مقدمة
تتبوأ الأسرة مكانة ريادية في النسيج المجتمعي، باعتبارها النواة الأولى والخلية الأساسية التي يقوم عليها كيان الدولة والمجتمع؛ وهو ما دفع الشريعة الإسلامية الغراء إلى إحاطتها بعناية بالغة عبر تنظيم أحكام الزواج والطلاق والوصية والميراث. وتناغما مع هذه المرجعية، كرس الدستور المغربي في فصله الثاني والثلاثين (32) هذا المبدأ بنصه على أن الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع.
ويُعدّ النسب أحد أهم الدعائم التي تقوم عليها مؤسسة الأسرة، لما يمثله من رابطة إنسانية وشرعية تحفظ تماسكها وتصون كيانها، وتُرسّخ معاني الرحمة والمودة والتكافل بين أفرادها. ومن هذا المنطلق، حرصت مدونة الأسرة المغربية على حماية الأنساب وصيانتها من كل ما قد يؤدي إلى اختلاطها، مع مراعاة مصلحة الأطفال وضمان حقوقهم. وفي هذا السياق، جاءت المادة 156 لتُوسّع من وسائل إثبات النسب في حالة حدوث حمل أثناء فترة الخطبة متى توافرت، ولئن كان هذا التوسع يهدف إلى معالجة بعض الأوضاع الاجتماعية والحد من ضياع حقوق الأطفال، غير أنه أثار نقاشا فقهيا وقانونيا حول حدوده وآثاره، خشية أن يفضي إلى اتخاذ الخطبة ذريعة أو غطاء لعلاقات تقع خارج إطار مؤسسة الزواج، الأمر الذي دفع عددا من الفقهاء والباحثين إلى التأكيد على ضرورة الاحتراز في تطبيق هذه المقتضيات بما يحقق التوازن بين حفظ الحقوق وصيانة الأنساب.
وعليه؛ فإن هذه الورقة البحثية تتحرى تدارس إشكالية ثبوت النسب في مدونة الأسرة من خلال محورين رئيسيين: الأصول الشرعية لحفظ النسب وموقف المشرع، ثم القراءة النقدية للمادة 156 من المدونة في ضوء فقه الذرائع والمصلحة.
أولاً: التأصيل الشرعي لحفظ النسب وموقف المشرع المغربي
أجمع جمهور العلماء على أن حفظ النسب يُعدُّ أحد الكليات الخمس والمقاصد العليا التي تبنى عليها الأسرة وتستقيم بها الحياة الاجتماعية؛ فالمنهج الإسلامي يتميز بصرامته في ضمان نقاء الأنساب ورفع الشكوك حولها. وفي مقابل تشجيعه على الطرق الشرعية لتثبيت النسب، حرص الإسلام على سد كل الذرائع المؤدية إلى اختلاطه، فحرَّم الزنا والتبني والخلوة غير الشرعية، وشرع الحدود زجرا للمعتدين.
وتتحدد الأسباب الشرعية لثبوت النسب -كما قررها الفقه الإسلامي وصاغتها المدونة- في ثلاثة مجالات رئيسية:
الزواج الشرعي: القائم على قواعده وضوابطه وشروطه وانتفاء موانعه.
الزواج الفاسد: الذي اختل فيه أحد الشروط.
الوطء بشبهة: حيث ظل المشرع المغربي في هذا السياق متوافقا مع موقف الفقه الإسلامي المالكي. وذلك راجع إلى الإعمال العقلي والمنطقي لمقاصد هذا الفقه الذي أثبت صلاحيته لكل زمان ومكان. إذ يراعي هذا التوجه بالدرجة الأولى مصلحة الفرد والمجتمع من خلال:
مصلحة الطفل: بلحوق نسبه إلى أبيه أولا، ثم صيانة هذا النسب طوال حياته.
مصلحة المرأة: الحفاظ على شرف المرأة الحامل (سواء كانت متزوجة أو مخطوبة)، وتجنيب وليدها عار ومذلة “ابن الزنا”.
مصلحة الرجل: تمكينه من حفظ شرفه ونسب أجداده في ولده، داخل إطار نظام شرعي مهيكل هو “مؤسسة الزواج”.
ثانيا: المادة 156 من مدونة الأسرة ومقاربة فقه الذرائع
لقد ظهر توجه المشرع المغربي نحو تيسير لحوق الأنساب وحماية الأطفال من التشرد والضياع (وهي مصلحة معتبرة شرعا) بشكل جلي في مقتضيات المادة 156 من مدونة الأسرة، والتي فتحت المجال لإثبات النسب في حالة حدوث حمل خلال فترة الخطبة. غير أن هذه المادة أثارت نقاشا فقهيا وقانونيا واسعا يعيد مسألة “المصلحة” و”سد الذرائع” إلى واجهة التحليل.
1. الإشكال المقاصدي في تطبيق المصلحة
يرى بعض الفقهاء والباحثين -ومنهم الدكتور محمد الكشبور- أن “المصلحة” المقررة في المادة 156 تستدعي فحصا دقيقا؛ فالأصل في المصلحة ألا تناقض نصا صريحا، ولا دليلا قاطعا، ولا إجماع أمة. ويجب بالضرورة النظر في مآلات الأفعال؛ فرب مصلحة فرعية متوخاة قد يترتب عليها من الأضرار والمفاسد العامة ما لا يعد ولا يحصى.
2. ضوابط فتح الذرائع وإشكالية المادة 156
إن توسل المدونة بالقوة القاهرة أو الشروط المصاحبة لفترة الخطبة لإثبات نسب الحمل الحاصل فيها يُعد من باب “فتح الذرائع”، وهو أصل فقهي محكوم بضوابط صارمة لا يجوز اختراقها، وأبرزها:
– أن تكون الغاية معتبرة شرعا.
– أن تكون الوسائل قريبة من جنس الوسائل المأذون بها شرعا (فلا يستساغ الإقدام على وسائل ممنوعة لا تقارب المأذون به).
– أن تكون الغاية أعظم من الوسيلة في نظر الشارع، فلا يسوغ التنازل عن محرم لأجل مندوب.
– ألا ينهى الشارع عن الوسيلة حال تحقيقها لغايتها لأمر خارجي.
– أن تكون المصلحة دينية لا دنيوية محضة، إذ لا يصح اختراق حجب المحرمات بدعوى الغايات النبيلة.
بناء على هذه الضوابط، يرى الاتجاه النقدي أن فتح باب لحوق الأنساب دون تدقيق صارم في شرعية الأصل والمنشأ قد يشكل ضربا لقواعد الشريعة. إذ يتخوف الباحثون من أن تتحول المادة 156 إلى ملاذ آمن يفتح الباب لكل من وقع في الفاحشة لطلب إلحاق الأبناء، مما يمثل تشجيعا ضمنيا لاستباحة العلاقات غير الشرعية تحت غطاء شروط مرنة (كالقوة القاهرة)، وهو ما يتضارب مع نصوص شرعية قطعية أكد عليها الفقه الإسلامي.
ثالثا: المقاربات البديلة لمعالجة أزمات الخطوبة المعاصرة
في إطار البحث عن حلول واقعية تقي الشباب من الوقوع في الشبهات والمحظورات الناتجة عن طول فترة الخطبة -والتي أصبحت ظاهرة عامة فرضتها أزمات السكن والظروف الاقتصادية الصعبة في المجتمعات المعاصرة- يقدم الدكتور عبد الحليم أبو شقة في كتابه “تحرير المرأة في عصر الرسالة” مقترحا بديلا وعمليا.
ينص المقترح على إمكانية إتمام الزفاف والاقتران الشرعي بين الزوجين مع بقاء كل منهما في بيت أهله (نظرا لعدم القدرة على توفير مسكن مستقل أو عدم قدرة الأهل على استضافتهما معا)، على أن يلتقيا في عطلة نهاية الأسبوع في مكان مناسب تتسع له ظروفهما. وضمانا لنجاح هذا المقترح، تم رسم ضوابط وشروط محددة:
– أن يقوم الزوج بعمل مهني يدر دخلا، وحبذا لو توفر ذلك للزوجة أيضا.
– حرص الزوجين على تأجيل الإنجاب في هذه المرحلة، إلا إذا كانت ظروف أهل الطرفين تسمح برعاية الطفل القادم.
وتتجلى القيمة التشريعية والاجتماعية لهذا المقترح في:
– إضفاء الطابع الشرعي على الاتصال بين الزوجين والابتعاد عن الشبهات والخلوة المحرمة.
– الحفاظ على أنساب الأبناء وحسن نشأتهم وفق قواعد الشريعة.
– الحفاظ على نقاوة المجتمع والحد من مشاكل الاختلاط والزنا والمخادنة تحت مسميات ومفاهيم معاصرة جوفاء.
خاتمة
تأسيسا على ما تقدم، يتضح أن مدونة الأسرة المغربية حاولت الموازنة بين مصلحة الطفل المتمثلة في التمتع بنسب مستقر ودفء أسري، وبين صيانة المجتمع من مظاهر التحلل وفوضى الأنساب. وإذا كان التوجه نحو اللحوق أمرا محمودا وتشهد له مقاصد الشريعة بالاعتبار، فإن تفعيل مقتضيات المادة 156 يجب أن يظل محاطا بضمانات صارمة وتفسيرات قضائية ضيقة لا تسمح بجعل الخطبة غطاء للعلاقات خارج إطار الزواج. فالوقوف عند حدود الله واستحضار الرقابة الذاتية والشرعية، والبحث عن حلول تيسر الزواج الحقيقي، عوضا عن تبرير العلاقات الفضفاضة، يظل هو الضامن الأوحد لحماية الأسرة ونقاء المجتمع.
المراجع
– مجلة الباحث للدراسات والأبحاث القانونية والقضائية، العدد 40، شهر مارس 2022.
– اجتهادات مدونة الأسرة – دراسة وتأصيل، د. محمد توفيق الرقبي.
– الوسيط في شرح مدونة الأسرة، د. محمد الكشبور، ج 2، ص 369.
– فتح الذرائع أدلته وضوابطه، أفلح بن أحمد الخليلي، ص 8-10، أبحاث وقائع المؤتمر العام 22 – سلطنة عمان.
– كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، عبد الحليم أبو شقة.