تفسير آية: “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ”

Cover Image for تفسير آية: “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ”
نشر بتاريخ

مقدمة

لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ [آل عمران: 92].

تضعنا هذه الآية الكريمة أمام معيار إلهي دقيق يربط بين صدق الإيمان وصدق البذل، إذ لا يتحقق مقام البر إلا عندما يتجاوز الإنسان مجرد العطاء السهل إلى التضحية بما تحبه النفس وتتعلق به.

إن الوصول إلى هذا المقام ليس أمرا بسيطا، بل هو مسار تربوي عميق يقوم على تزكية النفس ومجاهدتها، مما يفتح باب التساؤل حول حقيقة البر، وكيف يتحول الإنفاق إلى وسيلة لبناء الإنسان إيمانيا وأخلاقيا.

البر منظومة إيمانية شاملة

البر في التصور القرآني ليس مجرد أعمال منفصلة أو شعائر محدودة، بل هو منظومة متكاملة تشمل الإيمان العميق والسلوك العملي والاستقامة في الحياة.

وفي هذا الإطار يقدّم الإمام عبد السلام ياسين تصورا واسعا للبر، حيث يقول: “البر سلوك متماسك، أخلاقي ديني اقتصادي اجتماعي، في البأساء والضراء وحين البأس، باعثُهُ الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين” 1.

هذا التصور يجعل البر مشروع حياة كامل، لا ينفصل فيه الجانب الروحي عن الاجتماعي ولا الأخلاقي عن الاقتصادي، بل يتداخل فيها كل ذلك في انسجام واحد.

الإنفاق كاختبار للتحرر من التعلق

تأتي الآية لتجعل من الإنفاق معيارا للترقي الإيماني، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى التملك والتعلق بما يحب.

وفي هذا السياق يقول الإمام: “البر تخلص من الشح بإيتاء المال، رغم حب المال تلك المحبة الهامشية التي تبقى عالقة بجوانب نفس المؤمن، لا تتلاشى وتضمحل إلا في نفس المحسنين الذين سكن حب الله والتوكل على الله كيانهم حتى لم يعد فيها مكان لحب غيره” 2.

يتضح من هذا أن الإنفاق ليس خسارة مادية، بل هو تحرر داخلي من سلطة الشح، وتربية للنفس على تقديم رضا الله على رغباتها.

وفي هذا المعنى قال رسول الله ﷺ: «البر حسن الخلق» 3.

كما قال ﷺ: «إنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنة» 4.

ويظهر هذا المعنى جليا في موقف الصحابي أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، حين نزلت الآية فذهب إلى النبي ﷺ وقال: إن أحب أموالي إليّ “لبيرحاء”، فأجعلها في سبيل الله. فقال له النبي ﷺ: «بَخٍ، ذاك مال رابح»، وأمره أن يضعه في أقاربه، فكان مثالا عمليا للإنفاق مما يُحب الإنسان 5.

الإنفاق وبناء النفس الإيمانية

الإنفاق في الإسلام ليس فعلًا اقتصاديًا فقط، بل هو عملية بناء داخلي للنفس، حيث يتدرّب الإنسان على كسر أنانية التملك وتنمية روح العطاء.

فكلما أعطى الإنسان مما يحب، ارتقى في درجات الإيمان، وتحوّل العطاء عنده من مجاهدة إلى خلق ثابت وسلوك طبيعي.

ومن هنا يصبح الإنفاق مدرسة تربوية يومية تعلّم الإنسان كيف يتحرر من عبودية المال إلى عبودية الله.

البر بين الفرد والمجتمع

لا يقتصر أثر البر على الفرد فقط، بل يمتد إلى المجتمع، إذ يسهم في بناء التكافل والتضامن الاجتماعي.

فحين يتحقق الإنفاق الحقيقي، تزول الفوارق الحادة بين الطبقات، وتنتشر روح الرحمة والإيثار، مما يجعل المجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا.

البعد التربوي للآية

في المنظور التربوي الذي يقدّمه الإمام عبد السلام ياسين، تكشف هذه الآية عن منهج عميق في بناء الإنسان المؤمن، يقوم على تزكية النفس عبر مجاهدة التعلّق بالدنيا وكسر سلطان الشح داخلها. فالإنفاق مما يحبّه الإنسان ليس مجرد عمل خيري، بل هو تربية عملية للقلب على التحرر من عبودية المال، وترسيخ عبودية الله وحده. فكلما تعلّم المؤمن أن يقدّم ما تهواه نفسه ابتغاء وجه الله، ازداد صفاؤه الداخلي وتعمّق إيمانه، وانتقل من مجرد أداء العبادات إلى مقام الإحسان الذي يصبح فيه البذل سلوكًا طبيعيًا نابعًا من امتلاء القلب بحب الله والتوكل عليه. وبذلك يتحول الإنفاق إلى مدرسة إيمانية يومية تُهذّب النفس، وتبني الإنسان المتوازن القادر على العطاء في كل الظروف، بعيدًا عن الأنانية والتعلق بالدنيا.

في ختام هذه القراءة يتبيّن أن قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتّىٰ تُنفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ﴾ ليس مجرد توجيه إلى فعل الصدقة، بل هو دعوة لبناء إنسان جديد تتزكى فيه النفس ويتعمق فيه الإيمان. فالبر، كما اتضح، ليس لحظة عابرة من العطاء، بل هو مسار متكامل يقوم على الإيمان الصادق، ومجاهدة الشح، وتحرير القلب من التعلق بالدنيا، حتى يصبح البذل سلوكًا ثابتًا لا ينفصل عن حياة المؤمن.

ومن هذا المنظور، يتحول الإنفاق إلى ميزان حقيقي لصدق الإيمان، وإلى وسيلة للارتقاء الروحي والتربوي نحو مقام الإحسان والقرب من الله. وهكذا يتضح أن البر غاية سامية لا تُنال إلا عبر تربية مستمرة للنفس، تجعل الإنسان أكثر صفاءً في قلبه، وأكثر صدقًا في عمله، وأكثر التزامًا بقيم الإيمان في حياته الفردية والاجتماعية.


[1] عبد السلام ياسين، كتاب الإحسان، ج1، ص: 391.
[2] المصدر نفسه، ج1، ص: 391.
[3] أخرجه مسلم (2553) مختصرا، وأحمد (17668).
[4] أخرجه البخاري (6094)، ومسلم (2607).
[5] رواه البخاري ومسلم.