جماليات الخطاب الأدبي في المشروع المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين

Cover Image for جماليات الخطاب الأدبي في المشروع المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين
نشر بتاريخ

مقدمة

يمثل المشروع المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أحد أبرز المشاريع الإسلامية المعاصرة الساعية إلى إعادة بناء مجد الأمة ونهضتها، وقد تميز بخصوصية أسلوبية فريدة تجمع بين عمق الفكر وجمال البيان. فالإمام لم يكتف بالتنظير الفكري المجرد، بل صاغ رؤيته في قالب أدبي رفيع يستلهم من معين الوحي والمنبع النبوي الأصيل والتراث الإسلامي لعلماء السلوك والتربية، موظفا الشعر والنثر الفني والبلاغة العربية في خدمة التربية والدعوة إلى الله عز وجل.

يسعى هذا المقال إلى الكشف عن بعض الأبعاد الجمالية الأدبية في المشروع المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين 1، من خلال تحليل البنية الأسلوبية والبلاغية والشعرية في مؤلفاته، لا سيما كتاب “الإحسان” 2. وينطلق من إشكالية مركزية: كيف وظف الإمام الأدب في بناء خطابه التربوي والدعوي؟ وما المرجعيات الجمالية التي استند إليها؟ واعتمد المقال المنهج التحليلي الوصفي، مستندا إلى مؤلفات الإمام عبد السلام ياسين المتاحة في موسوعة سراج الالكترونية 3.

ويجدر التنويه إلى أن الإمام أشار إلى منهجه في الكتابة بقوله: “أكثرت في هذا الكتاب من اقتطاف نصوص من أطايب الكلام لأمثال الشيخ عبد القادر والشيخ الرفاعي وشيخ الإسلام ابن القيم رحمهم الله، خرقا للمنهجية الأكاديمية التي تأبى أن تسرد النصوص الطويلة. “لست من قيس ولا قيس مِنِي!”. فلذلك أهدي القارئ من عيون البلاغة وأزاهر البيان” 4. وهذا التصريح يكشف عن وعي الإمام بخصوصية منهجه الأدبي، وانحيازه الواعي للجمالية القرآنية النبوية على حساب الصرامة الأكاديمية الجافة.

وتكمن أهمية البحث في هذا الموضوع في كونه يسلط الضوء على جانب غالبا ما يتم إغفاله في دراسة المشروع المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين، إذ انصبت معظم الدراسات على الجوانب التربوية والفكرية والسياسية، بينما ظل البُعد الأدبي والجمالي قليل التناول العلمي.

أولا- المرجعيات الجمالية للخطاب الأدبي للإمام ياسين

1.    القرآن الكريم والحديث النبوي

يُعد القرآن الكريم والسنة النبوية المرجع الأول والأساس في بناء الخطاب التربوي والدعوي والفكري عند الإمام ياسين، فهو يستلهم منه المضامين والأساليب معا. فيؤكد رحمه الله: “إننا نعتقد أنه لا بيان يُرجى، ولا بلاغَ، ولاَ مَسْلَكَ إلى قلوب العباد، ولا أصالةَ للخطاب الإسلامي إلا بالأسلـوب القرآني السني البريء من لَوَثات الفلسفة وعُجمات الحذلقة الثقافية” 5.

ويقول الإمام مستشهدا بأقوال السلف: “يقول الإمام الجنيد: علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله ﷺ” 6

كما يخشى الإمام ياسين “أن ينزلق خطاب الإسلاميين أكثر مما انزلق إلى تبني لغة معقمة فضفاضة تدخل في مصطلح الآخرين، ويدخل فيها المصطلح. فتبتعد عن لغة القرآن وحقائق القرآن. وقد سرى هذا التطبع منذ زمان حتى إنك لتقرأ من “إنتاجات” السوق ما تقرأ فلا تجد ذكرا لله ولا للرسول ولا للآخرة والجنة والنار والحق والباطل 7.

ويؤكد رحمه الله على أن “اللغة العربية لغة القرآن تبقى وستبقى اللغة الوحيدة القادرة على تبليغ رسالة الله إلى الإنسان. وآمل ألا يكون للفراغ الروحي الذي تتخبط فيه اللغات الدنيوية تأثير على خطابي المغترب في اللغة المستعارة التي أضطر إلى استعمالها اضطرارا” 8.

كما يحرص الإمام ياسين على تحرير العقل المسلم من “جناية المصطلحات” الغربية، مفضلا استعمال المفاهيم القرآنية الأصيلة مثل “اقتحام العقبة”، فيقول: “ولا حاجة لي بالمصطلحات المحدثة، فلي غنى عنها بلغة القرآن وبيان إمام أهل الإحسان” 9.

وينتقد الإمام ياسين استبدال المصطلحات القرآنية الربانية مثل “الإحسان” و”التزكية” بمصطلحات تاريخية أو دخيلة مثل “التصوف” أو مصطلحات الفلسفة. ويشير إلى أن المصطلحات غير القرآنية قد تكون محملة بخلفيات تاريخية أو فلسفية تحجب النور القرآني وتشوش على العقل المسلم. يقول الإمام في هذا السياق: “لكن موكب النور من كتائب أهل الله ما سار منذ عهد النبوة إلا على هدي أصيل وإن جدت مصطلحات دعت إليها ضرورة التفاهم بين أهل الاختصاص، وجدت هيآت وتكتلات دعت إليها ضرورة التعاون. تماما كما جدت مصطلحات وتكتلات في مدارس التفسير والحديث وعلم أصول الفقه وعلم فروعه وعلم أصول الدين وعلم اللغة وسواها” 10.

ويجزم رحمه الله أن كتاب الله عز وجل الذي بين أيدينا وسنة رسوله ﷺ متألقة في الصحائف وفي ضمائرنا، وفيهما الحق كله. ويطرح السؤال الأعظم: كيف نفعل لنترجم الكتاب والسنة برنامجا عمليا يحيي العبد بالإيمان ويحيي الأمة المخاطبة في القرآن بيا أيها الذين آمنوا حتى تلبي هذا الخطاب، وتنفذ ما يأتي بعده في آيات الله من أوامر إلهية تريد منا الطاعة لله والاتباع لرسوله لا الانهزام أمام الطاغوت، تعدنا إن أطعنا الله واتبعنا رسوله أن نكون أئمة الأرض؟ 11.

2.    تراث أئمة التربية والسلوك

اعتمد الإمام ياسين في بعض كتبه خاصة كتاب “الإحسان” على تراث أئمة التربية والسلوك، لا سيما:

أ-الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله 12: الذي نقل عنه الإمام ياسين نصوصا مطولة من كتاب “الفتح الرباني والفيض الرحماني”، منها قوله: “العقلاء النجباء الصديقون قد نُفِخَ في صورهم، وقد أقاموا القيامة على نفوسهم، وأعرضوا عن الدنيا بهممهم، وعبروا الصراط بتصديقهم. وساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة” 13.

ب-الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله 14: الذي استشهد بكلامه في التوازن بين الظاهر والباطن: «لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لُبُّ ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح” 15.

ج-الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله 16: الذي نقل عنه العديد من حكمه المشهورة الآن بحكم ابن عطاء الله التي يلهج كثير من أهل التربية بها وبحفظ كلمات منها خاصة حكمته الشهيرة: «ما حُرموا الوصول إلا بتضييعهم الأصول” 17.

وقد أكد الإمام عبد السلام ياسين على أهمية البعد الأدبي حين قال: “إنما تَرِقُّ القلوب بذكر رقائق الأحاديث وأخبار السلف الصالحين وأذواق أهل التصوف” 18.

واستفاد الإمام ياسين من التراث الحنبلي السلوكي، لا سيما كتابات شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية 19 رحمه الله، وتلميذه الإمام ابن القيم 20 رحمه الله. يقول الإمام: “من قرأ كتب ابن القيم مثل “مدارج السالكين” و”دار الهجرتين” وما فيها من الرقائق وبدائع الوعظ والتذكير والهمسات والزفرات المكتومة ربما أدرك أن في الأمر شيئاً مميِّزاً” 21.

ونقل عن ابن تيمية قوله في أهمية علم الباطن: “علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة” 22.

ولفت الإمام النظر إلى أن من قرأ كتب ابن القيم مثل “مدارج السالكين” و”دار الهجرتين” وما فيها من الرقائق وبدائع الوعظ والتذكير والهمسات والزفرات المكتومة ربما أدرك أن في الأمر شيئا مميِّزا بين العقلانية الصارمة للشيخ ابن تيمية والتلميذ ابن القيم” 23.

ثانيا – الخصائص الأسلوبية للخطاب المنهاجي

1.     البعد الشعري في خطاب الإمام ياسين

أ‌.       النظم الوعظي للإمام ياسين

تميز خطاب الإمام ياسين بحضور شعري لافت، إذ أدرج مقطوعات شعرية أصيلة من نظمه تعبّر عن رؤيته التربوية، والدعوية، والفكرية، والسياسية. ومن أبرز نماذج شعره قوله في ديوانه الشعري “شذرات”:

سَـــــــاعَةُ العُسْــــــــــرَةِ دَقَّــــتْ**  يَا جُـنُـــودَ الله قُـــــــومُــــــــوا

وَأَعِــــــــــــــــدُّوا مَا اسْتَطَعْتُم  **عُـــدَّة الدِّيــــنِ عُــــلُــــــــــــــومُ

عِلْــــمُ قُـــــــــــرآنٍ وَوَحْـــــــي  **عِلْــمُ دُنْـيَــــــا لا تَـــــــــــــــدُومُ 24.

وفي موضع آخر يقول الإمام ياسين مخاطبا العلماء:           

مُحَيَّاكَ يَا عَالِمَ المُسْلِمِينَ   **  سِرَاجٌ وَمَعْلَمَةٌ فِي الطَّرِيقِ

أَنَرْتَ العُقُولَ وَصُغْتَ الفُهُومَ    **  وَحُطْتَ الشَّرِيعَةَ دُونَ المُرُوقِ

رَفَعْتَ نِدَانَا وَصُنْتَ حِمَانَا    **  وَبِالرِفْقِ تُمْسِكُ كَفَّ الغَرِيقِ 25
ويتجلى في شعر الإمام ياسين التوظيف الدعوي الوعظي للقصيدة، حيث يجعل منها وسيلة للتذكير والموعظة والحث على العمل. كما يظهر فيه الجمع بين الحزم والجدية والرقة الروحية؛ فبعد أن نفتح صفحات ديوانه الشعري الوعظي المعنون “المنظومة الوعظية” 26، نغوص في خطاب لا يكتفي بالنصيحة المجردة، بل يتحول إلى دعوة بالكلمة الطيبة تالتي توقظ القلوب وتؤجج وجدان الإنسان. ففي مقدمة هذه المنظومة، يكتب الإمام ياسين بحروف تنبض حبّا لله عز وجل ورسوله ﷺ، وبألفاظ تعبّر عن خضوع النفس لله جل علاه: “الحمد لله الملك الوهاب الحكيم العليم، الفاتح أغلاق الأفئدة الهادي إلى الصراط المستقيم…” 27.

ثم يتقدم الإمام بخطاب ينهل من عمق الفكرة وروح الدين، فلا يدّعي أن منظومته “ترقى إلى مراتب الصنعة الشعرية”، لكنه يعلن نيته أن “يضرب لها بسهم في مضمار الأدب الإسلامي الرافع راية الدعوة بين قوم غافلين” 28.

بهذا الاعتراف المتواضع تكمن قوة جمال خطاب الإمام ياسين؛ الذي ليس ترفا لغويا، وإنما هو وعظ قلبي موزون. بهذا الأسلوب الأدبي الرفيع، يتحول وعظ الإمام ياسين إلى تجربة أدبية روحية، تنقل مستمعها من غفلة المعاش إلى يقظة الإيمان، ومن صخب الحياة إلى سكينة البحث عن معنى، وطلب أعز ما يطلب، وجه الله عز وجل.

يقول رحمه الله: “ينبغي أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة. لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك. وسيلة تربية وكلمة هادفة تأخذ من العصر وسائله، وتروضها وتتزين بزينة الله” 29

كِلْمَةَ الحقِّ حُجَّةَ الشرْعِ قَدِّمْ ** في حِوار الساساتِ بالعزْمِ قُدْتَه

عَبِّئْ المسلمين وابْنِ صُروحاً ** وكلام الوِداد للناس قُلتَه

واغتنِم فُسْحَةَ الحياة وَوَحِّدْ ** أمَّةَ المسلمين صَفّاً لَمَمْتَه

صَلوات الإله تَتْرَى عَلى مَن ** هَدْيَه في الجهاد صدقاً تَبِعْتَه 30.

إن خطاب الإمام ياسين في “المنظومة الوعظية” ليس مجرد وعظ أو نشر لفكرة إنه فن دعوي، خطاب روحي وأدبي في آن، يجمع بين بلاغة اللغة، صدق العاطفة، عمق الفكر، وخشوع النفس.

ب‌.   توظيف الشعر التراثي الأصيل

إلى جانب شعره الأصيل، وظّف الإمام ياسين الشعر التراثي الأصيل الحامل للمعنى في سياقات دعوية متنوعة. فنقل عن شاعر عالم حر، معتز بعلمه، صائن له بالعمل والتقوى، قوله 31:

يقــولـون لي: فيـك انقبــاض وإنمـــــا ** رأوا رجلا عن موقـف الذل أحجمــا 

إذا قيل: هذا مَوْرد، قلت: قد أرى** ولكـن نفـس الحــر تحتمــل الظمــا

ولم أبتـذل في خـدمة العلــم مهجـتي ** لأَخــدُم من لاقـيـت لكـن لأُخْـدَمــا

أأغـــرســه عِـــزا وأجـنـيــــه ذِلـــــةً ** إذاً فاتبــاع الجهـــل كـان أحـزمــا

ولـو أن أهـل العـلم صـانـوه صـانهم ** ولو عـظّـمـــوه في النفــوس لعُـظِّمــا

ولكــن أهـــانـوه فهــــان ودنّـســـــــوا ** محيّــاه بالأطمـــاع حتى تَجَـهَّـمــا 32.

ونقل أبياتا للإمام عبد الله بن المبارك 33 رحمه الله في ذم العالم الذي يغشى مجالس الأمراء ويأكل الدنيا بالدين:

يا جــاعــل العلــــم لــه بــازِيــــــا ** يصطـــاد أمـــوال المســـاكيـن

احتـلـت للـــــدنـيــا ولـــذاتــهـــــا ** بحـيـلـة تــذهــــــب بـالـديـــــــــن

فصـرت مجـنــونـا بهـــــا بعـدمــــــــا ** كــــنـــت دواء للمــجـانـيــــــــن

أيـن روايـــاتــــك فـي ســـردهـــــا ** عـن ابن عــون وابـن سيـرين؟ 34.

وفي قطف من ديوانه الشعري الذي سماه “قطوف” نظم الإمام ياسين واعظا:

أتاك الرسولُ بفَصْلِ الخطابِ ** فقابَلتَهُ بقَبيحِ اعتراضْ

وأهملتَ قُرآن ربِّي الكَرِيمِ ** وأحْكامه ضُنتها في انتقاضْ

ولا غَرْوَ تبْسُط وجْهَكَ لِلِّئا ** مِ وللصالحينَ تُرَى في انقِباضْ

فأنتَ بِقَبْضَتِهِم كَالبَعِيرِ ** تُقيَّدُ أرجُلُهُ بإباضْ

فهَلْ لَكَ في صُحْبةٍ بَرَّةٍ ** بِها من سُقُوطِكَ يُرجَى انتهاضْ؟

تعالَ إلينَا وَكنْ بَيْنَنَا ** تُعِدُّ الحِسابَ لِيومِ التَّقاضْ

صلاتُك ربِّ على المصطفَى ** الحبيبِ طبيبِ القُلُوبِ المِرَاضْ 35.

ج‌.    البعد البلاغي في كتابات الإمام ياسين

تميّز أسلوب الإمام ياسين بثراء بلاغي واضح، يتجلى في:

أ-الصور البيانية: كقوله ناقلا عن الشيخ عبد القادر الجيلاني: “القلب يسافر عن الخلق إلى الخالق، يرى في الطريق الأشياء، يسلم عليها ويجوز. العلماء العمال بعلمهم نوّاب السلفِ وبقية الخلَف. هم مقدمون بين أيديهم يأمرون بالعمران في مدينة الشرع، وينهون عن خرابها (…) وقد مثل الله عز وجل العالم الذي لا يعمل بعلمه بالحمار في قوله: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً[الجمعة، الآية 05]. الأسفار هي كتب العلم. هل ينتفع الحمار بكتب العلم؟ ما يقع على ظهره منها سوى التعب والنصب” 36. وهذه استعارة بديعة تصوّر القلب مسافرا في رحلة روحية إلى مقامات القرب من الله عز وجل.

كما يوظف الإمام ياسين أساليب بلاغية متنوعة تعزز المعنى وتزيد من تأثيره. فيستخدم الاستعارة والتشبيه والجناس والمجاز بالإضافة إلى التكرار الذي يبرز الأهمية الرمزية للمفاهيم ومن ذلك إيراده لنص بديع للإمام عبد القادر الجيلان جاء فيه: “طر إلى الحق بجناحي الكتاب والسنة. ادخل عليه ويدك في يد الرسول ﷺ. اجعله وزيرك ومعلمك. دع يده تزيِّنك وتمشِّطك! وتعرضك علي! هو الحاكم بين الأرواح، المربي للمريدين، جهبذُ المرادين، أمير الصالحين، قَسّام الأحوال والمقامات بينهم، لأن الحق عز وجل فوض له ذلك، جعله أمير الكل. الخِلَع إذا خرجت من عند الملك للجند إنّما تُقسَّم على يد أميرهم. التوحيد عبادة. والشرك بالخلق عادة” 37.

ب- الطباق والمقابلة: كما في قول الإمام الرفاعي الذي أورده الإمام ياسين أيضا: “هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن وما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد” 38.
ج- السجع المتوازن دون تكلف: يحسن الإمام ياسين توظيف السجع المتوازن دون تكلف في كتاباته، مما يضفي على نثره إيقاعا موسيقيا يتناغم مع المعاني دون أن يبدو مصطنعا أو مفرطا في التكلّف. هذا السجع لا يقتصر على تكرار الألفاظ المتشابهة، وإنما يبرز انسجاما بين الجمل والعبارات، مما يجعل النص أكثر سلاسة ومرونة في القراءة. ويظهر الإمام ياسين قدرة على استخدام السجع بشكل طبيعي، بحيث يعزز من جماليات النص ويزيد من قوته البلاغية دون التأثير على وضوح الرسالة أو تناسق المعاني.

ثالثا – البعد التربوي لجماليات الخطاب الأدبي للإمام ياسين

1.     المزاوجة بين العقل والقلب في خطاب الإمام ياسين

أ‌.       مركزية القلب

يولي الإمام ياسين القلب مكانة محورية في الخطاب المنهاجي، باعتباره محل الإيمان والتزكية. يقول الإمام: “إن مجرد العلم بالحلال والحرام ليس له كبير عمل في رقة القلب. وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحاديث وأخبار السلف الصالحين وأذواق أهل التصوف” 39.

ونقل عن الشيخ عبد القادر الجيلاني قوله في وصف أهل القلوب المنورة: “من صحَّ يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعلَ الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه” 40

ب‌.   مكانة العقل

أولى الإمام ياسين العقل مكانة رفيعة في خطابه، لكنه ميّز بين أنواع العقل ووظائفه. يقول ناقلا عن الإمام الرفاعي: «العقل عاقل العلم. لا يتم شرف العلم للمخلوق إلا بالعقل… العاقل من فهم حكمة الدين. بلغنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه أنه قال: كل عقل لم يَحْظَ بالدين فليس بعقل، وكل دين لم يحظ بالعقل فليس بدين” 41.

وقد انتقد الإمام العقلانية المادية الجافة، مميزا بين العقل القرآني الراشد والعقل الفلسفي المتكبر: “العقل القرآني واقف على عتبة القلب، خادم مطيع، سامع لنداء المنادي للإيمان، تائب مستجير بربه عز وجل” 42.

كما يحذر الإمام ياسين مما يسميه “استعمال اللغة العقلانية الثقافية” في تناول الإسلام، أي محاولة تأصيل فكر مادي أو مدني علماني بزعم “حداثة” ثم نسبته إلى الإسلام وهو بعيد عن بيان القرآن، ويعتبر ذلك تلوثا وتحديا أمام الربانية لتعيد العقل المسلم إلى نصابه ليتأصل هذا العقل في القرآن والنبوة والربانية، ثم ينصرف إلى مهماته بمنهاج قُرْآني يستقطب العلوم ويستكمل القوة، لا تستقطبه العقلانية فيصبح خادما في حانوت “الحضارة” يقترح البدائل، وهم عن الآخرة هم غافلون 43.

وفي كتابه المعنون بـ “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” 44[/ref]. يرى الإمام ياسين أن العقل ليس الآلة الفكرية المجردة كما في الاستخدام الشائع، بل هو فعل باطني قلبي مرتبط باليقين والوحي، بينما “عقل المعاش” هو العقل العادي، المنفصل إن لم يُرْبط بالقلب والوحي. هذا التمييز بين عقلين هو محور محنة العقل المسلم في صراعه بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى والعقلانية المادية الصرفة.

2.   الإحسان غاية الغايات

يُعرّف الإمام الإحسان بأنه: “رتبة في الدين ودرجة في التقوى، لها الأهمية القصوى. الإحسان غاية الغايات ومحط نظر ذوي الهمم العالية من الرجال” 45.

وقد بيّن الإمام أن للإحسان ثلاثة معان متكاملة:

أ. الإحسان في العبادة: أن تعبد الله كأنك تراه.

ب. الإحسان إلى الناس: كالوالدين، والأقربين، واليتامى، والمساكين.

ج. إحسان العمل وإتقانه: سواء العمل العبادي أو العادي.

فإلى جانب معاني الإحسان التي يقدمها الإمام عبد السلام ياسين في خطاباته الأدبية، نجد أنه قد أرسى هذا الأساس التربوي في مقام عال. حيث يصبح الإحسان غاية الغايات التي يسعى إليها المسلم الحق، فهو لا يتوقف عند المظاهر السطحية للأعمال، بل يغوص في جوهرها. وقد بيّن الإمام في خطابه أن الإحسان ليس مجرد معنى عائم، وإنما هو درجة رفيعة في سلم التقوى والدين، تتسم بالعمق والسمو. الإحسان هو الصفة التي يتألق بها المؤمن ويصل بها إلى أسمى مراتب الإيمان. هذه الغاية السامية التي جاء الملك المقرب جبريل عليه السلام يعلمنا طلبها في مجلس سيدنا رسول الله ﷺ، ففي الحديث الشريف الذي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي رحمهم الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال رسول الله صلة الله عليه وسلم جوابا عن سؤال جبريل عليه السلام: »… فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك« 46. فالإحسان هو إيقاظ الروح على هذا الوعي العميق بالصلة بالله عز وجل، ليصبح جزءا من كل فعل وكل لحظة في حياة المسلم.

وإلى جانب هذه الرؤية الجمالية، أبدع الإمام ياسين في خطابه الأدبي فرسخ هذه المعاني بأسلوب أدبي رفيع المستوى، حيث وظف اللغة بعناية لتكون أداة للتعبير عن أسمى قيم الدين، ليقدم نموذجا من الإحسان لا في الأفعال فحسب، بل في الكلمة ذاتها. في هذا السياق، يكون خطاب الإمام ياسين ذاته نوعا من الإحسان، بقدرته على تحفيز العقل والوجدان، وتظل مثل هذه الكلمات عميقة الأثر على القلوب، مستحضرة جماليات الأدب الروحي التي ترسخ الأفق العقلي والوجداني في مخاطبة الذات والمجتمع.

إن معاني الإحسان، كما بيّنها الإمام ياسين، ليست قاصرة على مجرد الأداء المادي للعبادات، وإنما هي رحلة في عمق الإيمان، حيث يتحقق الإحسان من خلال تزكية النفس، ومن خلال سعي دائم نحو تقديم الأفضل في كل ما نقوم به، سواء في العبادة أو في التعامل مع الآخرين. وبذلك، يتبين أن الإحسان غاية الغايات، وأصل أصول الجمالية في الحياة اليومية.

خاتمة

يغدو الخطاب المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله لوحة روحانية نابضة، تتداخل فيها أنفاس الشعر بنبض النثر، وتتعانق فيها البلاغة العربية مع مقامات السلوك إلى الله عز وجل، فينشأ خطاب تتسامى فيه الكلمة حتى تكاد تُرى نورا لا حرفا. لقد استمد جماله من منابع القرآن الكريم وسنة سيدنا المصطفى الأمين ﷺ، ومن حكماء وأعلام التربية والسلوك، فتداخلت هذه الموارد لتشكل نسيجا فريدا يفيض انسجاما ورقة.

ولم يكن الجمال في هذا الخطاب ترفا لفظيا ولا تكلفا لغويا، بل كان جسرا يعبر به الإمام إلى القلوب، يوقظها بلطف الشعر، ويرقّقها ببيان جوامع الكلم النبوي؛ خطاب يخاطب العقل بحجته، والقلب بوَرَفه، فيستقيم فيه العلم على ساقي البصيرة والمحبة.

ومع كل هذا الوهج الروحي، ظل الخطاب ممسوكا بزمام الشرع، لا يسمح للباطن أن ينفلت من ضوابط الظاهر، ولا للوجد أن يتقدم على ميزان الحق، ليبقى سلوكا صافيا لا كدر فيه، وصدقا لا يداخله ادعاء.

وهكذا تتجلى فرادة الخطاب المنهاجي للإمام ياسين: جمال يُهذِّب، وبيان يُربِّي، ونور يقود السائر إلى سواء السبيل، إلى مقامات القرب الإلهي؛ خطاب يجعل من الكلمة عبادة، ومن الجمال طريقا إلى الهداية، ومن الإنسان مشروعا للترقي في مدارج الإحسان.


[1] الإمام عبد السلام ياسين (1347-1434هـ/1928-2012م): إمام مجدد، وداعية ومفكر إسلامي مغربي، ومؤسس جماعة “العدل والإحسان” بالمغرب. تميز بمشروعه التغييري القائم على نظرية “المنهاج النبوي” صاغ فيه نظريته للتغيير التربوي والسياسي لإعادة بناء مجد الأمة.
[2] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1 و2. دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية: 1439هـ-2018م. رابط الاطلاع:

https://siraj.net/ar/books/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AC-1/pages/

https://siraj.net/ar/books/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AC-2/pages/


[3]

سراج، مكتبة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله. رابط الاطلاع:

https://siraj.net/
[4] ياسين، عبد السلام، الإحسان، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية: 1439هـ-2018م، ج 1، ص10.
[5] ياسين، عبد السلام، العدل: الإسلاميون والحكم، ج1، ص19.
[6] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج 2، ص16.
[7] ياسين، عبد السلام، حوار مع الفضلاء الديموقراطيين، دار لبنان للطباعة، الطبعة الثانية: 1439هـ / 2018، ص57.
[8] ياسين، عبد السلام، الإسلام والحداثة، دار إقدام للطباعة والنشر، إسطنبول، تركيا، الطبعة الثالثة: 1444هـ/2023م، ص05.
[9] ياسين، عبد السلام، الإحسان، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الثانية: 1439هـ-2018م، ص20.
[10] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج 1، ص23.
[11] ياسين، عبد السلام، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، دار إقدام للطباعة والنشر، إسطنبول، تركيا، الطبعة الخامسة: 1444هـ/2022م، ص05.
[12] الإمام عبد القادر بن أبي صالح عبد الله الجيلاني الحنبلي (471–561هـ): محيي الدين أبو محمد، عالم زاهد، من كبار مشايخ بغداد. وُلد ببلاد جيلان، وبرز في الوعظ والتدريس، واجتمع عليه الخَلْق حتى صار إماما مشهورا. عُمِّر تسعين سنة، ودُفن بمدرسته في بغداد.
[13] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص 14؛ الجيلاني، عبد القادر، الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص93.
[14] الإمام أحمد الرفاعي (512-578 هـ): أحمد بن علي بن يحيى بن ثابت بن الحازم علي أبي الفوارس فقيه شافعي عراقي، من أئمة التربية والسلوك، ويُعرف بلقب “الشيخ الكبير” و”أبو العلمين”، توفي في ذي قار بالعراق.
[15] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1، ص 30، الرفاعي، أحمد، البرهان المؤيد، ص 68.
[16] الإمام ابن عطاء الله السكندري (658-709هـ): تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله الجذامي. فقيه مالكي، من أئمة التربية والسلوك، الملقب بـ”قطب العارفين”، و”ترجمان الواصلين”، و”مرشد السالكين”.بالمدرسة المنصورية في القاهرة.
[17] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص20.
[18] نفسه، ج1، ص11.
[19] الإمام ابن تيمية (661-728هـ): أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحنبلي الدمشقي المشهور بلقب شيخ الإسلام ابن تيمية، فقيه حنبلي ، ومحدِّث ومفسِّر، من أئمة التربية والسلوك، توفي في محنة سجنه في قلعة دمشق وقد بلغ من العمر67 سنة.
[20] الإمام ابن قيم الجوزية (691-751هـ): أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي الدمشقي الحنبلي المعروف باسم ابن قيم الجوزية أو أيضا ابن القيم. فقيه حنبلي ومحدِّث، من أئمة التربية والسلوك. توفي وهو في عمر 60 سنة، ودُفن بمقبرة الباب الصغير بدمشق.
[21] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1، ص10.
[22] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص13؛ ابن تيمية، الفرقان، ص73.
[23] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1، ص10.
[24] ياسين، عبد السلام، ديوان شذرات، ص41.
[25] نفسه، ص 42.
[26] ياسين، عبد السلام، المنظومة الوعظية، رابط الاطلاع:

https://siraj.net/ar/books/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D8%B8%D9%8A%D8%A9
[27] ياسين، عبد السلام، المنظومة الوعظية، ص 3.
[28] نفسه، ص 3.
[29] ياسين، عبد السلام، المنظومة الوعظية، ص 15.
[30] ياسين، عبد السلام، المنظومة الوعظية، ص 79.
[31] الشاعر العباسي علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني، أبو الحسن. قاض من العلماء بالأدب. كثير الرحلات. له شعر حسن. ولد بجرجان وولي قضاءها، ثم قضاء الريّ، فقضاء القضاة. وتوفي بنيسابور، وهو دون السبعين.
[32] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص15.
[33] عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي (118هـ – 181هـ / 736م – 797م) أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، أحد كبار الفقهاء والمحدثين، ومن أئمة التربية والسلوك، ومن أبرز أعلام التابعين في الزهد.
[34] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص21.
[35] ياسين، عبد السلام، ديوان قطوف، ص45.
[36] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص28؛ عبد القادر، الجيلاني، الفتح الرباني والفيض الرحماني، ص: 67.
[37] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص20.
[38] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1، ص30؛ الرفاعي، أحمد، البرهان المؤيد، ص 68.
[39] نفسه، ج1، ص 11.
[40] نفسه، ج2، ص15.
[41] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص27؛ الرفاعي، أحمد، البرهان المؤيد، ص 49.
[42] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج2، ص25.
[43] نفسه، ج1، ص83-84.
[44] ياسين، عبد السلام، محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى، دار لبنان للطباعة، الطبعة الخامسة: 2018. رابط الاطلاع:

https://siraj.net/ar/books/%D9%85%D8%AD%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85 47
[45] ياسين، عبد السلام، الإحسان، ج1، ص 16.
[46] أخرجه مسلم (8)، وأبو داود (4695)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990) واللفظ له، وابن ماجه (63)، وأحمد (367).