ثلاث حقائق لتجنب الفواجع وتدبير المخاطر الطبيعية

Cover Image for ثلاث حقائق لتجنب الفواجع وتدبير المخاطر الطبيعية
نشر بتاريخ

فيضان القصر الكبير، وفاجعة آسفي، وفاجعة معمل النسيج بطنجة، وما يقع اليوم في مشرع بلقصيري، وفي أحياء واسعة وقرى عديدة على مجاري الأنهار في أقاليم العرائش وطنجة وتطوان ليست مفاجئة. وإذا قلنا ذلك، فأول من سيصرخ في وجوهنا هم علماء المناخ والجغرافية. وإلا فما فائدة استضافة قمة المناخ في مراكش COP22، والمشاركة المنتظمة في القمم بعدها، وفي غيرها من مؤتمرات التعمير والتنمية المستدامة، والتربية عليها، وسياسة الماء والتغير المناخي… وأين نحن من أرضيات النموذج التنموي الجديد، وعدد من التزاماته، وتقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وغيرها.

إن الحديث عن نتائج الاحتباس الحراري، والانتقال المناخي، والتربية على التنمية المستدامة، والانخراط في التزاماتها الأممية، ليس ترفا انتقائيا، ولا تقليعة وصيحة موضة نريد أن نبيض وجوهنا بالحديث عنها في المنتديات الدولية، وأمام المؤسسات “المانحة”، وننمق بها خطابنا العلمي والرسمي.

من يدعي أن الكلفة القبلية لهذه الالتزامات، وترجمتها إلى سياسات عمومية مندمجة حقيقية تبدأ من المدرسة وتمر بمختبرات البحث العلمي في الجامعة الوطنية وتنتهي إلى برامج النهوض والإقلاع في سياسات عمومية تعاقدية واضحة، كلفة باهظة، فليجرب الكلفة البعدية؛ خسائر في الأرواح والأرزاق والثروات تتحملها عادة الفئات الهشة والضعيفة. ولولا قيم التآزر والتضامن في المجتمع الأصيلة في ديننا لكانت الفواجع والمواجع أكبر.

ثلاث حقائق، ينبغي أن ندركها جيدا، ونربى عليها الأجيال الحالية، ونترجمها في التزامات قانونية ملزمة. ويتعاقد المجتمع والسلطة بشأنها في إطار تعاقد وطني واضح ومحفز.

الحقيقة 1: الانتقال المناخي واقع

إننا نعيش انتقالا مناخيا قاسيا، يتميز بالتأرجح بشكل عنيف بين طرفي التناقض: الجفاف القاسي من جهة والتساقطات المطرية القوية على شكل عواصف مدمرة أحيانا وبشكل غير منتظم من جهة أخرى.

 وهذه حقيقة ينبغي أن تؤطر الكثير من سياساتنا التدبيرية للتراب والماء وسياساتنا التربوية والتوعوية والاستثمارية والتنموية بشكل عام. هذا، حتى لا نلدغ من الجحر مرات عديدة، ولا نكون كحمار الرحى، المكان الذي ينتقل منه يعود إليه. وحتى لا تتكرر مآسينا وفواجعنا.

الحقيقة 2: السياسة الاستباقية للمخاطر الطبيعية واجب آني وليس شعارات للاستهلاك

فكما ينبغي أن ندبر ندرة الماء، ينبغي أن ندبر عدم انتظام التساقطات الكثيفة وعنفوانها، وندبر عدم التوازن في هذه التساقطات على مجموع الخريطة الوطنية. ومن المهم مسابقة الزمن في تسريع ما تأخرنا فيه مبادرة أو إيقاعا. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ توسيع مشاريع تحلية ماء البحر، ومشاريع معالجة المياه العادمة، والتخلي عن الفلاحة التصديرية المنهكة للفرشة المائية، وبناء سدود من الجيل الجديد وتحديث القائم منها، ومعالجة ظاهرة توحلها، ومد الطرق السيارة بين الأحواض المائية الكبرى، واعتماد التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في توقع وتدبير المخاطر بشكل استباقي في السدود والأحواض المائية لضمان حسن التصرف بفاعلية ونجاعة أكبر، وتحديد خرائط المخاطر، والتربية والتكوين على حسن التخطيط لها محليا ووطنيا، وحسن تنزيل ذلك وتتبعه، وإشراك الجماعات الترابية، وتفعيل الصناديق المحدثة للكوارث والمخاطر بشكل شفاف ومسؤول، ودعم البحث العلمي في هذا الباب، ودعم برامج التربية على التنمية المستدامة وفي قلبها التربية البيئية والمناخية، وعلى حسن التصرف لحظة الكوارث.

الحقيقة 3: سياسة المدينة والتعمير ينخرها الفساد وكثرة الاختلالات

لا يعقل أن يتم الترخيص لمشاريع التعمير وشركات الاستثمار في البناء في أراضي على مجاري الأنهار والأودية، ولا يمكن التساهل في سوء تدبير التوسع العمراني ببنيات تحتية هشة وغير لائقة، والتطاول على المجال الفلاحي غير الصالح للبناء الحضري، وإغلاق مجاري المياه والسيول في المجال الحضري؛ إما بالبناء فيها، أو بالإهمال وعدم التحديث والتوسيع، أو بعدم تعهدها بالتنظيف والعناية. ولا يعقل التهاون في عدم احترام معايير السلامة الضرورية في البناء والتعمير. إن المسؤولية هنا مشتركة بين الدولة والجماعات الترابية أساسا بحكم السلطة، ومع المستثمرين والمواطنين عطفا.

بعد كل هذا نتحدث عن التدابير البعدية، من تدخل الوقاية المدنية، وإجلاء الساكنة، والإسعاف، وتوفير السكن المؤقت، والتعويض على الأضرار وغيرها. وأهمية هذه التدابير تكمن في كونها تكميلية وتصحيحية للتدابير الوقائية الاستباقية. وهذه وحدها غير كافية بل هي ترقيعية واستنزافية ومغامرات بحياة المواطنين.

نحن الآن في خضم فيضانات القصر الكبير، ومشرع بلقصيري، وعدد من أحياء مدن وقرى الشمال والغرب، والواجب يقتضي الآن المسارعة إلى التضامن والتآزر والمواساة حتى تمر هذه الظروف الصعبة بأقل الخسائر ونتجنب الكارثة، ونخفف المعاناة.

وعلى الدولة أن تعلن هذه المناطق مناطق منكوبة بالنظر لحجم الأضرار والخسائر، ومن أجل تسخير المقدرات لمعالجة الوضع بشكل استباقي حتى لا نجد أنفسنا أمام نفس المشكل السنة المقبلة.

ثم لابد عاجلا غير آجل من تسطير استراتيجية وطنية تعاقدية مندمجة تؤطر ما تحدثنا عنه من سياسة تدبير الماء والتراب والتعمير والاستثمار في ظل مخاطر الانتقال المناخي الذي يهددنا.

وقبل كل هذا وبعده لابد من الدعاء والتضرع للمولى سبحانه وتعالى أن يرحمنا بما ينفعنا، وأن يرفع عنا ما يضرنا استنانا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصلي للاستسقاء كما يدعو للاستصحاء، والمسارعة إلى التوبة الجماعية إلى الله، والتبرؤ مما فعل السفهاء منا. ولقد كان هذا دأب المغاربة على القرون والعقود.