توطئة
يعدّ كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” من أبرز مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في مجال الحوار والعمل المشترك، إذ قدّم من خلاله رؤية نقدية بنّاءة تسعى إلى بناء جسر تفاهم بين المشروع الإسلامي والمقاربات الديمقراطية الحديثة. وقد تضمّن الكتاب سبعة محاور رئيسية إضافة إلى مقدمة جامعة، جاءت عناوينها على النحو الآتي: الإسلاميون والصراع السياسي، أرضية للحوار، الديمقراطية والشورى، تعبئة وتغيير، تعليم يحرّرنا، تنمية تفكّ رقابنا، وحقوق الإنسان.
ويأتي الفصل السابع المعنون بـ”حقوق الإنسان” في سياق نقدي مركز يخص قضية حقوق الإنسان التي تشكّل اليوم محكّا حضاريا وأخلاقيا بين الأمم والثقافات؛ حيث تناول فيه الأستاذ ياسين مفهوم حقوق الإنسان مستحضرا جذوره الإسلامية، وفي الوقت ذاته مقدما رؤية أصيلة تنقذ الخطاب الحقوقي من التوظيف السياسي.
فَما موقف الإمام عبد السلام ياسين من تعامل الغرب مع حقوق الإنسان؟ وما هي معالم البديل الإسلامي الذي يقترحه؟ وَكَيْفَ تتجلى ازدواجية معايير الغرب في التعامل مع هذه القضية في الْحَرْبِ عَلَى غَزَّةَ؟
انطلاقا من هذه الأسئلة المركزية، التي تضع خطاب حقوق الإنسان في موضع مساءلة أمام ما يجري في غزة اليوم، تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عنها من خلال ثلاثة محاور أساسية: الأول يتناول «نقد الخطاب الغربي لحقوق الإنسان» كما بسطه الأستاذ ياسين؛ ويؤسس المحور الثاني للبديل الإسلامي في مجال حقوق الإنسان، بوصفه تصورا قيميا وأخلاقيا متكاملا؛ فيما يقف المحور الثالث عند غزة باعتبارها المرآة الكاشفة لاختلال موازين الخطاب الغربي.
1. نقد الخطاب الغربي لحقوق الإنسان
خصص الأستاذ عبد السلام ياسين حيزًا مهمًا من مؤلفاته لنقد الخطاب الحقوقي الغربي، مقدّمًا أمريكا والغرب بصورة مركّبة من التناقضات التي استغلت شعار حقوق الإنسان لتبرير الغزو والسيطرة السياسية والهيمنة الاقتصادية؛ “… لا تسمع لما يقولون، بل انظر إلى ما يفعلون. يهيئون للمستقبل قانونا دوليا يقضي بحق القوى الكبرى في التدخل في بلاد الآخرين لتقويم المعوج، وإصلاح الفاسد، وإنصاف المظلوم، وإنقاذ المضطهد” 1.
ويرى المؤلف أن هذا الخطاب، الذي يرفع راية الدفاع عن الكرامة الإنسانية، يخفي وراءه تاريخًا مثقلًا بالدموية والاستعباد والإبادة، مما يجعل العدالة التي يطالب بها الغرب عدالة سطحية وانتقائية، تهم الإنسان الذي يحدد هو معاييره، وتتجاهل الإنسان الآخر.
ويشير الأستاذ ياسين إلى أن المنظومة الحقوقية العالمية تشكّلت في ظل ميزان قوة مائل، فرضته ظروف نشأة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عقب الحرب العالمية الثانية؛ “عُقَيْبَ الحرب العالمية الثانية التي خلَّفت في جسم الإنسان جروحا أشد فظاعة مما خلفته الأولى أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948 بتاريخ النصارى عن دستور لحقوق الإنسان ضمنته الآمال التي كانت تراود قادة العالم إثر خروجهم من كابوس مدمر ما عرفت الإنسانية قريبا منه. بعد سقوط الملايين من الضحايا، وبعد إلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان، أعلنت الجمعية العامة التي كان ولا يزال يقودها الخمسة الكبار الذين انتصروا على النازية أمل الكبار، يُملونه على العالم” 2. فالوثيقة – كما يؤكد – لم تكن ثمرة وعي إنساني شامل، ولا نتيجة توافق أخلاقي وحقوقي عالمي، بل كانت نتاج هيمنة المنتصرين في الحرب على المنهزمين. إذ تمت صياغتها وفق رؤية الدول المنتصرة بما يضمن مصالحها ونفوذها، ثم فُرضت على بقية العالم باعتبارها “كونية” رغم ما حملته من اختلالات بنيوية عميقة. وهكذا انقسمت الإنسانية إلى طبقتين: إنسان مهيمن يمتلك سلطة وضع القوانين وصياغة المعايير، وإنسان مُهيمَن عليه تُفرض عليه تلك المعايير دون أن يكون له صوت في تشكيلها …” التطبيق العالمي الفعلي، والإجراءات التدريجية، وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين مختلفتين لإنسانيتين غير متساويتين: إنسانية مسيطرة، وأخرى مسيطر عليها” 3.
هذا التمييز – كما يصوّره الأستاذ ياسين – ليس انحرافًا عابرًا، بل هو نتاج خلل عميق في البنية الفكرية الغربية التي حمّلت مفهوم الإنسان إرثًا فلسفيًا يصوّره ناقصًا في تعريفه، مبتورًا في قيمه، ومعزولًا عن ربه، “ولنعرف من الجذور النفسية والفكرية الثقافية للإنسان الغربي المتأله في الأرض ماهية هذا الإنسان، وبواعثه، وخلفية جبروته” 4.
ولذلك لا يمكن الحديث عن حقوق الإنسان دون مساءلة مفهوم الإنسان نفسه: أي إنسان تقصده الحداثة الغربية حين تتحدث عن كرامته وحريته؟ إذ إن الخلل الذي يعتري هذه القضية ليس خللًا مؤسساتيًا صرفًا، بل خللٌ في الرؤية إلى الإنسان والعالم، الأمر الذي يدفع المؤلف إلى طرح معالم بديل إسلامي يعيد للإنسان تعريفه وكرامته الأصلية.
2. البديل الإسلامي
يرى الأستاذ عبد السلام ياسين أن أي مشروع حقوقي إسلامي أصيل لا يمكن أن يقوم دون إعادة الاعتبار لأول حق يضمن للإنسان إنسانيته، وهو حقه في معرفة ربه؛ فالكرامة في التصور الإسلامي لا تنفصل عن أصلها الروحي الذي يجعل الإنسان مخلوقًا مكلَّفًا، مرتبطًا بخالقه ارتباط حرية ومسؤولية؛ …” حق الإنسان الأعظم، وهو حقه أن يعرف خالقه ومآله بعد الموت، تولى عنه الفكر الحديث السائد، وألغته السياسة الحديثة، وتبنى الفكر والسياسةَ الأتباعُ المغربون” 5. ويؤكد المؤلف أن الغرب الحديث، الذي صاغ منظومته الحقوقية بعد صراع دموي طويل بين الكنيسة المتسلطة والعقل الفلسفي التنويري، قد ورث حضارة تقوم في عمقها على الثورة على الدين الكنسي لا على الدين في حقيقته. لذلك أصبحت اللائكية – التي تُعدّ من أهم منتجات ذلك الصراع – مفهوماً لا يمكن استيراده كما هو دون فهم جذوره التاريخية؛ فهي ليست موقفًا مطلقا يمكن إسقاطه على أي دين، بل ردّة فعل على مأساة الكنيسة في التجربة الأوروبية …” لاييكية واحدة اتخذت شكلين، بل أشكالا عدة. درجات هي في العداء للدين، لا تميز دينا من دين. وتسحب ذنوب الكنيسة التي سخر منها فلتير وعابها ماركس وخنقها لينين على كل ما تَسمَّى دينا…” 6، وهو سياق مغاير تمامًا للسياق الإسلامي الذي لم يعرف هيمنة على أساس القوة ولا اضطهادًا للأقليات، بل صاغ نموذجًا يضمن الحقوق دون حاجة إلى صراع بين “الدين” و”الحرية”؛ … “ديننا يضمن حقوق الأقليات النصرانية وغير النصرانية في بلاد المسلمين، لا قوة الكنيسة أو ضعفها” 7.
ويشير الأستاذ ياسين إلى أن بناء مشروع حضاري إسلامي جديد يقتضي قبل ذلك فهم جذور الاستبداد في تاريخ الأمة نفسها، إذ إن الانكسار التاريخي الذي وقع بعد الخلافة الراشدة، حين تحوّل الحكم من شورى إلى ملك وراثي، هو أصل ما تراكم من استبداد سياسي عطّل فاعلية الأمة وشوّه قدرتها على حمل رسالتها؛ “السؤال الذكي الوحيد الذي من حق العاقل أن يطرحه، ومن واجب الإسلاميين أن يواجهوه بصدق وثقة هو: … كيف نقضت عروة الشورى؟ وأية مصيبة على المسلمين كان هذا النقض؟ كيف استمر الزخم الإسلامي، وازدهرت الحضارة الإسلامية رغم انتقاض عروة الشورى؟ رغم…” 8 لذلك، فإن استعادة الأمة لوظيفتها الرسالية يمرّ عبر إعادة وصلها بمرجعيتها النبوية في مواجهة هذا الإرث، وإحياء نموذج العدل والشورى والإحسان الذي يجعل الإنسان فاعلا لا متفاعلا.
ويشدّد المؤلف على أن أحد أهم أسباب قوة الغرب اليوم هو امتلاكه مفاتيح المعرفة والسلطة العلمية التي تعد مظهرًا من مظاهر سنن الله في الكون، “والمنادون بحقوق الإنسان قوم معهم حجة القوة، وحجة العلوم، وحجة الطبيعة التي طوعوها في زعمهم وهي مسخرة لكل من آمن بأسباب وضعها الله في الكون، عصية على من كفر بها وعصى قوانينها” 9. فالعلم في أصله طريق إلى معرفة الخالق واكتشاف قوانينه، لكن الحضارة الغربية جعلته بديلًا عن الدين، بينما هو في التصور الإسلامي ضامن للحقوق وطريق لترسيخ الإيمان، وشاهد على وحدة الحقيقة بين الوحي والعلم. ومن ثم فإن البديل الإسلامي الذي يقترحه المؤلف ليس مجرد استعادة لحقوق ضائعة، بل إحياء حضاري شامل يعيد وصل الإنسان بربه، ويصحح مسار الحضارة بالجمع بين نور الوحي وقوة العلم، في تحرير الإنسان من الاستبدادين معًا: استبداد الدولة، واستبداد التصور المادي للإنسان.
3. غزة: المرآة الكاشفة
تأتي غزة في هذا السياق كمرآة حية تكشف التناقضات الجوهرية في الخطاب الحقوقي الغربي الذي تمَّ تحليله في المحور الأول، فالحقوق التي يرفع الغرب شعاراتها تتبدّد أمام معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، حيث تُمارس الانتهاكات الحقوقية يوميا في حق شعب أعزل تحت أعين العالم، بينما تُستعمل لغة حقوق الإنسان لتبرير سياسات تحالفية واستراتيجية عند الكيان الصهيوني وحلفائه.
ما يحدث في غزة يضع على المحك الفكرة الغربية عن كونية الحقوق، ويعطي فرصة لفهم قيمة البديل الإسلامي الذي عرضناه في المحور الثاني، إذ إن الإسلام يؤسس الحقوق على أسس قيمية وروحية ثابتة، لا تتغير بتغير ميزان القوة أو المصالح السياسية. فالإنسان في الرؤية الإسلامية مكرّم بطبيعته، وحقوقه محصنة، سواء كان جزءًا من أغلبية أو أقلية، وهو ما يُظهر الفرق الجوهري بين التمثيل الغربي الانتقائي للحقوق، وتجسيدها الإسلامي الحقيقي.
ويؤكد الإمام رحمه الله أن أزمة الحقوق في العالم الإسلامي ليست فقط نتيجة طغيان الحكام وضعف المحكومين، بل أيضا نتيجة خضوع الأنظمة للضغط الخارجي المنافق الذي لا يطالب بالحقوق إلا وفق مصالحه. وهذه الصورة تتجلى اليوم بوضوح في غزة، حيث تقف الأنظمة عاجزة ومكبلة، بينما يمنح الغرب – الذي يدعي الدفاع عن الحقوق – غطاء كاملا للاحتلال، فلا يقوم للحديث عن حقوق الفلسطينيين إلا عندما ينسجم ذلك الحديث مع مصالحه، تماما كما وصف الإمام ازدواجية هذا الضغط.
هذا، ويكشف الإمام رحمه الله عن التناقض بين النيات المعلنة في إعلان الأمم المتحدة لعام 194 والتطبيقات العملية على أرض الواقع. ففي غزة، يعيش الناس تحت حصار مستمر وانتهاكات يومية لحقوقهم الأساسية، في تناقض صارخ مع المبادئ المعلنة عالميا. فالحقوق التي يفترض أن تكون عامة وشاملة تتحول في غزة إلى مجرد شعارات بلا تطبيق، مما يبرهن على أن تطبيق هذه الحقوق مرتبط بالموازنات السياسية والاستعمارية أكثر منه بالقيم الإنسانية.
ونشير إلى أن قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن لم تحم حقوق الإنسان في غزة، بل ساهمت في إبقاء سكانها تحت حصار وانتهاكات مستمرة. دراسة خلفيات واضعي هذه القوانين ونياتهم الفكرية والسياسية تساعد على فهم سبب استمرار الظلم في غزة، وتوضح أن الحديث عن حقوق الإنسان غالبا ما يكون مقيدا بما يخدم مصالح القوى الكبرى، لا بما يضمن العدالة والكرامة الحقيقية لأهل غزة.
إن الحضارة الغربية القائمة على الإعلانات الكبرى لحقوق الإنسان غالبا ما تخفي خلفها مصالح سياسية وتحالفات دينية وفكرية، تجعل من تطبيق الحقوق الإنسانية أمرا محدودا أو شكليا. فالتحالف اليهودي-النصراني، والامتداد العقائدي لبعض المذاهب المسيحية في أمريكا، يعزز موقفا معاديا للإسلام ويكرس نفوذا للكيان الإسرائيلي، بينما المنظمات غير الرسمية التي تدافع عن حقوق الإنسان تبقى عاجزة عن تغيير مسار التاريخ. وفي هذا السياق، يتضح دور الدعم الأمريكي لإسرائيل كعنصر مركزي في استمرار الحصار والانتهاكات بحق أهل غزة.
ولا يفوتنا التذكير بجذور الفكر الحديث الذي أسس لإعلان حقوق الإنسان، والمتمثل في فلسفة التنوير وحركات التحديث الأوروبية، التي نشأت من عداء للدين وإنكار للحق السامي للإنسان بمعناه الكامل، أي الحق في معرفة خالقه ومصيره بعد الموت. هذه الجذور الثقافية والفكرية، رغم أنها أنتجت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم تترجم في الواقع إلى عدالة فعلية لجميع البشر، بل خضعت لموازين القوة والتحالفات السياسية والدينية، مما جعل تطبيقها في أماكن مثل غزة محدودا أو مستحيلا عمليا.
خاتمة
وفي الختام، يبين الأستاذ عبد السلام ياسين أن الخطاب الحقوقي الغربي، رغم شعاراته الكونية، يعاني من ازدواجية وتناقضات، كما تظهر مأساة غزة بوضوح. وفي المقابل، يقترح الإمام بديلا إسلاميا للحقوق يقوم على الكرامة الإنسانية المستمدة من معرفة الله، مع مراعاة التاريخ وتجارب الأمة في مواجهة الاستبداد.
أزمة غزة ليست امتحانا لأهلها وحدهم، بل امتحان لصدق الخطاب العالمي لحقوق الإنسان؛ الذي ظهر زيفه، ليثبت لنا أن العدل لا يقوم إلا على خوف الله ومروءة الإنسان المؤمن، لا على شعارات تكتب وتخالف في أول اختبار.
وبذلك تتحول غزة من مجرد موقع جغرافي إلى مرآة كاشفة للواقع الحقوقي العالمي، وملمح عملي يوضح لماذا يرى الأستاذ ياسين ضرورة تأسيس مشروع حقوقي حضاري إسلامي، قائم على معرفة الإنسان بخالقه ليكون معيارا ثابتا لحقوق الناس، كل الناس.