حرية المرأة في الفكر المنهاجي

Cover Image for حرية المرأة في الفكر المنهاجي
نشر بتاريخ
مومنات نت
مومنات نت

بقلم: وفاء توفيق

لا يجادل اثنان في اعتبار الحرية مطلبا إنسانيا شرعيا كونيا، وقيمة خلقية كوكبية متممة لآدمية الإنسان… بسلبها منه تضطرب الحياة وتنحرف، وتنذر بهلاك الأمم وبوارها.

ولمركزية قيمة الحرية في حياة الإنسان، صار الكل يتغنى بطلب تمتيع الإنسان بل كل المخلوقات بها، ولعل من أهم الشعارات التي تتوافق عليها كل أطياف التوجهات البشرية والمرفوعة دوليا في زماننا الحالي “حرية المرأة”. كلمة حق قد يراد بها حقا كما قد يراد بها مهلكة وبوارا.

يعلم المسلمون أن الله تعالى أكرم المرأة بكامل حقوقها ومنها حق الحرية في أبرز تجلياتها بنقلها من عرف الوأد وواقع اللاشيئية.. إلى إنسان كامل الإنسانية والكرامة مثلها مثل أخيها الرجل… ولكن ما بال أصوات تعلو هنا وهناك في عالمنا الإسلامي تدعو إلى تمكين المرأة من حريتها المسلوبة؟

فهل المرأة المسلمة حقا مسلوبة الحرية؟

ويتغنى الحداثيون اللائيكيون بفوز المرأة في ملتهم وفي فلسفتهم بأكبر حظ من الحقوق على مر تاريخها، وعلى رأس تلك الحقوق حق الحرية…

فهل حقا تتنعم المرأة بكامل الحرية في الإيديولوجية الحداثية اللائيكية الإباحية؟

في هذه المداخلة، سنقارب الحديث حول السؤالين المحوريين السابقين من خلال الاطلاع على المفهوم التجديدي لقيمة حرية المرأة عند الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، وذلك وفق التصميم الموالي:

مدخل

نقصد بالحرية معناها العام الشامل الذي يعني رفع كل أنواع القيود والمعيقات التي تكبل إرادة الإنسان، بل تشلها، وتحرمه من تفعيل كل أنواع طاقاته الروحية (الإيمانية) والفكرية والجسمية و… وتمنعه من حسن استثمارها فيما يعود على الفرد نفسه وعلى مجتمعه وعلى الإنسانية بالخير والنفع.

إن رسالة الله تعالى الخاتمة إلى الإنسان هي مشروع نظري عملي متكامل لتحرير الإنسان من كل أنواع العبوديات لغير الله تعالى والتي قد توقعه في أخطبوطها… ولعل هذا ما فهمه الرعيل الأول؛ فهذا الصحابي الجليل سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه يلخص لرستم قائد الفرس رسالة الإسلام إلى الناس وجوهر مقاصد دعوة المسلمين الناس إلى الإسلام بقوله: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام…”، كل تلك المهمات الجليلات التي اعتبرها سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه مقاصد أساسية من مقاصد نزول الإسلام ووجوب انتشاره بين العالمين، تمثل صورة حية من صور إحقاق حرية الإنسان المتعددة المظاهر…

فما حظ تمتع المرأة بهذه القيمة الكونية عبر تاريخها؟ ذاك ما سنعرج عليه من خلال المحور الآتي.

المحور الأول: وضعية المرأة عبر التاريخ البشري

كانت المرأة وما زالت مستضعفة المستضعفين ومظلومة المظلومين عبر تاريخ البشرية اللهم إلا من بعض الاستثناءات في بعض العصور أو عند بعض الأقوام أو لدى بعض الرجال ذوي المروءة؛ ومن ذلك العصر النبوي الشريف وفترة الخلافة الراشدة…

ففي العصر اليوناني: أكد الفكر اليوناني دونية المرأة مقارنة مع الرجل؛ وذاك حكم ملازم لها ووصف ملتصق بها على الدوام بسبب نوع جنسها أي باعتبارها أنثى، وهو ما كان يصرح به ويؤكده العديد من الفلاسفة والأدباء ورجال الفكر والدين… (1)؛ الذين اعتبروها مخلوقا عبوديا ليست له حرية الإرادة أو الأفعال (2)، وجعلوها مجرد تابع للرجل (3)؛ مهمتها محصورة في الوظيفة البيولوجية، كما هي «شيطان وآلة جنسية» لتحقيق رغبات الرجل.

أما وضعية المرأة عند أهل الكتاب، فلم تكن أفضل حالا؛ فهي في الأدبيات اليهوديّة والمسيحية المحرفة -طبعا- أصل الشر كله؛ لأنها في زعمهم المسئولة عن الخطيئة البشرية الأولى وخروج آدم عليه السلام من الجنة. ومن ثم تستحق كل الأحكام المشينة الواردة بخصوصها في الشريعة اليهودية والمسيحية (المحرفة)، ومن ذلك أنها تباع وتشترى، وأنها تَنجس، وأنها ما خُلِقت إلا لخدمة الرجل فحسب، ومن ثم فللرجل الزوج بيع زوجته…

ما سبق ذكره يبرز الجذور الحقيقية الكامنة وراء ازدراء المرأة واستعبادها وامتهانها جسدا وروحا، تشابكت فيها رواسب الفكر اليوناني والروماني مع التعاليم المحرفة لليهودية والمسيحية، مما كان سببا في تجرع المرأة عبر التاريخ البشري صنوف الاضطهاد النفسي وألوان الاستعباد الجسدي.

وفي العصر الجاهلي: تجرعت المرأة العربية قبل مجيء الإسلام نفس مرارة المهانة والاحتقار والدونية والاستعباد التي طبعت وضعية المرأة عبر التاريخ اليوناني والروماني والكهنوتي اللهم إلا من بعض الاستثناءات… وعناوين استضعاف المرأة في العهد الجاهلي وأشكال ظلمها ومظاهر تهميشها وصور بؤسها من الكثرة بحيث سياق هذه المداخلة لا يسمح بجردها وسردها…

في العهد النبوي والخلافة الراشدة

جاءت رسالة الله إلى الناس بدين الإسلام الذي يُعد تحرير الإنسان كل إنسان من كل أنواع العبوديات أعظم غايات نزوله؛ فكان جوهر ومرامي الخطاب الإلهي إخراج الرجل والمرأة من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور القوانين والأعراف و”الحضارات” و”الثقافات” وقهرها وظلمها… إلى عدل الإسلام. فتبوأت بذلك المرأة زمن الوحي المكانة الطبيعية التي تستحقها كإنسان، جنسه مكمل للجنس الثاني (الرجل)، خلقهما الله تعالى من أصل واحد من نفس واحدة؛ فهما متساويان في الآدمية. كما نفى الله سبحانه عن الرجال والنساء التفاضل إلا بالتقوى؛ فلا امتياز لذكر بذكورته، ولا يُبخس حق امرأة لأنوثتها، وأنزل عز وجل منظومة متراصة من التشريعات التي تخاطب المرأة بصفتها إنسانا مكلفا مستقلا بذاته، كما باعتبارها طرفا رئيسيا في المتعدد من العلاقات ومكلفة بمهام على مختلف واجهات الحياة… والأهم من كل ذلك أنها معنية في الخطاب الإلهي بمعرفة سر وجودها ووظيفتها والعلم بخبر البعث وحياة الآخرة…

طفرة مفصلية في تاريخ النساء، بل في تاريخ البشرية، تلك التي جنتها المرأة من تشريع رب العالمين، الذي حولها من اللاشيء، وأعاد لها آدميتها المسلوبة، وحررها من عقدة كونها مصدر الشر وسبب شقاء الإنسان، وبرأها من تهمة المسؤولية عن إغواء آدم عليه السلام وإخراجه من الجنة… إلى إنسان كامل الآدمية أدركت معنى عبوديتها لله تعالى وحده ووعت حقيقة وجودها، فأبلت النساء البلاء الحسن في أداء وظائفهن في انسجام مع فطرتهن وفي حدود قدراتهن وبتوافق مع خصائصهن… و”أصبحت لهن شخصية مستقلة وإرادة فاعلة بعد أن لم يكن الرجال في الجاهلية يعدون لهن أمرا” (4)، فوجدت الرعيل الأول من الصحابيات حاضرات فاعلات مؤثرات في شتى مجالات الحياة، بل في قلبها، وبذلك اقتحمن عقبات سلوكهن إلى الله لملاقاته وهو عنهن راض.

لكن تلك النقلة الجذرية والجوهرية والرفيعة لم تدم طويلا، فسرعان ما انحطت المرأة -خلال مرحلة الملك العاض والجبري (5)- ورجعت القهقرى؛ فسلبت إرادتها وخمدت همتها وخرس صوتها وانحبس مجال حركتها، فأمست “كمًّا مُهملا صامتا محجورا عليه وراء جدران الحريم” (6)، تقزم دورها وأمسى مختزلا في إرضاء الزوج وتفريخ الذرية، حتى أننا لا نكاد تجد لها ذكرا وحضورا إلا في “أشعار الغزل وأخبار الجواري والقصور” (7)، وفي “الحريم مع مئات الجواري والأربع الحرائر التي يستبدل بقديمهن الجديد كما تستبدل الأحذية” (8).  هكذا فشا لدى المرأة المسلمة الشعور بالدونية والعجز، وكسرت ثقتها بنفسها وبربها، فأمست “ذلك الكائن الساكن الساكت يمر من الحياة كأن لَم يَمُرَّ منها” (9).

ولا نكون مبالغين إن جزمنا أن نصيب المرأة من الظلم والبؤس والتهميش و… كان مضاعفا عما كان يعانيه الرجل في هذا الواقع السياسي المستبد، والمجال الاقتصادي المتردي، والعلاقات الاجتماعية المتفككة، وتضييق مجال الاجتهاد الفقهي وحلول فقه سد الذرائع واتقاء الفتنه محله… لتتجرع المرأة بالإضافة إلى كل المآسي المذكورة آنفا ظلم الرجل وهبوط رعايته لها بهبوط الرعاية السياسية له ولها…

في عهد الاستعمار واللائكية والحداثة والإباحية

في هذا الواقع المستبد المنحط المهين، هجمت علينا واقتحمت ديارنا رياح التغريب والإباحية واللاييكية، تدعي تهممها بالواقع المزري الذي ترزح تحت وطأته المرأة، وتزعم عتقها من ربقة دين هي فيه كما مهملا وأداة ترفيه ومتعة، مقنعة المرأة أن المدخل الأوحد إلى ذلك هو التنكر للدين وأحكامه، والتمرد على المجتمع الذكوري الذي قهر المرأة المسلمة فعلا.

وقد استجاب العديد من “المناضلين” و”المناضلات” المبهورين بأضواء وقوة وعلوم الحضارة الغربية المادية، فحملوا لواء تلك الدعوات البراقة الخادعة، وتمردوا على غيرها، لينكشف أن جوهر حريتهم المزعومة هو امتلاك المرأة حرية الجسد وحقها المطلق في التصرف فيه… لتمسي المرأة في ظل “حضارتهم” دمية معبودة أو عاملة كادحة أو أداة رخيصة تعبث بها حضارة الاستهلاك والثورة الرقمية؛ صورة شبه عارية.

في هذا العالم الموار حيث الكل يتغنى بالحقوق والحريات، تضاعفت معاناة المرأة المسلمة التي ضاعت حقوقها وانكمشت حريتها بين الواقع التعس الذي فرضه عليها الجمود على تراث السابقين المسفر عن ظلم ذكوري بيّن وبين حضارة الاستهلاك التي أردتها في مهاوي الدوابية البهيمية..

فما هي الحرية الحقة التي على المسلمة التفاني في اكتسابها؟ وكيف السبيل إلى استرجاعها ذلك؟ وما هي أبعاد وغايات تمتع المرأة بها في التصور المنهاجي للأستاذ عبد السلام ياسين؟

المحور الثاني: حرية المرأة في الفكر المنهاجي؛ الرؤية والخصائص

إن أصل الكرامة الإنسانية ثابت في ديننا لكل إنسان باعتبار عموم وشمول التكريم الإلهي لكل أفراد هذا الإنسان. والحديث عن حقوق الإنسان أصل أصيل في ديننا الحنيف، وهو مطلب متجدد بتجدد صور اضطهاد الإنسان واستعباده، أي إنسان رجلا كان أو امرأة، مسلما كان أو غيره.

إن تحرير رقبة الإنسان أي إنسان من أعظم القربات إلى الله تعالى، بل هي أولى خطوات اقتحام العقبة إلى الله تعالى استعدادا للقائه. وفك الرقاب لا ينحصر في فكر الأستاذ ياسين في تحرير العبيد والإماء من سلطة الأسياد، بل له تصور أعمق من ذلك وأشمل وأوسع… إن “أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور” (10).

بناء على ذلك، فإن الفكر المنهاجي عند الأستاذ ياسين يعتبر أن أول وأولى محدد لحرية المرأة (والرجل معا)، هو تحرير عقلها وقلبها وروحها لمعرفة خالقها وفهم معنى وجودها واليقين بالبعث والاستعداد للحياة الأخرى… فذاك هو أس كل الحريات ومجمعها، وما سواها تابع. وتلكم هي أصل الحريات وما عداها نابع منها أو مغذٍّ لها… وبدون تحقيق وتحقق هذه الحرية الأصل، يكون الحديث عن حرية المرأة (والرجل معا) أبترا ناقصا.

إن الإيمان بالله تعالى ربا خالقا واليقين بأركان الإيمان الخمسة الأخرى، يجيب الإنسان عن سؤال المعنى، وينقله من عالم الدوابية إلى عالم الإنسانية، ويرفعه من حضيض البهيمية إلى رقي الكرامة؛ فيعرف مصدر وجوده وماهية حياته، ومعنى موته وما بعد موته، فيشمر على اقتحام عقبات امتحانه وابتلائه في هاته الحياة الدنيا حتى يلقى الله تعالى وهو سبحانه عنه راض.

إن أم حريات المرأة (والرجل كذلك) وأجمعها هي تحرير الإنسان من كل أنواع المعبودات ليخلص العبودية لله تعالى؛ فالمؤمنة يغمر قلبها وتسمو روحها بالثقة في خالقها وفي نفسها أن جعلها إنسانا مكرما مثلها مثل الرجل، متساوية معه في الآدمية، معنية بالخطاب الإلهي كما يعنى الرجل، ويترتب عن عملها نفس جزاء الرجل، وبذلك يقطع الجدل حول تمام آدمية المرأة وكمال كرامتها، ولعمري أن تلكم هي أم الحقوق ورأس الحريات التي تحوزها المرأة وما سواها نابع منها تابع لها.

فمتى تهممت المرأة المؤمنة بأمِّ القضايا وربطت عملها في الدنيا بمصيرها في الأخرى، يحصل في نفس المؤمنة وقلبها تغييرا، “ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل” (11).

إن معرفة الله تعالى واليقين بخبر الآخرة هو مَجْمَعُ حقوق الإنسان في الإسلام ومدارُه؛ حيث إن ذاك هو ما يجدد في نفس المؤمنة الباعث على معرفة الحق وفعل الخير وبناء العمران، ويحفزها على العمل على التحرر من كل ما يصرفها عن ربها ويلهيها عن مصيرها إليه في دار البقاء، من مظالم وشهوات وأهواء و… فتكون قومتها في وجه الظلم والطغيان والتهميش والتحقير نتيجة إيمانها بأن جوهر الدين الذي بعث به سائر الأنبياء والرسل عليهم السلام، هو تحرير الإنسان من كل عبودية ليخلص العبودية لله تعالى، و درء كل أنواع الجور والظلم عنه، “عندئذ تأتي القضايا الأخرى في مرتبتها حيث تخدم الوسائل الغاية، وحيث يلتحق الفرع بالأصل، وحيث لا تغطي الشروط على المشروط” (12).

إن الإيمان بالله تعالى يعتق رقبة المرأة من أن تدين للفلسفة المادية الإلحادية التي تنكر روحانيتها وتحرمها من حقها الأسمى الذي هو الإيمان بالله تعالى، وفهم معنى وجودها. تلك الفلسفة الحضيضية التي تُلصق جسم المرأة (والرجل على السواء) بأصله الطيني وتحبسه في سجنه الأرضيِّ وتُقعسه بالانغماس في مطالبه المادية، وتحول دون ارتقائه من بهيميته إلى إنسانيته؛ ذلك أن تلك الإيديولوجيات تعتبر الإنسان آلة منتجة ودابة مستهلكة، عدا ذلك عن جوهر الإنسان وحقيقة وجوده وما بعد موته فلا خبر.

إن اكتساب المؤمنة هذه الحرية الأصل سيحفزها لا محالة على استكمال نيل باقي حرياتها الفرعية التي سلبت منها عبر تاريخ بلائها ومظلوميتها؛ ذلك أن “أول حق للإنسان أن يعرف مغزى حياته ووجود خالقه أما الحقوق الأخرى فتدور كلها حول هذا المحور” (13). وعند تحقق الحرية الأم بإخلاص العبودية لله تعالى، “عندئذ تأتي القضايا الأخرى في مرتبتها حيث تخدم الوسائل الغاية، وحيث يلتحق الفرع بالأصل، وحيث لا تغطي الشروط على المشروط” (14).

فما هي – في الفكر المنهاجي عند الأستاذ ياسين – أصناف وصور باقي الحريات “الوسائل/الفروع” التي يجب تمكين المرأة منها؟ والتي تخدم الحرية “الغاية” و”الأصل” و”الباعث” وتدور حول فلكها دوران الجزء حول الكل، والتي بتمكن المؤمنة منها تكون رقبتها قد تحررت بشكل تام؟

ذاك ما سنقف عنده في المحور الموالي.

المحور الثالث: مكملات حرية المرأة

يرى الأستاذ ياسين في فكره المنهاجي أن استرجاع المرأة المسلمة حريتها الحقيقية والكاملة، واستردادها مكانتها الريادية التي مكنها منها الشارع الحكيم… لن يكون إلا بالوقوف على الأسباب الحقيقية والجوهرية التي كانت وراء انحدارها دركا دون درك، والتي يمكن اختزالها في معولين اثنين قاصمين لظهر الأمة ومعه بشكل أفظع ظهر المرأة، وهما الانكسار التاريخي والاستعمار الغربي.

المطلب الأول: تحرير المرأة من مخلفات الانكسار التاريخي الذي تعرضت له الأمة

يرجع الأستاذ ياسين لتاريخ الأمة يقلب صفحاته، ينظر إليها من أعاليه، ويتفحص أحداثه بمنظار منهاجي كلي جامع، ليضع أصبعه على الداء الدفين الذي كان وراء مجمل المآسي التي تعرضت لها الأمة: إنه تغير نظام الحكم وتحوله عما كان في العهد النبوي والخلافة الراشدة؛ وما يعنيه ذلك من عدل وشورى وحرية وكرامة ورحمة وأمن ورخاء… وتحولِه إلى استبدادٍ سياسي وتدهور اقتصادي وظلمٍ اجتماعي واضطراب أسري… كان نصيب المرأة من مآسيه وظلمه وفيرا مريرا… وذلك بـ:

– هبوط الرعاية السياسية بشكل عام، فكان للمرأة النصيب الأوفى من المعاناة.

– تقليص مجال الفقه في حدود ضيقة وتجزيئه وفصله عن كليات الدين ومقاصد الشريعة وسد باب الاجتهاد، فضاعت حقوق المسلمة مع حقوق الكافّة، ومنها بل من أهمها حق المرأة في الحرية والكرامة وتمام الإنسانية.

– شيوع الفساد الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي مما حدا بالفقيه المحكوم بظروف زمانه للحكم بحبس المرأة في البيت بإعمال فقه سد الذرائع وفقه اتقاء الفتنة؛ حفاظا على المرأة وحماية لها من أي تعسف أو استغلال أو استعباد رسمي في ظل واقع سياسي مستبد أرخى ببطشه وشروره وظلمه وإهانته… على الرعية ومنه على علاقة الرجال بالنساء… جراء ما سبق، سلبت المؤمنة حريتها وفعاليتها ومقوماتها البنائية الاستخلافية وباقي استحقاقاتها.

– بروز ذهنيات وأنانيات ذكورية مستعلية سلطوية مهمشة للمرأة باخسة حقوقها مخالفة للنموذج النبوي الراقي في تعامله مع المرأة، مستنسخة عناوين ومضامين تعامل نظام الحكم السياسي مع الرعية المستضعفة… فما كان من الرجل المقهور بسلطة السيف والفقر والجهل إلا أن استغل “الدرجة” التي للرجال على النساء، فأذاق المرأة ألوان الاستبداد والبؤس، ومارس عليها صنوف الظلم والقهر، وأهانها بأشكال الدونية والتهميش.

تلكم كانت أهم آثار الشرخ التاريخي الذي حصل للأمة، وتأثيره الغاشم على حقوق المسلمة وحريتها وفاعليتها التي سُلبت منها باسم الدين. ولاسترجاع المرأة ما فقدته من تمام إنسانيتها، وكمال كرامتها، ومجمل حقوقها، يدعو الأستاذ ياسين الفقهاء والعلماء إلى وجوب استحضار السياق التاريخي السياسي الذي ألزم الفقيه بالحكم بتلك الأحكام، ويدعو إلى قراءة تلك الأحكام باستحضار مصدرها الظرفي؛ حيث اجتهد الأسلاف رحمهم الله تعالى في حدود ما تسمح به ظروفهم السياسية، ومن ثم وجب اجتهاد الخلف وفق أحوالهم هم، لا أن ينظروا بأعين الموتى إلى واقع حي موار.

إن استحضار سياق وظرفية أحكام الفقه الذي تسبب في سجن المرأة وتقييد حريتها وبخسها حقوقها لأجل حمايتها مما هو أشر، والحفاظ عليها مما هو أفظع، يوجب علينا – ولو باستحضار نفس غاية حماية المرأة والدفاع عنها – فتح باب الاجتهاد في شؤون المرأة وقضاياها القديمة منها والجديدة، والنأي عن السطحية والتجزيء والحرفية في فهم النصوص الخاصة بها، والتي تجني على حقوق المرأة أيما جناية، وتبخسها حريتها وكرامتها أيما تبخيس.

فالبغية هو تجديد النظر في النصوص الشرعية الخاصة بالمرأة وإعادة قراءتها قراءة شمولية عميقة جامعة، لتتخلص المسلمة مما جثم على صدرها من مظالم وبؤس ودونية وعجز وخنوع؛ وبذلك سيتحقق:

– تحرير المرأة من تهميش الرجل لها وبخسها حقوقها وتقييد حريتها أو سلبها منها بالمرة لكونها أنثى وما يلتصق بجنسها الأنثوي من نقص ودونية وضعف و… وذلك بتبرئة الخطاب الديني من أي تهميش للمرأة أو النيل من كمال إنسانيتها وكرامتها، وإعادة تصحيح ما انحرف واعوج من هذا الأمر عبر تاريخ المسلمين.

– تصحيح رؤية الرجل (وحتى المرأة نفسها) لبعض المفاهيم الخاصة بشخص النساء أو المحددة لعلاقة الرجال بالنساء، والاجتهاد في تصحيح قراءتنا الحرفية للنصوص الشرعية التي سيء فهمها فغُلبت بها كفة الرجل وأعطت له “الحق الشرعي” للدوس على حقوق المرأة وكرامتها وحريتها باسم الدين، وذلك من مثل: القوامة والدرجة…

– تحرير المرأة من ترسبات الشعور بالدونية والعجز البعيدة عن جوهر الدين والمناوئة لروح الشرع، ومن تهميشها الذاتي لنفسها؛ وذلك بإعادة ثقتها في نفسها وقدراتها التي حباها الله تعالى باعتبارها أنثى خلقها الله تعالى وكرمها. ولعل عمق وعي المرأة بعظمة الأدوار التغييرية البنائية الاستخلافية المناطة بها، كفيل أن يخلخل “قناعة” دونيتها وسلبيتها وعجزها وتبعيتها للرجل. وأمام المسلمة النموذج الواقعي السامي الكامل المتمثل في شخص أمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن اللواتي تتلمذهن على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخرجن من مدرسته، كيف أصبحن فاعلات مؤثرات في كل مناحي الحياة.

– مشاركة المؤمنة في مؤسسة الاجتهاد، بعد تحصيل شروطه: فلا مناص للمؤمنة -في نظر الإمام- من خوض جهاد تحصيل شروط العلم والاجتهاد حتى لا يبقى حكرا على الرجل الذي قد يسيء استعماله كما وقع في التاريخ ويقع؛ وهكذا ستتمكن المؤمنة من المشاركة الفعالة مع الرجل متزعمة معه لا تابعة، في نخل كل موروث قديم بغربال الشرع، وتنقيته مما هو فاسد دخيل، ووضع الأمور في سياقها التاريخي السياسي الاجتماعي لإعادة إحياء حاسة قراءة النصوص الشرعية برؤية تجديدية تصحيحية.

– تحرير إرادة المرأة من التبعية المطلقة للرجل: والفطام عن قيادته الكلية لها؛ باستيعاب أن لها في شرع الله ذمة مستقلة وجب عليها التمرن لحسن استثمارها.

– تحرير المرأة من ترسبات الذهنيات والتقاليد والأعراف الفاسدة: التي ينبغي أن لا تنقاد إلا للحق.

– تحرير المرأة من الجهل: الذي به تكرست دونيتها، وجراءه قيدت حريتها. فلكي تستحق المرأة حريتها المنشودة وجب عليها طلب العلم وطلب استكماله؛ حتى تنزع عن نفسها رذيلة وعطالة الجهل، وتتحلى بالمعارف التي تمكنها من الخروج من ظلمات الجهل والخرافة والتبعية، إلى نور الإيمان والمعرفة والفهم والفاعلية.

– تحرير المرأة من العجز والتبعية الاقتصادية للرجل: لاسترجاع المسلمة حريتها المسلوبة، وجب عليها خوض غمار جهاد على مستويات عدة، ومن أهمه جهاد كسب القوت؛ فالاستقلال الاقتصادي للمرأة يحقق لها الأمان النفسي الذي يحرر رقبتها من يد زوج مستبد يقتر لها نفقتها تقتيرا ويقايضها بها عبوديتها له واستعباده لها، كما أن الأمان المادي يحرر كل طاقاتها لتنطلق في أداء وظائفها الاستخلافية في أريحية.

المطلب الثاني: تحرير المسلمة من تداعيات الاستعمار الغربي

بعد بلوى الانكسار السياسي في تاريخ المسلمين وما خلفه من وهن وهبوط وظلم وتحجير واستعباد، ابتليت الأمة في العصر الحديث بمعول آخر هو الاستعمار الغربي خاصة في وجهه الثقافي الذي استغل مظلومية المرأة ودونيتها، فأوهمها دعاة التغريب من اللاييكيين والحداثيين حرصهم على عتق رقبتها مما تكابده، وبشروها بنيل حريتها المنشودة وبضمان حقوقها المهضومة.

وقد لقي الخطاب اللاييكي من النساء “المقهورات الرازحات تحت نير التضييق والجهل، المكتشفات لأضواء المدنية الغربية الجذابة، إقبالا. جعلنه لواءً يقاتلن تحته ويناضلن”(15). فما لبث أن برزت “مناضلات” “تمردن على الإسلام الموروث وعلى المجتمع الرجولي الذي قهر المرأة المسلمة فعلا.

لكن هل بارتماء “مناضلات” حقوق المرأة ومن وراءهن في أحضان اللاييكية نلن المراد؟

يصف الأستاذ هذه الحضارة أنها “غنية الوسائل، عارية من كل معنى؟” (16)، ومن ثم لا “يمكننا التداوي من عللنا القاتلة بمجرد الاتباع الأعمى للنموذج الغربي” (17) في وجهه اللاييكي الانحلالي البهيمي الذي وهب المرأة حرية مزيفة مشوهة، أردتها “موضوع الشهوة المباحة، وزبونَةَ صناعات التجميل، ومحور الفن الخلاعي، ومُدِرَّةَ الأموال على صناع اللهو، ودميةَ الرجل…” (18)، مما كان له انعكاس على إنسانية المرأة وكرامتها وانحرفت نوازع المرأة عن اتجاهها الطبيعي والذي أخل بالعلاقات بين الأجيال الصاعدة ونظيراتها النازلة بسبب انعدام الاستقرار الأسري الناتج عن غياب الأم البارة.

بالرغم من تفوق المرأة الغربية في مجال التعليم والنشاط الإنتاجي والاستقلال الاقتصادي الذي يقيها غائلة الحاجة، ويقيها قسوة وسطوة الرجل، لكن ذاك لم يمنع النساء هناك من عيش مأساة فردية واجتماعية عميقة، يحكيها واقعهم ويعترف بها فضلاؤهم وتؤكدها لغة الأرقام عندهم، مما يستلزم تحرير المرأة المغترة بالإيديولوجية اللاييكية الإباحية من كل أنواع العبوديات التي تفرضها حضارة الاستهلاك والثورة الرقمية والصورة العابرة، وذلك بـ:

– تحرير المرأة من تأثير وأثر كل الإيديولوجيات الإباحية: التي هبطت بالإنسان إلى مهاوي الدوابية الحيوانية؛ باعتبارها أن حقيقة حقوق الإنسان وجوهر حريته تختزل في ممارسة غرائزه من دون ضابط ولا موجه.

إن واقع المرأة في البلدان الغربية يعكس لنا بوضوح حقيقة الحرية التي غررتها اللاييكية الحداثية بامتلاكها ومآلها؛ فالحرية المنشودة عند القوم هناك هي “امتلاك المرأة لحرية التصرف في جسمها تفعل به ما تشاء، نبذا للفضيلة والأخلاق، وتدميرا للأسرة، وإشاعة للفاحشة كما تشاع البضاعة العادية” (19).

– تحريرها من الشغل الفاتن عن وظيفتها الأساسية باعتبار أن الحضارة الحداثية جعلتها تنفق طاقتها في «الإنتاج المادي» و«صناعة الأدوات» ولا تنفقها في «صناعة الإنسانية»! فأمست بذلك المرأة مجرد أداة للإنتاج ومنتوجاً للاستهلاك، لتختل وظيفتها فتفقد المرأة توازنها، وتضطرب الأسرة بل ينهار المجتمع كله، ومن ثم اعتبر الأستاذ ياسين أن تحرير المرأة لا يتم إلا بالتخطيط “إلى تحرير المرأة من الشغل الفـاتن” (20).

– تحرير المرأة من التشوهات الفطرية: إن كل امرأة تعتز بإنسالها للنوع البشري وبتأمينها استمرار الجنس البشري.

– تحرير المرأة من “المنطق” الدوابي المنكر للبعث والدائر حول الحياة الدنيا، والذي يعتبر «المكتسبات» الإباحية من لذة ومتعة بلا حدود ولا ضوابط هي الـمَطلَبَ لا غيرُ، وتكون المرأة في ذلك أداة مسخَرة.

مداخلة شاركت بها الدكتورة توفيق في الجلسة العلمية الثانية من فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الثالث في موضوع “البعد الإنساني في الفكر الإسلامي المعاصر: الإمام عبد السلام ياسين نموذجا”، يوم السبت 19 دجنبر 2020.


(1) خلود، السباعي، الجسد الأنثوي، ص 297.

(2) آمال، علاوشيش، المرأة في مرآة الفلاسفة، الفلسفة والنسوية، مجموعة مؤلفين، دار الأمان، الرباط، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة، 2013، ط1، ص50.

(3) بعلي، خلفاوي، مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن، م. س، ص 124.

(4) ياسين، عبد السلام، تنوير المؤمنات، الدار البيضاء، مطبوعات الأفق، ط1، 1996، 1/176.

(5) كل نظام سياسي تسلطي غير شوري يعتبر ملكا عاضا بالتعبير النبوي العفيف المُنيف..

(6) تنوير المؤمنات: 1/176.

(7) تنوير المؤمنات: 1/30.

(8) تنوير المؤمنات: 1/33.

(9) تنوير المؤمنات: 2/355.

(10) ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، ص: 238.

(11) ياسين، عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 85-86.

(12) تنوير المؤمنات: 2/355.

(13) الإسلام والحداثة، ص: 238.

(14) تنوير المؤمنات: 2/355.

(15) تنوير المؤمنات: 1/39.

(16) الإسلام والحداثة، ص: 222.

(17) نفسه.

(18) ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ص: 285.

(19) تنوير المؤمنات: 1/99.

(20) العدل، ص: 312.