حقوق رسول الله ﷺ على العباد

Cover Image for حقوق رسول الله ﷺ على العباد
نشر بتاريخ

قال الله عز وجل: لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦوَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (آل عمران، 164).

رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنة العظمى، هو خير خلق الله، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، هو الرحمة المهداة؛ أضاء الكون ببعثته، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، أرشدهم إلى طريق التقوى، طريق النجاة في الدنيا وفي الآخرة، فكان خلاص من اتبع هداه من الجور ومن ظلمة الكفر، وكان إكرام الله لهم بنور الهداية والإيمان.

نستحضر كلمة سيدنا ربعي بن عامر حين أرسله سيدنا سعد بن وقاص إلى رستم لمفاوضته حيث قال: “نحن قوم أخرجنا الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة”.

فكيف نشكر الله عز وجل على هذه النعمة المهداة؟ وكيف نفي لخير خلق الله ببعض حقوقه صلى الله عليه وسلم إن لم نقل بكلها؟ وكيف نفوز بمحبته وبالتأسي به في الدنيا، وبشفاعته في الآخرة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي” (1).

إذ لا فاصل بين حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أهل بيته وإن تنوعت النعمة. وأعظم نعم الله علينا الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم (2).

فحب العبد ربه، وحب الرب عبده، هو قطب رحى الدين، وكلما كان العبد أشد إيمانا، كان أشد حبا لله مصداقا لقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه (البقرة، 164).

يقول ابن القيم رحمه الله: ولهذا كانت المحبة أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مداره، وإذا صحت، صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله ولا حول ولا قوة إلا بالله (3).

فحب الله الخالق المنعم مغروز في الفطر الكريمة المعدن، تطمره الطوامر وتبرزه من مكانه صحبة من ينهضك حاله ويدلك على الله مقاله.

والمومنون في حبهم لله مراتب: فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من النعم والمنن، والخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا (4).

وحب الله – ذلك الحب الخاص – هو مطلب كل متقرب لله، محب لله، مطيع لله، فائز بالله.

يذكرنا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله فيقول: ”أما بعد، فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصهم بنعمته، وفضلهم على سائر خلقه” (5).

ويقول رحمه الله: ”محبة الله عز وجل الصادقة ببراهينها، الموفية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نزلا مباركا، جنة في الدنيا معجلة لأحباب الله” (6).

ينبغي أحبتي أن ندرك مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (المائدة، 56).

فمن يوصلنا إلى محبة الله عز وجل؟ إنه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، نستشف هذا من قول الله عز وجل: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران، 31).

ففضله علينا كبير، وهذا الفضل يقتضي منا معرفة حقوقه صلى الله عليه وسلم، التي هي محبته وطاعته واتباعه والتأسي به.

1- محبته

قال صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي” (رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما).

فمحبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، وذلك مصداقا لقول الله عز وجل: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة، 24).

لقد فسّقهم الله بتمام الآية، وأخبرهم بأنهم ممن ضل ولم يهده الله عز وجل.

روى الإمام البخاري رضي الله عنه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده”.

2- طاعته

قال الله عز وجل: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (آل عمران، 32).

وقال سبحانه: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (النساء، 80).

ونتيجة الطاعة تأتي بالفوز العظيم يوم القيامة مصداقا لقول الله تعالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا (النساء، 68).

ومحبته وطاعته تقتضي منا اتباعه، والتأسي به، واقتفاء أثره..

3- اتباعه والتأسي به

ينبغي اتباع سنته صلى الله عليه وسلم في عظائم الأمور ودقائقها؛ في خلقه، وفي بيته، وفي معاملته، وفي جهاده.. فاتباع العباد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى محبة الله عز وجل لهم، ومغفرة ذنوبهم مصداقا لقول الله عز وجل: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران، 31).

وللتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة شروط انطلاقا من الآية الكريمة: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب، 21).

– يرجو الله:  أن يفوز المؤمن بالله ويكون من المقربين، من الناظرين إلى وجه الله تعالى.

– واليوم الآخر: رجاء هو مطلب كل مؤمن يتطلع إلى وجه الله، وإلى ما عنده سبحانه، ويفرح للوفادة على الله الجواد الكريم متمثلا قول الله عز وجل: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ  وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُ ۥفِى ٱلاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (الشورى، 20).

– وذكر الله كثيرا: الذكر هو زاد السائر إلى الله، ويؤهل للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. وبذكر الله تحيى القلوب من موت غفلتها وتطمئن لقول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد، 28).

إن ذكر الله من أفضل القربات، يتقرب به العبد المومن إلى ربه. وهو من أيسر العبادات وأقلها عناء، وهذا من رحمة الله عز وجل على عباده. والذكر ليس المقصود به الذكر القولي فحسب، بل إن التوبة ذكر، والتفكر من أعلى أنواع الذكر، وطلب العلم ذكر، وطلب الرزق إذا أحسنت فيه النية ذكر، وكل أمر كانت فيه مراقبة الله ذكر، ولهذا كان العارف ذاكرا على كل أحواله..

إن الأزمة التي يعيشها المسلمون هي أزمة أخلاقية، ولن يفلحوا في إعادة الحياة الإسلامية على منهاج النبوة إلا بالتعامل بمكارم الأخلاق، ومعرفة حقوقه صلى الله عليه وسلم. وهذا ما أوضحه الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله حيث قال: “فالسنة الشريفة وحدها كفيلة أن توحد سلوكنا، وتجمعنا على نموذج واحد في الحركات والسكنات، في العبادات والأخلاق، في السمت وعلو الهمة. فإنه لا وصول إلى الله عز وجل إلا على طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا سبيل إلى جنة الله ورضوانه ومعرفته إلا باتباعه ظاهرا وباطنا. فذلك كله برهان عن صدقنا في اتباعه، إذ فاتتنا صحبته” (7).


(1) رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

(2) عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 1، ص 177.

(3) نفسه، ص 415.

(4) نفسه، ص 172.

(5) نفسه، 147.

(6) نفسه، ص 175.

(7) عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص 139.