تقرير رسمي يرصد اختلالات “القدرة الشرائية”.. والدكتور بن مسعود يعلق: وجه من وجوه الإقصاء الاجتماعي

Cover Image for تقرير رسمي يرصد اختلالات “القدرة الشرائية”.. والدكتور بن مسعود يعلق: وجه من وجوه الإقصاء الاجتماعي
نشر بتاريخ

لفت الدكتور محمد بن مسعود، الكاتب العام للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، إلى أن القدرة الشرائية للمواطنين المغاربة تواصل تآكلها سنة بعد أخرى، معتبرا ذلك وجها من وجوه الإقصاء الاجتماعي وغياب العدالة الاجتماعية.

ارتفاع تراكمي للأسعار يثقل كاهل الأسر المغربية

ورغم تراجع معدل التضخم السنوي في المغرب إلى 0.8 في المائة خلال سنة 2025، وفق التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للسنة ذاتها، إلا أن هذا المؤشر لا يعكس بالضرورة انفراجا في الأوضاع المعيشية، إذ يكشف التقرير أن المستوى العام للأسعار لا يزال أعلى بأكثر من 15 في المائة مقارنة بسنة 2021، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بحوالي 27 في المائة خلال الفترة نفسها، وهو ما يعني أن تباطؤ وتيرة التضخم لم يُلغِ الآثار المتراكمة للارتفاعات السابقة، التي ما تزال تثقل كاهل الأسر المغربية.

وفي تعليقه على هذه المعطيات، أكد الدكتور بن مسعود أن هذه الأرقام تؤكد ما يعيشه المواطن المغربي يوميا من معاناة مع شظف العيش، وتنسف الخطاب الرسمي الذي يوحي بأن الأزمة أصبحت وراءنا، مضيفا أن تراجع معدل التضخم لا يعني شيئا بالنسبة للأسر التي استقرت الأسعار بالنسبة إليها عند مستويات ملتهبة، بينما بقيت الأجور جامدة.

استمرار الارتفاع التراكمي في الأسعار، أبقى الضغط قائما على القدرة الشرائية، والتي اكتوت بنيرانها فئات واسعة من أبناء الشعب المغربي في هذه الفترة الممتدة على 5 سنوات، وقد أكد تقرير المجلس ذلك وأعزاه إلى ضعف التدابير الموضوعة من قبل السلطات العمومية للتخفيف من انعكاساته. ومن هذا المنطلق، دعا إلى مراجعة فعالية آليات دعم القدرة الشرائية، ليس فقط عبر توسيع أثرها، وإنما أيضا من خلال إصلاح مسالك التوزيع والتسويق للحد من مظاهر الريع، وتشديد الرقابة على الممارسات المخلة بالمنافسة، مع ضمان تتبع استخدام الدعم العمومي حتى يصل أثره الحقيقي إلى الفئات المستهدفة.

وفي ملف التشغيل، يؤكد التقرير أن معدل البطالة، بلغ 13 في المائة، وهذا الرقم إن سلمنا به في الواقع، فإنه لا يخفي استمرار الاختلالات البنيوية التي تطبع سوق الشغل، خاصة لدى الشباب المتراوحة أعمارهم ﺑيــن 15 و24 ﺳــﻨﺔ (37.2) وحاملي الشهادات (19.1) والنساء (20.5). حيث إن المؤشرات، بحسب المجلس، تكشف أن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بعدد فرص العمل، بل بطبيعة هذه الفرص واستدامتها.

ويستدل التقرير نفسه على ذلك باستمرار هشاشة الإدماج المهني، من خلال ارتفاع نسبة طالبي الشغل لأول مرة ضمن مجموع العاطلين، إلى جانب امتداد متوسط مدة البطالة إلى نحو 33 شهرا، بما يعكس صعوبة الاندماج في سوق العمل وطول فترة الانتظار للحصول على فرصة شغل.

46 في المائة من الأجراء يشتغلون دون عقود عمل مكتوبة

كما يلفت المجلس إلى أن جودة التشغيل تظل أحد أبرز مكامن الخلل، إذ إن نحو 46 في المائة من الأجراء يشتغلون دون عقود عمل مكتوبة، فيما تظل نسبة كبيرة من الوظائف مرتبطة بمستويات تأهيل محدودة، الأمر الذي يحد من الاستقرار المهني ويضعف فرص تحسين الإنتاجية والدخل.

 وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب العام للقطاع النقابي للعدل والإحسان أن التقرير يقر، بلغة الأرقام، بأن الاختلال لم يعد ظرفيا وإنما بنيويا، وأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة عاجزة عن تحويل النمو، الذي يستفيد ثماره من الرأسمال، إلى فرص شغل لائقة تضمن الكرامة والاستقرار، وهو ما يفسر اتساع دائرة الهشاشة والفقر، واستمرار فقدان الثقة في قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات الشباب والفئات الشغيلة. كما أن الدولة لا تحمي الشغيلة من الاستغلال بعيدا عن شعارات الدولة الاجتماعية التي ترفعها.

ويعتبر التقرير أن أول التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني يتمثل في ضعف قدرة النمو الاقتصادي على خلق فرص الشغل بالوتيرة المطلوبة، إذ إن المغرب استثمر خلال 2021–2025 نحو1.704  مليار درهم مقابل إحداث حوالي 400 ألف منصب شغل صافٍ فقط، وهو الرقم الذي يطرح أكثر من علامة استفهام. فبالرغم من التقدم المزهوم في مجالي الاستثمار والتصنيع، فإن أثرهما على سوق العمل لا يزال محدودا.

أما التحدي الثاني، فيتعلق ببنية النسيج الإنتاجي نفسها، التي يصفها التقرير بأنها متشتتة؛ إذ تتعايش فئة محدودة من المقاولات الكبرى والمتوسطة المندمجة في سلاسل القيمة العالمية مع أغلبية من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى ومتناهية الصغر، التي تواجه عراقيل متعددة، من بينها آجال الأداء، وصعوبة الولوج إلى الصفقات العمومية والعقار، وتعقيد المساطر الجبائية. ويضاف إلى ذلك استمرار حضور قطاع غير مهيكل منخفض الإنتاجية يساهم بحوالي 13.6 في المائة من القيمة المضافة غير الفلاحية.

الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى للدولة في حاجة إلى مراجعة

ويبرز المجلس أن هذه البنية تحد من مكاسب الإنتاجية وتضعف الأثر الامتدادي للنمو الاقتصادي، ما يفرض، بحسب التقرير، تعزيز المحتوى المحلي، وإدماج المقاولات الصغيرة في سلاسل القيمة، وتحسين مناخ الأعمال بما يسمح بتوسيع قاعدة الاستفادة من دينامية الاستثمار.

وعلى المستوى المجالي، يبرز التقرير أن التفاوتات الترابية لا تزال تمثل تحديا مركزيا أمام تحقيق تنمية أكثر توازنا، في ظل استمرار التركز الجغرافي للنشاط الاقتصادي، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على نحو 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل استمرار الفوارق في مستويات الثروة والهشاشة بين مختلف المناطق.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تقليص الفوارق المجالية لم يعد مجرد خيار تنموي، بل يمثل مدخلا أساسيا لتثمين المؤهلات الجهوية، وتوسيع فرص الولوج إلى الأنشطة الاقتصادية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة لثمار النمو بين مختلف الجهات.

 وختم الكاتب العام للقطاع النقابي للعدل والإحسان تصريحه بالتأكيد على أن ما يورده التقرير يعزز الحاجة إلى مراجعة عميقة للاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى للدولة، والقطع مع منطق الاكتفاء بتدبير الأزمات بشكل انتقائي، والانتقال إلى سياسات عمومية مندمجة تجعل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتوزيع العادل للثروة في صلب نموذج تنموي ديموقراطي مستدام، بما يضمن أن تنعكس ثمار النمو على عموم المواطنين لا على فئات محدودة منهم، ودوننا وهذا الأفق نضال موحد لتحقيق التغيير المنشود.