تعليم المرأة المسلمة بين هدي النبوة وإشكالات واقع الفقه المنحبس ودعوات التحرير والتغريب

Cover Image for تعليم المرأة المسلمة بين هدي النبوة وإشكالات واقع الفقه المنحبس ودعوات التحرير والتغريب
نشر بتاريخ

مقدمة

عاشت المرأة المسلمة بعد عصر الخلافة الراشدة مرحلة الانحطاط والحبس، حيث طبق عليها مبدأ “سد الذرائع”، في تحريم أمور جائزة فيها سعة للناس، ومُنعت مباحات، وحُرمت عليها حقوق مشروعة، وقيدت حريات ضرورية، وعطلت مصالح مستحقة، بعدما كانت في عهد النبوة مشاركة في الحياة العامة، حيث إن الإسلام حررها وأشركها في جل ميادين الحياة، وأباح لها الخروج من منزلها وعدم الانقطاع عن العالم الخارجي. فالنساء في عصر الرسالة، لم يكن مظلومات حقوق، بل منهن المجاهدات في سبيل الله، والممرضات، والعالمات، وكان لهن رأي وحضور في المشاورات كالرجال، وفق ضوابط الشريعة الإسلامية من أدب وحشمة.

فما هو تعريف القاعدة الفقهية “سد الذرائع”؟ وما آثارها على تعليم المرأة المسلمة؟

وما هي تجليات مظاهر تعليم المرأة المسلمة في العهد النبوي؟

 وكيف كان خطاب دعوات التحرير والتغريب من أجل تعليم المرأة المسلمة وتحريرها وفق النموذج الغربي؟

تعريف مبدأ سد الذرائع وأثر قيوده على تعليم المرأة المسلمة

عرّف “محمد الطاهر بن عاشور” مبدأ سدّ الذرائع بمعناه العام من خلال حديثه عن “الذرائع” في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية، حيث بيّن أن: سدّ الذرائع هو منعُ ما يجوز في الأصل إذا كان وسيلةً إلى مفسدةٍ أو محظورٍ.

وقد عبّر عنه بمعانٍ متقاربة، منها أن: “الذرائع هي الوسائل، فإذا أفضت إلى مفسدةٍ راجحة مُنعت، وإن كانت في الأصل مباحة” 1.

 تقول الدكتورة رقية العلواني في توصيف الحالة الاجتماعية والأعراف المتعلقة بالمرأة في عصور التقليد المتأخرة نتيجة الفقه المنحبس: “وأضحى سد الذريعة سلاحا مشروعا في وجه أي دعوة لاستعادة مكانتها التي بوأها إياها الإسلام، من دعوة إلى تعليمها أو مشاركتها في الحياة العامة، فالتعليم يقتضي خروج المرأة من بيتها وخروجها فتنة، فتمنع من التعليم سدا لذرائع الفساد” 2.

يتضح من خلال ما سبق ذكره أن الفقه المنحبس عمل على إبعاد المرأة عن ساحة الفعل والإرادة الحرة داخل المجتمع استنادا إلى مبدأ سد الذريعة؛ على أساس أن كل ما يؤدي إلى محرم يكون محرما، ولو كان في أصله أمرا مباحا، لأن وسيلة الشيء تأخذ حُكمه حلاً أو حُرمة. وقد لجأ بعض الفقهاء قديما وحديثا، إلى بناء أحكامهم الفقهية وفتاواهم الدينية على مبدأ سد الذرائع، فحرموا ومنعوا مباحات كثيرة: اجتماعية واقتصادية وسياسية ومعاملات، مظنة فساد، وخشية ضرر. ولا خلاف حول مشروعية مبدأ سد الذرائع، لكن الإشكال في سوء تطبيق المبدأ في الميدان الاجتماعي، بخاصة في كل ما يتعلق بوضعية المرأة وحركتها في المجتمع؛ تعليمها، عملها، زواجها، حجابها، سفرها، المناصب القيادية، حقوقها السياسية، اختلاطها بالرجال، إلى غير ذلك من الأمور العامة والخاصة المتعلقة بالمرأة.

مظاهر تعليم المرأة المسلمة في عصر النبوة

لقد ازداد البعد عن هدي الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم مع توالي القرون، ولا شك أن المرأة كان لها الحظ الأوفر، حيث صارت في نظر الرجال إنسانا من الدرجة الثانية أو الثالثة، فهي إما ضعيفة بلهاء، أو خبيثة ماكرة لا تحسن غير الكيد والإفساد، بل هي مجرد لعبة جنسية، والحقيقة غير ذلك، عن ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله  – صلى الله عليه وسلم -: “طَلبُ العلمِ فَريضَةّ عَلى كُلِّ مُسلِم” وهو حديث حسن بشواهده، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، منهم أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، والحسين بن علي بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وجابر 3.

والمعنى إذا كان على كل مسلم فالمسلمة دخلت في الحكم، لأن الأحكام بينهم ثابتة، فما وجب على المسلم وجب على المسلمة، وما وجب عليها وجب على المسلم إلا ما خصه الدليل بواحد منهما، فكل فريضة أوجبها الله تعالى هي فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم.

كما كانت النساء يحضرن دروس العلم مع الرجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألن عن أمر دينهن  مما قد يستحي منه الكثيرات اليوم، حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها، ولم يشبع ذلك نهمهن لمزاحمة الرجال واستئثارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم،  فطلبن أن يجعل لهن يوما يكون لهن خاصة، لا يغالبهن الرجال ولا يزاحموهن، فعن أبي سعيد الخدري، قالت النساء للنبي – صلى الله عليه وسلم -: “غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن” 4.

وقد سطر عهد النبوة مجموعة من الأسماء النسائية التي برزت في هذا المجال؛ مثل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث كانت نموذجا للمرأة العالمة و مرجعا للصحابة في مجال الحديث والفقه، وحول نبوغها يقول الإمام الزركشي رحمه الله: “سَلَخْتُ سنينَ في دراسةِ السيدةِ عائشة، كنت فيها حُيال معجزةٍ لا يجد القلمُ إلى وصفها سبيلاً، وأخُصُّ ما يُبهِرُك، عِلمٌ زاخرٌ كالبحرِ، وسِعةُ آفاقٍ واختلافُ ألوانٍ، فَما شِئتَ إذْ ذاك من تَمكُنٍ في فِقْهٍ أو حديثٍ أو تفسيرٍ أو علمٍ بشريعةٍ، أو آدابٍ أو شعرٍ أو أخبارٍ أو أنسابٍ أو مفاخرَ أو طبٍّ أو تاريخٍ، إلاَّ أنتَ واجدٌ ما يَرُوعُكَ عندَ هذه السيدة” 5.

وأمنا أم سلمة التي جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والعبادات.. ومنهن محدثات كأمنا أم حبيبة بنت أبي سفيان وأمنا حفصة بنت عمر بن الخطاب وأسماء بنت أبي بكر وغيرهن.

فقد ورد أَنهن كن يشاركن الرجال في المناظرات للتحقق من بعض الأحكام، كما يشاركن في تبليغ العلم ورواية الحديث، وتعليم الكتابة؛ باعتبارها أحد أهم وسائل التبليغ. وتؤكد كتب السيرِ على أنه قد تتلمذ كبار الصحابة والأئمة والمحدثين على أيدي أمهات المؤمنين والصحابيات والتابعيات من بعدهن.

مظاهر تعليم المرأة المسلمة ودعوات التحرير والتغريب

لقد عمِلت آلة التغريب على تخريب المجتمعات العربية الإسلامية، ولعل المدخل الرئيسي لتلك الغاية يكمن في المرأة بوصفها ركيزة البيت وبوابته، لقد بدأت هذه الدعوة في عصر النهضة العلمية، حين أُرسلت بعثات عربية إلى الغرب من أجل استيراد العلوم الحديثة، وكان رفاعة الطهطاوي (1801/1873) أحد المصاحبين لتلك البعثات، فانبهر بالتطور الذي بلغته فرنسا في مجالات العلوم التقنية والطب والهندسة وغيرها من مجالات المعرفة الحديثة، وكان مما انبهر به النساء الفرنسيات، مما دفعهُ للقول: “إن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل التربية الجيدة والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة، والالتزام بين الزوجين” 6.

لقد أبهره حسن خلق الفرنسيات رغم كشفهن لما هو محرم عند نساء المسلمين بنصوص قطعية، وهكذا دعا الطهطاوي إلى الإصلاح منطلقا من المرأة، باعتبارها لا تقل شأنا عن الرجل، وقد ألف “المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين” معتبرا تعليم البنات نقطة الانطلاق الصحيحة.

هذا الموقف لاقى معارضة قوية من قبل الفقهاء المسلمين، لكنه بالمقابل كان بداية لمزيد من “الانفتاح” بالنسبة لمن جاء بعده، مثل محمد عبده، ثم قاسم أمين الذي انتقد في كتابه “تحرير المرأة” من يعتبر “النساء ربات الخدور يعمرن المنازل، وإن وظيفتهن تنتهي عند عتبة باب البيت” 7.

لكن دعوة هؤلاء لم تقف عند هذا الحد إذ ظهرت “نوال السعداوي” (1931م)، منادية بأن “تحرير النساء لا ينفصل عن تحرير الوطن لأنهن نصف هذا الوطن ولا يمكن تحرير الوطن دون تحرير النساء” 8.

غير أن تحرير النساء بالنسبة للسعداوي مختلف عن الطهطاوي وأبي شقة، لأنها تعتقد “أن أصحاب الفكر الديني يرون أن القانون الإلهي أو كتاب الله هو الذي  يحكم العلاقة بين الرجال والنساء،  وأن هذا القانون الإلهي أزلي وثابت وواضح، وإذا كان هناك من النصوص الإلهية ما هو غامض فإن هناك المفسرين من رجال الدين أو العلماء الفقهاء وكلهم رجال، إلا أن بعض النساء اقتحمت هذا المجال مؤخرا سواء في بلاد الغرب أو الشرق” 9.

فالقرآن الكريم بالنسبة إليها يجب تأويله مع ما تقتضيه مصلحة النساء، مهما كانت هذه المصلحة في رأيها، ولم تكتف بالدعوة إلى ذلك بل تجرأت على فعله بقولها: “أصبحت المرأة هي المسؤولة عن الخطيئة؛ في كتاب التوراة عاقب الإله حواء فقط وأدانها ولم يعاقب آدم، وفي القرآن اشتراك (آدم وحواء) في الأكل من الشجرة المحرمة وهناك آية قرآنية تؤكد ذلك، لكن التوبة لم تشمل إلا آدم فقط حسب الآية ” فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ”، صيغة المفرد هنا تطرد حواء من التوبة” 10.

هذه الجرأة لاقت استحسانا عند من يكيدون للأمة الإسلامية، فشجعت هذه المبادرة، واعتبرتها دعوة لتحرير المرأة من قيود الجهل، وهكذا أصبحت المرأة المعاصرة اليوم وقد استبيح عِرضها واستغلت من جهات معينة ودخلت في مرحلة الانحطاط حيث حولتها الحضارة إلى دمية معبودة، وهي “عبارة عن موضع إعجاب أو استغلال ولكنها حَرمت المرأة من شخصيتها وهي الشيء الوحيد الذي يستحق التقدير والاحترام، هذا الوضع مشهود بشكل مضطرد وقد أصبح أكثر وضوحا في مواكب الجمال أو بعض مِهن نسائية معينة مثل الموضيلات، في هذه الحالات لم تعد المرأة شخصية ولا حتى كائنا إنسانيا” 11.

نستنتج من كل ما سبق أن المرأة التابعة للحضارة الغربية المادية اليوم فقدت شخصيتها واستبيح عرضها، فبعد أن كرم الإسلام المرأة نجد أن هؤلاء الدعاة لتعليمها وتحريرها وفق النموذج الغربي، يريدون أن يغيروا المرأة ويجعلوها متاعا للاستمتاع، وهي دعوة للإفساد؛ الغرض منها إفساد المجتمع الإسلامي عن طريق إفساد المرأة لأنها مسؤولة عن تربية الأجيال. ولقد أبرز عهد النبوة دور المرأة المهم داخل المجتمع الإسلامي وأعطى لها الحق في العلم والتعلم، ونحن ندرك تماما أن عماد الأمة القوية هو الأسرة القوية، ولن يتحقق هذا الأمر إلا بفضل المرأة المتعلمة، المربية، المصلحة داخل المجتمع، مزودة بخطط دفاع موجهة لتربية سليمة محافظة على الفطرة متعهدة للرعاية وحسن التوجيه.

خاتمة

تعليم المرأة سبب لتحرير الأمة، ولعل تخلف هذه الأخيرة راجع بالأساس لهذا السبب، وإنه لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة قيام دليل يمنع المرأة من العلم، أي علم كان، أو يوقفها عند حد من حدود في التعليم العربي الديني، بل الأصوليون صرحوا بأن المرأة يجوز أن تصل مرتبة الاجتهاد في علوم القرآن والسنة وما يصل إليها من العلوم الإسلامية حتى تكون مثل الإمام مالك والشافعي، كما كانت عائشة الصديقة التي كان أعلام الصحابة يستفتونها في المهمات، وكانت من أعلم أهل زمانها بالشعر والأدب والأنساب، ومرجعا للصحابة الكرام في مجال الحديث والفقه.


[1] محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، الأردن، ص 298–299.
[2] د. العلواني، رقية طه جابر، أثر العرف في فهم النصوص، قضايا المرأة نموذجا، ط 1، 1424هـ – 2003م، ص 143.
[3] ابن عبد البر، ابو عمر يوسف، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، القاهرة، دط، دت1\23.
[4] البخاري، صحيح البخاري، الحديث 101، باب هل يجعل النساء يوم على حدة للعلم؟ 1\35.
[5] الزركشي، بدر الدين، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، تحقيق وتعليق سعيد الأفغاني، المكتب الإسلامي، ط 2، 1970، بيروت، ص 3.
[6] الهطاوي، رفاعة، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، دط، دت، ص299.
[7] أمين، قاسم، تحرير المرأة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، دط، دت، ص20.
[8] السعداوي، نوال، عن المرأة والدين والأخلاق، مؤسسة هنداوي سي آي سي، دط، دت، ص 28.
[9] نفسه.
[10] نفسه، ص 48.
[11] بيجوفتش، علي عزت، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، مؤسسة العلم الحديث، بيروت، ط1، 1414هـ 1994م،ص 264.