حب الرسول ﷺ من الإيمان

Cover Image for حب الرسول ﷺ من الإيمان
نشر بتاريخ

كتب العلامة نور الدين عتر[1] رحمه الله رسالة موجزة عنوانها “حب الرسول ﷺ من الإيمان”، تعرّف بحقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم وبتنفيذها العملي في الجيل الأول الذي هو خير الأجيال، ليسهل -في نظره- بهذا التعريف العلمي والعملي الانتفاع، والتحقق بهذه المنزلة العلية، التي تحقق بشارته ﷺ: “المرء مع من أحب”[2]. وقد استعار عنوان رسالته هاته من الإمام البخاري رحمه الله الذي جعل بابا من أبواب كتاب الإيمان بعنوان حب الرسول ﷺ من الإيمان، وهذه الاستعارة لها دلالتها العظيمة.

وفيما يلي أهم القضايا التي وردت في هذه الرسالة:

​في معنى المحبة وموجباتها

​يبين الدكتور نور الدين عتر رحمه الله أن المحبة انفعالٌ وجداني وميلٌ قلبي يملك على الإنسان جوارحه، فينعكس مباشرة على سلوكه وأفعاله وأهدافه، حتى يضحي المحب بكليات ماله ونفسه إرضاءً لمحبوبه. ​والله تعالى هو أولى وأحق بكل محبة مطلقاً لفضائل كماله التي لا تُحصى، وإفاضته النعم والمنن على عباده. أما النبي ﷺ فهو أحق الخلق جميعاً بمحبتك حتى أكثر من نفسك، استناداً لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: 6).  إن محبته ﷺ طريق للإيمان، ولولاه لما عرف الإيمان، وهي أيضا طريق لتحقيق الفضائل والكمالات.

​وقد قسم هذه المحبة وموجبات رحمه الله إلى قسمين:

​- حب كمال الصفات: ذلك أن المؤمن يحب النبي ﷺ لما خصَّه الله به من أعلى درجات الجمال الخَلْقي “أحسن الناس وجهاً وأجملهم خَلقا”، والخُلُقي شهادةً من الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).  

​- حب لجزيل النوال: وذلك لأن الرسول ﷺ هو السبب الأعظم في هدايتنا وإخراجنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ونجاتنا من الهلاك الأبدي للظفر بالنعيم السرمدي. ويستشهد رحمه الله بقول أهل العرفان: “لو كان في كل منبت شعرة محبة تامة له ﷺ لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا”[3].

​ محبة الله ورسوله فوق كل شيء

​يستشهد عتر رحمه الله هنا بقوله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ‎﴾ (التوبة: 24).‏ ويعلق بالقول إن هذه الآية جمعت ألوان المحبة الدنيوية (الآباء، الأبناء، الإخوان، الأزواج، العشيرة، الأموال، التجارة، المساكن)، وأوجبت تقديم محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله على هذه المظاهر جميعاً. ثم يقسم ​أنواع المحبة إلى خمسة ألوان (إشفاق، تعظيم، غريزة، نصح، وأنانية). وحب الأنانية (حب الإنسان لنفسه) هو أقوى أنواع الحب المجبول عليها الإنسان طبعاً.

​ويلفت نور الدين عتر رحمه الله انتباهَنا إلى أن بالتفكر في فضائل الرسول ﷺ وأفضاله في نجاتنا يغلب العقلُ بحقائقه غريزةَ الأنانية؛ تماماً كما جرى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نبهه النبي ﷺ، فتفكر عمر وعلم أن نفع الرسول ﷺ لنفسه أعظم من نفعه لنفسه، فقال: “الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي”[4]. كما أن النبي ﷺ جعل تقديم محبة الله ورسوله الشرط الأساس للذوق والتحقق بـ”حلاوة الإيمان”.  

فما السبيل إلى تحقيق هذه المحبة؟

​إن المحبة ليست دعوى باللسان أو أمنيات، وإنما سلوك وعمل ينقسم إلى:

​محبة فرض: وهي القوة التي تدفع العبد لأداء الفرائض الواجبة واجتناب المحرمات، والوقوع في المعصية هو تقصير في هذه المحبة وترجيح لهوى النفس.

​محبة سنة: وهي التي تدفع المسلم للمواظبة على النوافل واجتناب الشبهات حتى يصير محبوباً عند الله.

ثم يعلق رحمه الله: “والحاصل أن المؤمن المحب لرسول الله ﷺ لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من سراجه ﷺ ولا يسلك إلا طريقته، ويكون على غاية الرضا بما شرعه، ويتخلق بأخلاقه، ولا يجد في نفسه أي ضيق مما حكم به، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان”[5].

​علامات ومؤثرات في المحبة

1- اتباع رسول الله ﷺ

إن الاتباع أعظم علامات الحب، وأقوى المؤثرات في نمو الحب. وقد جعل الله اتباع نبيه ﷺ اختبارا بصدق دعوى المحبة لله، ويستشهد هنا بقوله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‎﴾‏ (آل عمران: 31).

​2- حب القرآن الكريم

بالقرآن الكريم كانت نبوة نبينا محمد ﷺ، وبه هدى الخلق إلى الحق، وتخلق به كل التخلق، حتى صار خلقه القرآن. ويسأل عتر رحمه الله قارئه: “فاختبر محبة القرآن من قلبك، والتذاذك بسماعه، هل هي أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء بسماعهم، فإن كان كذلك فأنت صادق في المحبة…”[6]

​3- محبة سننه وقراءة حديثه

إن من لوازم الحب أن يوافق المحب محبوبه؛ فحب النبي ﷺ يوجب اتباع سنته، وكذلك كلامه ﷺ، هو كلام الحبيب خير البشر، وخير كلام قاله بشر. ومما له علاقة بهذا محبة سيرته ﷺ، فكلما ازاد المؤمن اطلاعا على سيرته ازداد حبا له. يقول العلامة عتر رحمه الله: “وكلما ازددت به علما ازددت له حبا، لأنك تزداد بكماله عرفانا، فترزق كمالا في محبته ﷺ، وتستولي روحانيته الشريفة على القلب فيجعله الله تعالى لك أستاذا ومعلما وشيخا وقدوة، كما جعله نبيه وسوله وهاديه”[7].

4- الإكثار من ذكره وتعظيمه كلما ذكر ﷺ

أجمع الحكماء على أن من أحب شيئا أكثر من ذكره، وينبهنا عتر رحمه الله إلى أن ذلك يقترن بتعظيم ﷺ بذكره بعنوان السيادة، وبإظهار الخشوع والخضوع مع ذكر اسمه الشريف أو سماعه، كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم.

5- كثرة الشوق إلى لقائه ﷺ

يقول المحدث نور الدين عتر رحمه الله: “كل حبيب يشتاق على حبيبه، فكيف محب النبي صلى الله عليه وسلم، يحب رؤياه في منامه، ولقاءه بذاته، في الآخرة، حتى قالوا: المحبة الشوق إلى المحبوب؟”[8]

​6- الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ

إن الإكثار من الصلاة والسلام عليه ﷺ من لوازم الإكثار من ذكره وتعظيمه والشوق إليه ﷺ. ويستشهد هنا بقوله عز وجل: ﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾‏ (الأحزاب: 56)… ويخلص الدكتور نور الدين عتر رحمه الله إلى أن الصلاة على النبي بمنزلة مناجاة له ﷺ؛ أنت تقول: اللهم صل على سيدنا محمد وسلم، وهو ﷺ يجيبك: صلى الله عليك يا فلان.

​محبة الصحابة رضي الله عنهم للنبي ﷺ

​استفاض نور الدين عتر رحمه في ذكر نماذج لحب الصحابة رضي الله عنهم للنبي ﷺ، وهم الذين كانت محبتهم له أعظم من غيرهم، لأنها محبة مشاهدة وعيان، حتى الذين تأخر إسلامهم. ومن ذلك: بناء العريش لحراسته بالتضحية بالنفس، ومسارعة أبي بكر لحمايته بالسيف في غزوة بدر الكبرى. و​في موقعة الرجيع يذكر موقف خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة حينما سألهما المشركون هل يحبان أن يكون محمد مكانهما يقتل وهما في أهلهما، فكانا يجيبان بأنهما لا يرضيان حتى بشوكة تؤذيه ﷺ، حتى قال أبو سفيان: “ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً”. وغير ذلك[9].

دلائل مهمة

هذا هو المبحث الذي ختم به الدكتور نور الدين عتر كتابه، حيث ذكر بدلائل تدل على محبة النبي ﷺ، وجعلها في ثلاثة:

​محبة أهل بيته ﷺ: وذلك يشمل نساءه أمهات المؤمنين وذريته وسائر قراباته…  

​محبة الصحابة: فهم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبلغون عنه وسفراؤه للعالم…

​موازنة المحبة في النفس: اختباره لنفسه هل يفضل فقد أعز أغراض الدنيا والدين على حرمان رؤية النبي ﷺ ونصرة شريعته؟ فإن كان فقد الرؤية والنصرة أشد عليه، فهو الصادق في محبته. 

​خاتمة ودعاء

ختم العلامة المحدث نور الدين عتر رسالته هذه بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّه صلَّى اللَّه علَيهِ وسلَّمَ أخذَ بيدِهِ، وقالَ: يا مُعاذُ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّكَ، واللَّهِ إنِّي لأحبُّك، فقالَ: أوصيكَ يا معاذُ لا تدَعنَّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ”[10].

علق المؤلف رحمه الله داعيا: “اللهم إنا نسألك حبك، وحب نبيك سيدنا محمد ﷺ، واجعل حبك وحب نبيك ﷺ أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. اللهم آمين.

المراجع

[1] – هو الإمام العلامة المفسر، المحدث الحافظ الفقيه، الأستاذ الدكتور نور الدين عتر الحسني نسبة، ولد في حلب الشهباء عام 1356هـ، الموافق 1937م، وتوفي رحمه الله يوم الأربعاء 6 صفر 1442، الموافق 23 شتنبر 2020. كان من الموقعين على بيان علماء حلب بتاريخ 7 أغسطس2011 الذين حملوا النظام آنذاك مسؤولية ما يحدث ودعوا إلى إفساح المجال لممارسة حرية التعبير والرأي وإطلاق سراح معتقلي الرأي… ترك ثروة علمية كبيرة في التفسير والحديث والهدي النبوي والفقه.
[2] – رواه البخاري ومسلم.
[3] – نور الدين عتر، حب الرسول ﷺ من الإيمان، ص 6.
[4] – رواه البخاري.
[5] – نور الدين عتر، حب الرسول ﷺ من الإيمان، ص 11.
[6] – نفسه، ص 13.
[7] – نفسه، ص 14.
[8] – نفسه، ص 15.
[9] – ينظر الكتاب نفسه، ص 17-45.
[10] – رواه أبو داود والنسائي.