تفقير المغاربة انتهاك جسيم لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية

Cover Image for تفقير المغاربة انتهاك جسيم لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية
نشر بتاريخ
محمد النويني
محمد النويني

تحتفي الأسرة الدولية سنويا في السابع عشر من أكتوبر “باليوم الأممي للقضاء على الفقر” وذلك بغية إذكاء الوعي العام بخصوص هاته الظاهرة الاجتماعية ومسبباتها وأبعادها والإجراءات الممكن اتخاذها للحد من تداعياتها، وتجدر الإشارة إلى أنه لم يعد يقصد بالفقر ذلك المفهوم الاقتصادي الضيق الذي يرتكز على المقدرة المالية للأفراد والأسر، بل أصبح مفهومه متعدد الدلالات والأبعاد، حيث عرفته الأمم المتحدة بأنه، ظرف إنساني يتسم بالحرمان المستدام أو المزمن، من الموارد والمقدرات والخيرات والأمن والقوة الضرورية، للتمتع بمستوى لائق للحياة وغيرها من الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وللحد من ظاهرة الفقر نصت الأمم المتحدة في المادة 25 من إعلانها العالمي لحقوق الإنسان على أنه، “لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وعلى صعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق في ما يؤمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه”.

إلا أنه برجوعنا إلى آخر التقارير الأممية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2022، نجده يصنف المغرب بناء على مؤشر التنمية في ذيلية المراتب، حيث احتل في المشاركة الاقتصادية والفرص على المرتبة 139 وفي مؤشر التحصيل العلمي المرتبة 114، وفي مؤشر الصحة والبقاء على قيد الحياة المرتبة131.

ولعل ما يؤكد هذه التقارير الدولية هو تنامي الحراك الاجتماعي والاحتجاجي بالمغرب خلال العشرية الأخيرة التي انطلقت مع حراك 20 فبراير سنة 2011، واستمرت في موجة ثانية مع حراك الريف، زاكورة، جرادة، الفنيدق، أزمور… وغيرها من المدن والأرياف التي تعاني من الفقر والبطالة والجوع والعطش.

هذا الوضع المتردي جعل الدولة تخالف وتناقض ما التزمت به اتجاه مواطنيها في الفصل 31 من دستور 2011 الذي ينص على ما يلي: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات، على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحية، الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة، الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، التنشئة على التشبث بالهوية المغربية والثوابت الوطنية الراسخة، التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية، السكن اللائق، الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أوفي التشغيل الذاتي، ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق، الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة، التنمية المستدامة”.

وبرجوعنا إلى لغة الأرقام الرسمية نجد أن كل ما تعهدت به الدولة في الفصل أعلاه لم تلتزم به، حيث أكد وزير الداخلية لفتيت خلال كلمته بمناسبة الدورة الثانية للمناظرة الوطنية للمبادرة البشرية، أن 70 في المائة من التلاميذ المغاربة يواجهون صعوبات في القراءة والكتابة والرياضيات، إضافة إلى أن 28 في المئة من التلاميذ من الفئة العمرية ما بين 12 و 14 سنة منقطعون عن الدراسة، وهذا يخالف أيضا الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 32 من الدستور المغربي الذي ينص على أن “التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة”.

أما بخصوص قطاع الصحة فحسب تقرير صادر عن اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي لسنة 2021 فإن، المغرب يحتل المرتبة 112 من ضمن 195 بلدا فيما يتعلق بمؤشر الولوج إلى الخدمات الصحية وجودتها، مشيرا إلى أن الولوج إليها يبقى صعبا، خاصة في الأرياف، علاوة على كونه مكلفا ويتطلب وقتا طويلا، وأن التكلفة الفعلية التي يتحملها المواطنون تبقى مرتفعة جدا، إذ تتحمل الأسر ما يفوق 50 بالمئة من مجموع النفقات المرتبطة بالخدمات الصحية.

وإذا كان الفصل 31 من الدستور المغربي يتحدث عن ولوج الوظيفة العمومية حسب الاستحقاق، فقد قامت الدولة خلال سنة 2017 وما يليها، بشن حملة إعفاءات ظالمة طالت أزيد من 150 موظفا موزعين على عدد من القطاعات الحكومية بسبب انتمائهم السياسي أو نشاطهم النقابي، كما عمدت إلى ترسيب العشرات من الأساتذة المتدربين والمئات من الاساتذة المتعاقدين، ناهيك عن انتهاج الدولة لسياسة تجميد الأجور والرفع من الاسعار وضرب القدرات الشرائية للمواطنين والتخلص من الخدمات الأساسية وتقليص الغلاف المالي المرصود للوظيفة العمومية واعتماد التوظيف بموجب عقود محددة المدة.

وعلى الرغم من كون الفقرة الأخيرة من الفصل 31 من دستور 2011 تتحدث عن حق المواطنين المغاربة في الحصول على الماء، فإن مأساة ساكنة مدينة زاكورة تعري الحقيقة البشعة لهذا المقتضى الدستوري بحيث ما زال المغاربة يناضلون من أجل قطرات ماء ليرووا به عطشهم، فكان مصير متزعمي تلك الاحتجاجات 20 شهرا حبسا لمشاركتهم في مسيرة العطش.

أما عن الجوع فيكفي أن نورد مأساة 15 امرأة مغربية لقين حتفهن، بينما أصيبت خمس أخريات بإصابات متفاوتة الخطورة خلال ماي من سنة 2017، على إثر تدافع للألاف أثناء عملية توزيع مساعدات غذائية نظمتها جمعية محلية بالسوق الأسبوعي لجماعة سيدي بولعلام التي تبعد بنحو 60 كلم شمال شرق مدينة الصويرة غربي المغرب، مما جعل الدولة تتناقض مع مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 35 من الدستور التي تنص على أن: “الدولة تسهر على ضمان تكافؤ الفرص للجميع والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا”، كذلك يخالف مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 42 من ذات الدستور التي تنص على أنه: “يحدث أيضا صندوق للتضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها”.

أمام كل هذه المعطيات لا نملك للأسف إلا أن نعلن عن خلاصة مفادها أن المغرب يوجد في مفترق الطرق، وأن ظاهرة الفقر والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تنخر كل مؤسساته وقطاعاته الحيوية، مما يتنافى مع أهم وأولى المبادئ الأساسية التي دبج بها دستور 2011 والتي تقول: بأن “المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديموقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة”.

أيضا يتنافى مع مبادئ وروح العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي رسمها الفاروق الثاني عمر بن عبد العزيز الذي كان يحترم حقوق الإنسان، وذوي الاحتياجات الخاصة، فقد جعل للمرضى خدما يقومون على راحتهم، وعين لكل خمسة أيتام خادما، وعين لكل أعمى خادما يعينه ويقضي حاجته، وهو من نادى في المسلمين، من كانت عليه أمانة وعجز عن أدائها فلتؤدَّ عنه من بيت مال المسلمين، من كان عليه دين وعجز عن سداده فسداد دينه من بيت مال المسلمين، من أراد من الشباب أن يتزوج وعجز عن الصداق فصداقه من بيت مال المسلمين، من أراد من المسلمين أن يحج وعجز عن النفقة فليعطَ النفقة من بيت مال المسلمين، وما من يوم إلا وينادي المنادي من قبل عمر: أين الفقراء، أين اليتامى، أين الأرامل، أين المساكين، حتى قيل عجزت الجزيرة العربية أن تلد فقيرا تصرف له الصدقة في عهد حكمه رضي الله عنه، بل أمر بأن تخصص مبالغ مالية من بيت مال المسلمين تصرف لنثر الحبوب بالجبال لإطعام الطيور وقت سقوط الثلوج بقوله: ”أنثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين”.