأبناء؟ أين وقع أقدامهم وهم يركضون في الحديقة، تتعالى أصواتهم البريئة في الممرات؟ لقد ذبلت أزهاري شوقا لخطوات سيدة البيت الفاضلة، لتلك الأنامل التي كانت تمسح عني غشاوة الأيام، وتعتني بشتلاتي حتى تزهو بالنسيم الرخيم. لكنك اخترت البِعاد، وخلَّفت وراءك ركاما من الذكريات يقتلها الصدى”.
فجأة، طارت حمائم كانت رابضة فوق سطح البيت، وبدأت تُحلّق حوله في صمت غير مهتمّة بالمارّة الذين رفعوا عيونهم إليها في استغراب.
توجّعَ البيت وأرسل تنهيدةً قادمة مِن مَدافئ أعماقه، مُسترجعا لحظات نورانية عاشها وذاقها: “آهٍ على تلك الأمسيات التي كانت تزخر بـالنور والهدى! أين تلك الوجوه المشرقة التي كانت تتوافد عليّ وتُزَيِّنُ جنباتي بـالوقار والتُّقى؟ أتحسر على ساعاتٍ كنتم تجتمعون فيها على ذكر الله، حيث ترتفع الحناجر الشجية بتلاوة القرآن، فينجلي قتام الهموم وترتقي المُهَجُ إلى المُنتهى وتشرق الطمأنينة، فتنساب في أركاني كـالسِّحر، وتتوهَّجُ أسواري بنور الذكر، وتَحُفُّني الملائكة بأجنحة البِشر. كنتم تتدارسون آيات الله، وتغوصون في معانيها طلبا لـلسُّمُوِّ والرّضى، فتسمو الأرواح في أجواء إيمانية عُليا، ويغدو مقامي كأنه قطعةٌ من الجنة تجلَّى فيها الصفاء والسَّنى”.
وتابع يخفّف عن نفسه: “ألا تذكر يا صاحبي تلك اللقاءات الأخوية؟ حين كنت أحضن طيفا واسعا من الفاعلين الغيورين على مدينتنا طنجة. كنت مَضافَةً لكل غيور، ومنتدًى لكل فكر حر. كانت حواراتهم وكلماتهم تنغرس في مسامي، وتمنحني فخرا يفوق كل صرح شاهق.
أما تذكر يومَ استضفنا الشباب؟ كانت ممراتي الضيقة تضيق بهم، لكنها تتسع لفيضِ أحلامٍ ليس لها ران، وطموحٍ جاوزَ كلَّ كِيان. كانوا يحملون في أرواحهم عبق الحرية، وفي صدورهم بركان ثورة لا يهدأ. أذكر وجوههم السمراء التي لوَّحَتْها شمس الوقفات في الشوارع والساحات، كيف كانت تُشرق هنا تحت نوري الخافت، وهم يحاولون أن ينسجوا خيوط فجر جديد. كانت جنباتي تضج بفُتُوَّتهم، وتنبض بأملهم في غد ينشدون فيه الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
انظر إليّ، لم يبق من تلك الضوضاء الجميلة إلا أثر يتردد في شبه خلاء، ونحيب يسكن هذه الزوايا التي شهدت على أسمى معاني التضحية”.
توقف البيت عن الكلام، وبقيت غُصَّة الـشَّجى تخنق ما تبقى من أنفاسه، بينما وقفت أشعر بـضنى الغربة وأنا أمام باب داري الموصد.
تسمرت في مكاني، وقد أخرس الدمع بياني، أحس بعبارات الدار تنغرس في صدري كمدى حادّة. غارت عيناي من أثر الوجع، أخذت نفسا عميقا، ووضعت يدي المرتعشة على الختم الأحمر، أحاول استرضاء حجر غاضب، ثم همست بصوت مخنوق تملؤه الحسرة:
“رفقا بي يا دار، فما كنتُ يوما جافيا ولا نسيا. أتظنين أني اخترت الفراق طوعا، أو بدّلت سقفك بغيره رغبة؟ والله ما فارقتكِ إلا ومُهجتي عالقة بين زواياكِ، وما سكنتُ بعدكِ مكانا إلا وأحسست فيه بالغربة والضيق. أنتِ لستِ مجرد حيطان وأسوار، بل مستودع العمر، ومحضن الأيام الخوالي، ومسجد الأرواح”.
أطرقت برأسي قليلا إلى أن مرّت كوكبةٌ من الأطفال يتقافزون ويصرخون ويضربون بالكرة الحيطان، ثم تابعت: “عتبكِ على تلك الأمسيات الإيمانية يمزق ما تبقى من كياني. وهل نسيتُ أنا ترتيل القرآن في محرابكِ؟ وهل فارق خيالي وجوه الأصحاب وهم يفيضون طهرا وتواضعا؟! لقد كان نور ذِكْرِهم لروحي سلوى، وكان فؤادي بتسبيحهم يُروى. لكنهم، عُشّي، أرادوا إخماد ذلك النور بالشمع والحديد، وظنوا أنهم بسجنكِ يسجنون إيماننا، وبحرماننا منك يكسرون إرادتنا. لم يكن رحيلنا عنك خيانة، بل كان ضريبة لقول الحق في زمن الصموت”.
ثمّ ختمتُ وقفتي بلمسة حانية على الباب، قائلا: “اصبري يا داري الصامدة، فإن الليل وإن طال فلا بد من بزوغ فجر جديد. غداً تنكسر هذه الأقفال، وتعود الأصوات الشجية لتملأ أركانكِ بالذكر، وتعود ضحكات الأطفال لتطرد هذا الصمت الموحش. لستِ وحيدة، فأنا هنا، أرابط عند عتبتكِ، أترقب اليوم الذي أشرع فيه بابكِ بيدي، وأقبل ترابكِ، وأقول لكِ: قد رجعنا، وما ضاع حق وراءه طالب”.
وبينما كنت سابحا في بستان الـماضي، أمسح بقلبي على جدران بيتي المستباح، انقطع حبل الـنجوى فجأة بوقع أقدام ثقيلة تقترب. كان أحد رجال السلطة يراقب المشهد من بعيد، بعينين ترصدان كل حركة مريبة حول ذلك الـمبنى الموشم بالشمع الأحمر.
دنا مني بخطوات واثقة، وعلامات الصرامة ترتسم على وجهه، ثم سألني بنبرة جافة قطعت سكون الـفضاء: “ماذا تريد؟ وماذا تفعل هنا أمام هذا المنزل؟”.
رمقت الحارس بنظرة ملؤها العزّة والشمم، وقلت بصوت هادئ ثابت: “أنا صاحب هذا البيت”.
تغيرت ملامح الرّجل قليلا، وارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة مزجت بين الشفقة واللامبالاة، ووضع يده على كتفي ببرود، ثم نطق بكلمتين كانتا كوقع الصاعقة على خافق أضناه الـجوى: “مسكين…”، ثم أضاف: “بدّل هاد الساعة بأخرى”.
كانت العبارتان تعنيان في ظاهرهما النصح، وفي باطنهما الطرد المرّ؛ “ارحل من هنا، فلا مكان لك في ذكرياتك، ولا حق لك في أن تتوجع فوق هذا الـثرى”. تراجعت بخطى ثقيلة، وشعرت بغربة قاسية في زقاق كان يوما يضج بـالمُنى. انصرفتُ وعيناي ترقبان الصبح الذي بدا لي قريبا، تاركا خلفي جسدي وساحبا معي عزيمة تأبى الانكسار، وأنا أردد: ربي إني مغلوب فانتصر. سبع سنوات عجاف، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ.