حارة المغاربة بين البناء والهدم وواجب الوفاء

Cover Image for حارة المغاربة بين البناء والهدم وواجب الوفاء
نشر بتاريخ
الجماعة.نت
الجماعة.نت

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

نقف اليوم في الذكرى الخامسة والخمسين لهدم حارة المغاربة، هذه الذكرى التي تستوقفنا للتأمل في لحظتين مهمتين من تاريخ حارة المغاربة، وهي مرحلة البناء ومرحلة الهدم ودلالات كل منهما، وواجب الوفاء.

ظل اسم المغاربة مرفوعا بالقدس على معالم تاريخية تشهد على وجودهم وحضورهم القوي ودورهم التاريخي:

حارة المغاربة: أو حي المغاربة نسبة إلى سكانها من المغرب الكبير الذين سكنوها، والتي تعود إقامتهم بها إلى سنة 296هـ/ 909م. وتقع حارة المغاربة في جنوب شرق البلدة القديمة لمدينة القدس، بجوار حائط البراق، أو ما يسمى اليوم زورا بحائط المبكى. وتشكّل ما نسبته 5% من مساحة القدس القديمة.

وعرفت تمددا كبيرا نحو منطقة ما وراء الأسوار، وكانت تعرف بحارة المغاربة “البرّانية” قبل الوجود العثماني.

باب المغاربة: هي تسمية تطلق على بابين في مدينة القدس، أحدهما باب من أبواب المسجد الأقصى السبعة، وهو الذي كان يسمى “باب النبي” حيث منه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى في إسرائه ومعراجه. وقد صادر الصهاينة مفاتيحه منذ بدء الاحتلال، وباتوا يستخدمونه فقط في اقتحام المسجد الأقصى من قبل المستوطنين بحراسة الشرطة والقوات الخاصة، وفتحوا ستارا داخله للبحث عن آثار الهيكل المزعوم.

والباب الثاني باب من أبواب مدينة القدس، في السور الجنوبي للبلدة القديمة.

مسجد المغاربة: أو مسجد البراق بناء يقع في الرواق الغربي للمسجد الأقصى المبارك، إلى الجنوب من باب المغاربة، بناه صلاح الدين الأيوبي سنة 590هـ- 1193م، ورجّح مجير الدين الحنبلي أن يكون جامع المغاربة من بناء عمر بن الخطاب، ويستعمله اليوم المجلس الإسلامي الأعلى قاعة عرض للمتحف الإسلامي منذ عام1939.

مئذنة المغاربة: وتسمى أيضا المئذنة الفخارية، أول مئذنة تشيد في المسجد في عام 1278م، وتقع على الزاوية الجنوبية الغربية من المسجد الأقصى، وهي قريبة من باب المغاربة.

أولا: بناء حارة المغاربة وارتباط المغاربة:

تعتبر حارة المغاربة أكبر شاهد على علاقة المغاربة ببيت المقدس، هذه العلاقة المبنية على أركان ثلاثة:

الركن التعبدي العقائدي: حيث كان المغاربة يجمعون بين الحج لمكة المكرمة وبين بيت المقدس، لأنه بالنسبة لهم مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسجد المبارك في الأرض المباركة كما ورد في القرآن الكريم، قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا.

فهو كذلك أولى القبلتين للمسلمين وثاني بيتٍ وُضع في الأرض، وثالث المساجد التي لا تشدّ الرحال إلّا إليها. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى”. كما فضل الله أجر وثواب الصلاة بالمسجد الأقصى على باقي المساجد، عن أبي الدرداء وجابر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي هذا ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» أخرجه البيهقي في السنن الصغرى وصححه الألباني في صحيح الجامع.

الركن العلمي التربوي: فكثير من علماء المغرب ورجال التربية استقروا ببيت المقدس الشريف من أجل نشر العلم والتزكية، مثل العالم الجليل الرباني أبو مدين الغوث، وسيدي حرازم وغيرهم من العلماء الذين استوطنوا بيت المقدس، حيث نجد في كتاب “نفح الطيب من غُصن الأندلس الرطيب” أسماء العديد من العلماء المغاربة الذين زاروا القدس، ثم استقروا فيها، وأصبحت لهم حلقات في المسجد الأقصى وفي المدارس العلمية بالقدس يفد إليها المقدسيون.

ولعل من أشهرهم العالم أبو بكر محمد بن أحمد البكري الشريشي المغربي المالكي شيخ الحرم القدسي الشريف، والعالم جمال الدين الوائلي المغربي، والشيخ الصوفي أبو عبد الله القرشي الأندلسي، والإمام الطرطوشي والإمام أبي بكر بن العربي المعافري…

ركن الجهاد: إن الارتباط التعبدي الاعتقادي والعلمي التربوي سيعضد الارتباط الجهادي للمغاربة ببيت المقدس عندما يصبح مهددا. فقد ساهم المغاربة مع صلاح الدين الأيوبي في تحرير بيت المقدس في معركة حطين، وكان لهم دور كبير مما جعل صلاح الدين الأيوبي يسكنهم بها بعد أن انتصر المُسلمون في معركة حطين، الَّتِي فتح الله بهَا بيت المقدس على المسلمين.

وقد قال في حقهم مقولته الشَّهيرة: «أسكنت هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة».

ثم أوقف الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي (النجل الأكبر للناصر صلاح الدين الأيوبي) حارة المغاربة على المغاربة المقيمين في القدس من أجل مساعدتهم؛ بُغيةَ تشجيع أهل المغرب الكبير على القدوم إلى القدس والإقامة فيها.

وهناك تقديرات أن المغاربة شكلوا ما بين 20-25% من جيش صلاح الدين الأيوبي في معركة “حطين” التي حرر فيها بيت المقدس من يد الصليبيين في يوليو سنة 1187.

ثانيا: هدم حارة المغاربة وجرائم الصهيونية:

إن هدم حارة المغاربة شاهد على وحشية وجرائم الكيان الصهيوني

جريمة الهدم:

بعد محاولات الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني للاستيلاء على حائط البراق وعلى حارة المغاربة، سيتأتى لهم الأمر بعد احتلال القدس من طرف العصابات الصهيونية عام 1967م، فبعد 3 أيام من الاحتلال، أي يوم 10/6/1967 توجهت الجرافات اليهودية إلى الحي المغربي داخل أسوار مدينة القدس، وهدمته بكامله وسَوته بالأرض، وحولها الكيان الصهيوني إلى ساحة أسماها “ساحة المبكى” عند حائط البراق؛ هُدمت حارة المغاربة خلال ساعات قليلة واستمرَّ الهدم 4 أيام متواصلة، لتسوية مساحتها التي تبلغ 116 دونمًا بالأرض. وقد دمّر الاحتلال 136 منزلًا و4 مساجد من بينهم جامع المغاربة ومدرسة الأفضلية وزاوية المغاربة ومقام الشيخ، كما نسفت 34 داراً أخرى مجاورة، ومصنعاً للبلاستيك.

أكد المؤرخ الفرنسي فنسان لومير في كتابه “عند أقدام السور: حياة وموت حي المغاربة في القدس (1187-1967)” أن “إسرائيل خططت لتدمير هذا الحي بعد حرب عام 1967 وحاولت تمويه ما فعلت”.

ويوضخ المؤرخ أن الحي لم يدمر بناء على مبادرة من 15 مقاولا إسرائيليا غداة حرب 1967، كما تقول الرواية الرسمية، إنما بناء على قرار من الحكومة الإسرائيلية، ويستشهد بوثائق تؤكد ذلك.

جريمة التهجير:

ابتدأت جريمة التهجير بعد نكبة عام 1948م، حيث اضطر معظم مغاربة فلسطين للهجرة واللجوء إلى الدول المجاورة، شأنهم شأن باقي الفلسطينيين ليستقروا في مخيمات اللاجئين بسوريا في مخيم اليرموك وفي مخيمات لبنان…

لكن الكيان الصهيوني بهدمه حارة المغاربة شرد 135 عائلة مسلمة عدد أفرادها 650، إضافة إلى طرد نحو 3700 فلسطيني من حارة الشرف المجاورة.

جريمة القتل:

أُجبر المواطنون على ترك منازلهم أو هدم البيوت فوق رؤوسهم، وقد استشهد عدد من المواطنين أثناء عملية الهدم، ولم يستطع أهاليهم انتشال جثثهم من تحت الركام. وقد ظل الإسرائيليون ينفون ذلك، رغم أن متولي الوقف في الحارة أوضح بأدلة قاطعة أن عمليات الهدم تمت بوجود سكان داخل منازلهم، وأن جثث الفلسطينيين دفنت تحت الأنقاض، وقد فضح كذب الصهاينة اعترافات الضباط الإسرائيليين الذين شاركوا في الجريمة بحقيقة ما وقع من أبرزهم “إيتان بن موشيه”. وقد نشرت نسخة من تقرير إخباري تفصل الاعترافات الإسرائيلية في صحيفة القدس الفلسطينية، مترجمة عن صحيفة ” أورشليمّ “الإسرائيلية، 27/10/1999.

جرائم اليهود المغاربة:

إذا كان للمغاربة علاقة إيجابية ومشرقة ببيت المقدس، فهناك وجه أسود وسلبي لهذه العلاقة، تمثل في هجرة اليهود المغاربة لفلسطين، والمشاركة في جرائم الصهيونية في حق الفلسطينيين عامة والمغاربة المقدسيين خاصة وحارة المغاربة، سواء بالتنفيذ أو بالرضى والقبول أو بالدعم ومناصرة المحتل. وهذا سلوك مشين فيه نكران الجميل للمغاربة المسلمين الذين احتضنوهم وهم فارون من محاكم التفتيش والبطش النازي، فعاشوا بين المغاربة بأمن وأمان، حتى خذلوهم وطعنوهم في ظهورهم بهجرتهم إلى فلسطين وبدعمهم للمشروع الصهيوني ضد المسلمين عامة والمغاربة خاصة، ويُعد مغاربة إسرائيل بعد اليهود الروس، حسب أرقام حكومية إسرائيلية رسمية، ثاني جالية في الأراضي المحتلة، إذ يبلغ عددهم حوالي مليون صهيوني من أصول مغربية.

هاجر الأوائل منهم سنة 1948، بعد الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل. وبلغ عدد اليهود المغاربة المهاجرين من المغرب نحو فلسطين المحتلة، 146 ألفا و400 يهودي مغربي. وتقدر نسبة اليهود من أصول مغربية الذين يقيمون ويوجدون بفلسطين المحتلة اليوم، ب 8,13 بالمائة من النسبة العامة لمجموع السكان، حسب موقع Morocco Jewish Times الذي يختص بأخبار اليهود المغاربة.

وهم اليوم نافذون في الدفاع والسياسة، حيث إن حكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة المشكلة مع بيني غانتس، ضمت بالإضافة إلى رئيس الكنيست عشرة وزراء من أصل مغربي، أي ثلث وزراء “إسرائيل”.

يتحمل اليهود المغاربة المحتلون المسؤولية فيما جرى ويجري من جرم في حق فلسطين وأهلها ومقدساتها، وكذا ما لحق بحارة المغاربة وأهلها وأوقافها.

ثالثا: وفاء لحارة المغاربة وأهلها:

التطبيع خيانة:

أول ما يعترض الوفاء لحارة المغاربة وأهلها، التطبيع مع المحتل الغاصب، فالتطبيع مع الكيان الصهيوني وصمة عار في جبين النظام المطبع، لأنه اعتراف غير شرعي بكيان محتل وغاصب ومجرم. كما أنه خيانة للمغاربة المقدسيين الذين حرّروا الأقصى وتعلقت قلوبهم به.

وإن الخطوة الأساس في الوفاء لبيت المقدس والمغاربة المقدسيين وحارة المغاربة وساكنيها، هو مناهضة التطبيع والمطبعين ومقاطعة العدو الصهيوني المحتل، ومن ضمنهم اليهود الصهاينة ذوو الأصول المغربية، لأنهم شركاء ومساهمون في الجريمة.

تأسيس إطار للعمل:

أول خطوة بعد الخطوة الأساس في إطار الوفاء لحارة المغاربة، إيجاد إطار للعمل، شريطة أن يحمل الإطار في عنوانه ما يرمز لهذه المهمة، كأن نسميه “الائتلاف المغاربي من أجل بيت المقدس، وحارة المغاربة وأوقافهم”، على أن يكون من أولويات أهدافه خدمة هذه القضية إلى جانب القضية المركزية الشاملة، وهي تحرير بيت المقدس وكل فلسطين.

تأسيس مركز للدراسات:

الخطوة الثانية تتمثل في تأسيس مركز للدراسات يضطلع بالمهام الأكاديمية والبحثية خدمة لهذه القضية، ولعلنا مطالبون اليوم بتفعيل مركز مغاربي للدراسات والبحوث من أجل هيكلته وتعبئة الأقلام والعقول الأكاديمية للاشتغال فيه، قصد إصدار دراسات وبحوث أكاديمية ودوريات وكتب مُحَكّمة خدمة لحارة المغاربة وأوقافهم وعلاقة المغاربة ببيت المقدس والمسجد الأقصى.

إصدار مجلة:

الخطوة الثالثة إصدار مجلة مغاربية وتعبئة الأقلام للكتابة فيها بما ينور العقول ويتتبع مجريات الأحداث من خلال قراءة وتحليل علمي يخدم الأهداف المتوخاة.

دعم المغاربة المقدسيين:

أما الخطوة الرابعة فهي دعم المغاربة المقدسيين دعما ماديا ومعنويا بالإشراف على مشاريع خيرية وتنموية للمقدسيين المغاربة، وكذلك من خلال الدعم المعنوي من خلال التوأمة الأسرية بين الأسر المغربية المقدسية وأسر دول المغرب الكبير، من أجل متابعة أحوالهم وتلبية حاجياتهم ورفع معنوياتهم، وأيضا من أجل الصمود والثبات في وجه الاحتلال.

إطلاق منصة باب المغاربة:

الخطوة الخامسة إطلاق منصة إلكترونية تتضمن مكتبة تحوي كل الدراسات والكتب حول الموضوع، إضافة إلى تتبع أسماء وعناوين الأسر المغاربية المقدسية للتعريف بها وبأصولها.

التخليد السنوي لهدم حارة المغاربة:

الخطوة السادسة أن تكون ذكرى هدم حاره المغاربة مناسبة سنوية لتخليدها بأشكال أكثر إشعاعا وتأثيرا في شعوبنا المغاربية، وأهالينا المغاربة المقدسيين في القدس أو في المخيمات، ونجعلها أيضا فرصة لفضح جرائم الاحتلال والتضامن مع الشعب الفلسطيني، ونصرة للقدس والمسجد الأقصى، من خلال تنظيم ملتقيات ومؤتمرات وندوات، تحقق المبتغى.