حماس تشارك في الانتخابات… لماذا لا تشارك العدل والإحسان؟

Cover Image for حماس تشارك في الانتخابات… لماذا لا تشارك العدل والإحسان؟
نشر بتاريخ

يطرح بعض المتابعين فكرة تبدو للوهلة الأولى متماسكة ومنطقية: «إذا كانت حركة حماس قد شاركت، أو تعتزم المشاركة، في انتخابات تجري تحت سلطة الاحتلال، فلماذا تقاطع قوى معارضة مغربية مثل العدل والإحسان الانتخابات بدعوى غياب الشروط أو نقص الصلاحيات؟»

هذه الفكرة لا تقتصر على مغالطة منطقية، بل تحمل في طياتها محاولة لتوظيف التعاطف الشعبي العميق مع المقاومة الفلسطينية لفرض موقف داخلي معين. وهنا تكمن خطورة القياس، وضرورة تفكيكه بهدوء ودقة. استنادا إلى كتاب «المغالطات المنطقية» للدكتور عادل مصطفى، يمكن تحديد المغالطات الدقيقة التي تستند إليها وتفكيكها كالتالي:

أولا: مغالطة القياس الفاسد / القياس مع الفارق (False Analogy)

المغالطة الأساسية هي القياس مع الفارق. تقوم على افتراض تشابه جوهري بين واقعين مختلفين لمجرد وجود سطح مشترك ظاهري (عمل سياسي أو إطار إسلامي أو مواجهة سلطة)، ثم نقل الحكم من أحدهما إلى الآخر متجاهلا الفوارق الحقيقية في البنيات والظروف والتحديات.

قرار حماس بالمشاركة أو عدمها محكوم بواقع احتلال عسكري مباشر، وحصار خانق، وحرب وجودية في قطاع غزة. حساباتها ميدانية وسياسية وعسكرية تتعلق بإدارة مجتمع تحت الضغط، والحفاظ على القدرة على المقاومة، والتوازنات الداخلية والخارجية المعقدة. أما قرار المقاطعة في المغرب فيقوم على تقييم مختلف تماما: مدى نزاهة العملية الانتخابية، حجم الصلاحيات الفعلية الممنوحة للمؤسسات المنتخبة، وطبيعة النظام الدستوري الذي يحتفظ بمراكز نفوذ سيادية خارج دائرة التغيير الانتخابي المباشر. اختلاف الموضوع والبيئة يفسد القياس من أساسه. لا يمكن إسقاط حسابات غزة على الرباط، ولا العكس. كل ساحة لها ظروفها واجتهاداتها التي تخصها.

ثانيا: مغالطة «السؤال المحمَّل» (Loaded Question)

تنطوي الفكرة المطروحة على مغالطة «السؤال المحمَّل». وهي مغالطة تقوم على صياغة سؤال يفترض مسبقا صحة مقدمة مثيرة للجدل، ويدفع المجيب إلى الإجابة ضمن إطار ضيق لا يترك له خيارا حقيقيا، فيبدو إما موافقا أو متناقضا. في هذه الحالة، يُطرح السؤال وكأن المعارض المغربي ملزم بتبنّي كل تقدير سياسي يصدر عن أي فصيل من فصائل المقاومة، وإلا اعتُبر مفرّطا في دعم فلسطين. بهذا الشكل يُخلط بين موقف مبدئي ثابت وبين اجتهاد سياسي محلي.

الحقيقة أن دعم فلسطين قيمة لا تقبل المزايدة، أما تقييم المشاركة أو المقاطعة في الانتخابات المغربية فهو شأن وطني يخضع لمعايير داخلية. تحويل التعاطف الشعبي مع المقاومة إلى ورقة ضغط في سجال محلي يُضيّق هامش الاختلاف المشروع ويُضعف مصداقية النقاش.

المقارنة التاريخية تفضح الفرق

بعد بيان المغالطتين السابقتين، يبقى السؤال: هل يكفي التفكيك النظري وحده؟ الجواب أن أقوى ما يكشف فساد القياس هو العودة إلى الوقائع التاريخية نفسها. فالمقارنة بين تجربتين انتخابيتين مختلفتين جذريا في طبيعتهما ومخرجاتهما تُظهر بوضوح لماذا لا يصح الربط بين مشاركة حماس وقرار المقاطعة في المغرب.

في الانتخابات التشريعية الفلسطينية سنة 2006، فازت قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحماس بأغلبية برلمانية واضحة أفرزت إرادة شعبية حقيقية وليست مجرد تداول شكلي على الواجهات السياسية. كُلف الشهيد إسماعيل هنية برئاسة الوزراء، وتولى الشهيد سعيد صيام وزارة الداخلية والأمن الوطني، وتولى نايف الرجوب القيادي البارز في حركة حماس وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، في مشهد أزعج منظومة النفوذ التقليدية.

هذه الشرعية الفعلية اصطدمت فورا برفض قاطع من الاحتلال والمجتمع الدولي ومراكز النفوذ داخل السلطة، ففُرض حصار مالي وسياسي خانق لإسقاط التجربة. وحين واجهت الحكومة ازدواجية أمنية حادة ومحاولات لتعطيل قرارها من الأجهزة المهيمنة، بادرالشهيد سعيد صيام إلى تأسيس «القوة التنفيذية». باختصار: فازت حماس بسلطة حقيقية، فانقلب عليها النظام القائم لأنها كانت تهديدا حقيقيا لهندسة النفوذ.

أما انتخابات 2011 المغربية فقد جرت في سياق دستوري واحتواء سياسي أعقب حراك 20 فبراير. شاركت أحزاب مثل العدالة والتنمية ضمن قواعد لعبة واضحة: مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات تدبيرية محدودة، في مقابل مراكز نفوذ سيادية تظل خارج دائرة التغيير الانتخابي المباشر.

وبخلاف تجربة 2006 الفلسطينية، لم تُواجَه نتائج انتخابات 2011 بمقاطعة دولية أو حصار خانق، لأنها لم تهدد جوهر التوازنات القائمة، بل كانت حركة ضمن الهوامش المسموح بها.

وقد تجسدت محدودية هذه الصلاحيات بشكل صارخ في محطات عديدة؛ ففي سبتمبر 2012، وفي قلب التجربة الحكومية، أقدمت السلطات المحلية بمدينة طنجة على منع تجمع حزبي ختامي لملتقى شبيبة العدالة والتنمية كان من المقرر أن يحضره رئيس الحكومة نفسه، بذريعة «دواعٍ أمنية»، في إشارة واضحة إلى أن مفاصل القرار الأمني والترابي تقع خارج سلطة المؤسسة المنتخبة.

 وتوج هذا المسار لاحقا بتوقيع سعد الدين العثماني على اتفاقيات التطبيع، وهو قرار سيادي استراتيجي ناقض الأدبيات التاريخية للحزب وتجاوز صلاحيات الحكومة ليؤكد أن المشاركة تمت في ظل بنية حكم لا تملك قرارها السيادي.

وعليه، فإن من يستحضر تجربة «حماس» ليُلزم الآخرين بالمشاركة أو ليُدين المقاطعة، يرتكب مغالطة تاريخية؛ إذ يتجاهل الفرق الجوهري بين حركة خاضت انتخابات فأفرزت سلطة حقيقية عوقبت بالحصار والانقلاب الأمني، وبين تجربة مغربية ظلت رهينة هندسة دقيقة تُقصي الفائز من ممارسة السلطة الفعلية، وتُبقيه في دائرة التدبير المقيّد.

خلاصة

الفكرة التي تربط بين مشاركة حماس وقرار المقاطعة في المغرب ترتكز على قياس مع الفارق، وتوظف التعاطف مع المقاومة الفلسطينية في سجال سياسي محلي. كل سياق له حساباته، وكل قرار يُقيَّم بظروفه. التعاطف الثابت مع فلسطين والمقاومة لا يلزم أحدا بنسخ تكتيكاتها أو بتبرير كل خطوة أو إدانتها.

حماس تحتاج من يسندها في حرب وجودية، لا من يقحمها في سجالاته الداخلية في غير سياقها.